Ad

هل زرت يومًا ما مدينة في بلدك غير مدينتك، أو ربما في بلد آخر، وتساءلت إلى أي حد تشبه مدينتك؟ ماذا لو كانت الأبنية جميعها متشابهة في الطراز، ولا تعرف حدودًا اجتماعية، أو إقليمية، أو دينية، أو حتّى سياسية. فهل ستكون مميّزة أم ستخلق مشهدًا مملًا رتيبًا؟ حسنًا هذا ما دعا إليه معماريو الطراز الدولي. فماذا يقصد بالطراز الدولي في العمارة، وكيف نشأ؟

ما هو الطراز الدولي؟

استُخدم مصطلح « الطراز الدولي – international style » لأوّل مرّة عام 1932. وذلك لوصف المعماريين الذين ارتبطوا بحركة الحداثة، والذين تشاركت تصاميمهم ذات الصفات البصرية. وعقِد معرض MoMA في نيويورك عام 1932، ويعتبر أوّل معرض معماري ضمّ المهندسين المعماريين المرتبطين بحركة الحداثة. وقد صيغ مصطلح الطراز الدولي من قبل المعماري فيليب جونسون وهنري راسل هيتشكوك في مقالتهما، والتي كانت بمثابة نشرة للمعرض. وبصفة عامة ينظر إلى الطراز الدولي على أنّه يحوِّل بمفرده أفق كل مدينة رئيسيّة في العالم إلى أشكال مكعّبة بسيطة. [1]

العوامل التي أدَّت إلى نشوء الطراز الدولي

نشأ الطراز الدولي بسبب 3 ظواهر أساسيّة واجهت المعماريين في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20، ألا وهي:

  • تزايد عدم رضى المعماريين على الاتجاه المعماري المنتشر في تلك الفترة. إذ استمرَّ استخدام مزيج من العناصر الزخرفية التي تعود إلى فترات وأنماط معمارية مختلفة، لكي يتشكّل منها مبانٍ جديدة. و يدعى هذا ب: «الانتقائية في العمارة- eclecticism in architecture» ولم يظهر هذا الاتجاه علاقة مباشرة بين شكل المبنى ووظيفته. فأدّت هذه الأسباب إلى رفض المعماريين إحياء الأساليب التاريخية، وبدلًا من ذلك، دعوا للعودة إلى أساس العمارة؛ الشكل والهيكل والتناسب.
  • جميعنا نعرف ما تخلّفه الحروب من تشرّد، وأزمات اقتصادية، ودمار. وبالطبع تطلّبت الحياة بعد الحرب العالميّة حلولًا جديدة في العمارة، لاسيما بعد توجّه العالم نحو الكثير من إعادة الإعمار وإعادة التأهيل. إذ احتاجت الدول إلى مبانٍ اقتصادية منخفضة التكاليف، وتخدم مجتمعا سريع التصنيع.
  • شكّلت التكنولوجيا عاملًا حاسمًا، خاصّةً نتيجة توفّر الحديد والفولاذ المنتج بكمّيات كبيرة ورخيصة الثمن. فبدأ المهندسون بدمج هذه المواد في الأبنية، فارتفعت أوّل ناطحة سحاب في ذلك الوقت والتي تعود لمدرسة شيكاغو.

لذلك أدّت هذه الظواهر إلى البحث عن عمارة صادقة، واقتصادية، ونفعيّة من شأنها تلبية احتياجات البناء الجديدة من جهة. بالإضافة لجاذبية المنظر من جهة أخرى.[2][3]

بمن تأثّر الطراز الدولي؟

نما الطراز الدولي نتيجة عمل مجموعة صغيرة من المعماريين في العشرينيات، الذين واصلوا تحقيق تأثير كبير في مجالهم. وتعتبر مدرسة «باوهاوس-Bauhaus» الألمانية من أكبر المؤثّرين على نشوء الطراز الدولي. خاصة بسبب أعمال مديرها «فالتر غروبيوس-walter gropius»، الذي اشتهر بالجدران الستائرية. ويقصد بها الغلاف الخارجي للمبنى الذي تكون جدرانه الخارجية غير إنشائية، ويمكن صنعها من مواد خفيفة الوزن كالزجاج مثلًا. والمعماري «ميس فان دير روه- Mies van der rohe ». وكذلك المعماري الهولندي «يعقوب أود- jacobus oud» الذي جلب المزيد من الأشكال الدائرية إلى الطراز. بالإضافة للمعماري «لو كوربوزييه-le corbusier» الذي أضاف مفهوم النسبة المعيارية من أجل الحفاظ على مقياس إنساني في عمله. وغيرهم من معماريي الحداثة الذين ساهموا في نشر مبادئ الطراز الدولي. والذي شكّل بدوره أساس المفردات المعمارية لناطحات السحاب في أمريكا خلال فترة الخمسينيات والستينيات. [2]

