يشكّل التغير المناخي مشكلةً حرجةً تمتدّ عبر الحدود الوطنية، والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويواجه الباحثون مهمةً صعبةً بسبب كثرة أسباب نشوئه، فقام الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ بوضع أوّل تقييم عام 1990. وبدأت بعده عقود من البحوث الدولية، والمناظرات السياسية، والتحذيرات العلمية المشؤومة على نحو متزايد. على الرغم من الجهود المبذولة، فإن الفشل في خفض الانبعاثات الكربونية واضح إلى حدّ محبط. والواقع أن الزيادة العالمية في الانبعاثات كانت بلا هوادة، حيث أصبحت أعلى بنسبة 60% مما كانت عليه في عام 1999. [1] نتيجةً لذلك يعتقد الخبراء أن التهديدات تشكّل حالة طوارئ عالمية يمكن أن يترتّب عليها عواقب كارثية بالنسبة للبشرية. لذلك بدأت المدن الذكية بتطبيق خطط جديدة للحد من التغير المناخي والمشكلات البيئية فيها بالاعتماد على التقنيات الذكية.
محتويات المقال :
يعتبر تغير المناخ مسألةً معقّدةً ذات عوامل مساهمة متعددة، حيث تتفاعل هذه العوامل مع بعضها البعض وتساهم في حدوث التغير المناخي. بسبب ذلك يصعب إلقاء المسؤولية التامة على البشر فقط، على الرغم من إثبات الأدلة العلمية دور الأنشطة البشرية في زيادة تغير المناخ. [2]
يتمثّل المسبب الرئيسي لتغير المناخ في زيادة انبعاث الغازات الدفيئة ولاسيما ثاني أكسيد الكربون CO2، والميثان CH4، وأكسيد النيتروز N2O. فتحجز هذه الغازات الحرارة في الغلاف الجوي للأرض، مما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. ويعتبر حرق الوقود الأحفوري مثل الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي مصدرًا رئيسيًا لهذه الانبعاثات. ويشمل ذلك الانبعاثات الصادرة من محطّات توليد الطاقة، والنقل، والعمليات الصناعية. على سبيل المثال؛ تطلق بعض العمليات الصناعية كإنتاج الإسمنت، والتصنيع الكيميائي غازات دفيئة في الغلاف الجوي. إضافةً إلى ذلك تنتج الأنشطة الزراعية مثل إنتاج الماشية، وزراعة الأرز انبعاث الميثان، وأكسيد النيتروز، وتمتلك هذه الغازات قدرة احترار أعلى بكثير من ثاني أكسيد الكربون.[2]
تؤدي الإدارة غير السليمة للنفايات إلى انبعاث غاز الميثان في الجو، مثل تحلّل النفايات العضوية في مدافن القمامة. كما يساهم قطع الأشجار، وإزالة الغابات، والتوسع الحضري في التغيرات لأن الأشجار تمتصّ ثاني أكسيد الكربون. بالتالي تقلّل إزالة الغابات من قدرة الأرض على إزالة الغازات الدفيئة. وقد تؤثر التغييرات في استخدام الأراضي على الأنماط المناخية المحلية والإقليمية للأرض.[2]
تواجه المدن مجموعةً من القضايا البيئية المؤثرة على صحة السكان ورفاهيتهم. وتشمل بعض المشكلات البيئية الأكثر إلحاحًا في المدن ما يلي:
يعتبر الخبراء المدن الذكية أداةً مهمةً لمكافحة التغير المناخي والمشكلات البيئية في المدن من خلال تعزيز الممارسات المستدامة، والحد من الاحتباس الحراري. فتساعد المدن الذكية في تخفيف آثار تغير المناخ، وخلق مستقبل أكثر استدامةً للأجيال القادمة. ويتحقّق ذلك بواسطة إدارة الطاقة الذكية، والتنقل المستدام، والإدارة السليمة النفايات، والتخطيط الحضري. وذلك عن طريق الاستفادة من التقنيات المتطوّرة مثل الذكاء الاصطناعي AI، وإنترنت الأشياء IoT، وأجهزة الاستشعار، وتعلم الآلة وغيرها الكثير.
تنفّذ المدن الذكية عدّة استراتيجيات بهدف الحد من بصمتها الكربونية، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والتخفيف من وطأة التغير المناخي والمشكلات البيئية. فتعطي المدن الذكية الأولوية لدمج مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح في أنظمة الطاقة الخاصة بها. يساعد ذلك على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليل غازات الاحتباس الحراري. [7][8]
تطبِّق المدن الذكية تقنيات كفاءة الطاقة لتحسين استهلاك الطاقة، وتتضمن الأبنية الذكية التي تمكّن من تحسين مراقبة واستعمال الكهرباء.[7] على سبيل المثال؛ تستخدم أنظمة إنارة ذكية تعتمد على أجهزة استشعار فتعدل هذه الأنظمة مستويات الإنارة على أساس كمية الضوء الطبيعي الداخل إلى البناء، فتساهم في خفض صرف الكهرباء.
إضافةً إلى ذلك، تستخدم المدن الذكية «شبكات متناهية الصغر- Microgrids» وهي نظم محلية لتوزيع الطاقة، تعزز موثوقية الطاقة ومرونتها. وتتضمّن تقنيات تخزين الطاقة مثل البطاريات من أجل تخزين الطاقة المتجددة الزائدة لاستخدامها لاحقًا.[8]
تشجع المدن الذكية استعمال وسائل النقل العام والتي تساعد في الحد من الانبعاثات، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز أنماط الحياة الأكثر صحةً. فتستثمر في الهياكل الأساسية للنقل العام مثل الحافلات السريعة، والسكك الحديدية، وشبكات مترو الأنفاق، لكي توفر خيارات عديدة تتّسم بالكفاءة والموثوقية.[9] تؤدي كذلك نظم إدارة حركة المرور دورًا حاسمًا في تعزيز وسائط النقل العامة في المدن عن طريق تقليل الازدحام. إذ تعتمد على أجهزة استشعار توفر بيانات آنية، من ثم تستخدم تحليلات متقدّمةً لتحسين تدفّق حركة المرور. تستطيع كذلك إعطاء الأولوية في إشارات المرور إلى المركبات العامة مما يزيد سرعتها مقارنةً مع المركبات الخاصة. كما توفر الأنظمة معلومات لحظيةً للمواطنين عبر تطبيقات على الهاتف المحمول حول ظروف المرور، وجداول النقل العام، والطرق البديلة. نتيجةً لذلك يستطيع السكان اتّخاذ قرارات فعّالة بشأن أسلوب سفرهم. [10]
تحظى أنظمة مشاركة الدراجات بشعبية متزايدة بين الناس كوسيلة نقل مستدامة ومريحة. وتشمل أسطولًا من الدراجات التي يمكن للمستخدمين تأجيرها لفترات قصيرة، وعادةً ما تكون مقابل رسوم مالية. يؤثر النظام بشكل إيجابي على التنقل المستدام عن طريق تشجيع التحول من الرحلات القصيرة بالسيارات إلى الدراجات.[11][12] تواجه مشاركة الدراجات على الرغم من فوائدها الكثيرة تحديات مثل السرقة، وتلف الدراجات، والقدرة المحدودة في ظلّ جائحة كورونا.[12]
يشكّل التقارب بين الطاقة والتنقل ضرورةً أساسيةً بالنسبة للمدن الذكية، ومن هنا تأتي أهمية المركبات الكهربائية. والمركبات الكهربائية EVs هي المركبات التي تعمل بالطاقة الكهربائية بدلًا من البنزين، أو وقود الديزل. وتستخدم المحركات الكهربائية، والبطاريات لتشغيل المركبة مما يعني أنها تنتج صفر انبعاثات، وتعدّ أكثر ملاءمةً للبيئة من المركبات التقليدية.[13] وتتضمّن المركبات الكهربائية عدّة أنواع تختلف بحسب المنطقة، والجهة الصانعة وهي:
تستخدم المدن الذكية مزيجًا من التقنيات والنظم لتقليل النفايات، وتحسين طرق جمعها بهدف خلق بيئة أكثر نظافةً وصحةً لسكانها. وتعتمد عمومًا على صناديق القمامة الذكية وهي صناديق مجهزة بأجهزة استشعار تكشف متى تصبح ممتلئةً وتنبّه موظّفي إدارة النفايات من أجل تفريغها. بسبب ذلك يقلّ مقدار الوقت، والموادّ اللازمة لجمع النفايات. كما يمكن للصناديق ضغط النفايات لتوفير مساحة أكبر مما يقلّل الحاجة إلى عمليات التفريغ المتكرّر.[16]
علاوةً على ذلك تهدف المدن الذكية إلى تقليل النفايات عن طريق تعزيز ممارسات مثل إعادة التصنيع، والاستخدام، والتدوير. نتيجةً لذلك تقل كمية النفايات التي تحتاج إلى إدارة، وتخلق أيضًا فرصًا اقتصاديةً جديدةً. وتحتاج حتى تنجح بهذا النظام تثقيف المواطنين حول ممارسات إدارة النفايات السليمة مثل فصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن المواد غير القابلة لإعادة التدوير.[17]
تسعى المدن الذكية إلى خلق بيئات حضرية أكثر استدامةً ومرونةً. فيمكن دمج البنية التحتية الخضراء والزرقاء مثل الحدائق والمسطحات المائية في المشهد الحضري. ويمكن للمدن كذلك تشجيع بناء مبانٍ خضراء تتضمّن سمات مثل الأسقف الخضراء والحدائق الرأسية. فلا تسهم هذه المباني فقط في زيادة المساحات الخضراء في المدينة، لكن تساعد أيضًا على الحدّ من الاحتباس الحراري. زيادةً على ذلك تدعم المدن الذكية مبادرات الزراعة الحضرية فتعزّز بذلك الإنتاج الغذائي المحلي، وتقلل من البصمة الكربونية المرتبطة بنقل الأغذية.[18]
بالطبع تستفاد المدن من التقنيات الذكية لتحسين استخدام الموارد. على سبيل المثال: يمكن الاعتماد على أجهزة الاستشعار، وتحليل البيانات لرصد مستويات رطوبة التربة، وتوفير الريّ للأشجار عند الضرورة فقط لتقليل هدر المياه.
لقد وصلنا اليوم إلى نقطة لا يمكننا فيها إنكار خطر التغير المناخي، والمشكلات البيئية، وما يترتّب عليها من نتائج كارثية تهدّد مستقبل كوكبنا. بالتالي نحتاج اتّخاذ تدابير وخطط جديدة وفعّالة للحد من المشكلة، وهذا ما تسعى إليه المدن الذكية الآن.
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…