مبادئ الطراز الدولي

رأى فيليب جونسون أن هذه الاتجاهات التي تبنّاها المعماريون في جميع أنحاء العالم من شأنها أن تؤدي إلى عمارة حديثة، وخالية من المواد المحليّة والعناصر الشخصيّة والإقليمية. ورأى آخرون أن الطراز الدولي قد أعلن استقلاله عن المتطلّبات الفريدة للثقافة، والمناخ، والمكان والزمان أيضًا. [3]

وعمومًا اعتمد الطراز الدولي عدّة مبادئ أساسيّة. فقد ركّز على الحجم بدلًا من الكتلة، أي على التعامل مع الحيّز والمستويات التي يشغلها المبنى. وأكّد على الانتظام، حيث يعكس الشكل البصري للمبنى الإيقاع المنتظم للنظام الإنشائي. إضافةً إلى ذلك استخدم المعماريون مواد أنيقة تحقّق نسبا جميلة بدلًا من اعتماد الزخرفة المنتشرة. وغالبًا ما ارتبطت المرونة مع هذه المبادئ، ولاسيّما مرونة المخطّطات. [3][4]

بماذا تتميّز عمارة الطراز الدولي؟

تتميّز عمارة الطراز الدولي بعدّة صفات وعناصر تحدّدها وتميّزها عن غيرها، منها:

  • بدت هياكل الطراز الدولي عديمة الوزن بصريًا، نتيجة الاستخدام الواسع للزجاج والصلب.
  • اعتماد هياكل إطارية معدنية بدلًا من الجدران الحمّالة. وعكِس هذا بدوره على المساقط من جهة، إذ يتحقّق مسقط حر خالٍ من العديد من الجدران، وعلى الواجهات من جهة أخرى حيث يمكن للنوافذ أن تمتدَّ من طرف إلى آخر بدون إعاقة الجدران.
  • استُخدمت غالبًا الخطوط المستقيمة أي المستطيلات أو المربّعات، بدلًا من المساقط الدائرية. وفضِّلت الخطوط المستقيمة أكثر من الأقواس لتشكيل الفتحات (الأبواب والنوافذ).
  • تجنّب الأسقف المتعرّجة والبارزة، وبالتالي تفضيل الأسقف المستوية، ممّا شجّع على إدخال الأسطح المتدرّجة (المصاطب).
  • تجنّب الزخرفة وتزيين الجدران والأسطح، حيث استخدموا أحيانًا الفنون الناعمة للزينة، وفضّلوا الطلاء أحادي اللون، خاصّةً اللون الأبيض.
  • حلَّت بعض الاعتبارات مثل الجمالية، والوظيفية، واعتماد التقنية، وبساطة التفاصيل في نهج التصميم.
  • لا يعترف الطراز الدولي بالتسلسل الهرمي لأنواع المباني.
  • تخفيض تكلفة البناء وتقليص زمن البناء، إذ استخدموا في الغالب مواد مسبقة الصنع.
  • لا تتوافق المباني مع المناخ، مما يجعلها تتطلّب تطويرًا وضوابط واسعة للمناخ الداخلي، مثل استعمال مكيّفات الهواء والسخّانات وغيرها العديد.
  • فقدت المباني خصوصيّتها وشعورها بالأمان وذلك لأن معظم الواجهات كانت زجاجية.
  • اعتمدت على التوحيد، حيث كثيرًا ما تشابهت المباني.[3]

انتقادات شديدة

فشل الطراز الدولي في الانتشار في كل أنحاء العالم، لأنّه لم يأخذ تأثير البيئة السياسية بعين الاعتبار. التي أثّرت على وصوله لعدة دول مثل روسيا، والصين، وتشيكوسلوفاكيا، وبولندا. وتلقّى أيضًا انتقادات واسعة من معماريين مشهورين مثل «فرانك لويد رايت- Frank Lloyd Wright ». إذ وصف الطراز الدولي بالصيغة السهلة التي يمكن لأي شخص نسخها. بينما رأى آخرون أن عمارتها هي عمارة بلا مشاعر إنسانية. حيث تمّ تجاهل الغموض والمفاجأة والبهجة في العمارة باعتبارها غير ذات صلة. وبدت الصناديق المصنوعة من الفولاذ والزجاج محبطة ورسمية، ومن ناحية أخرى، لم يحترم الطراز الدولي التقاليد والبيئة المحلية للموقع. فانتشرت مبانيه في الكثير من المدن دون النظر إلى الثقافة المادية والمحلية والاجتماعية للشعوب. وعلى الرغم من ذلك، فقد قبلت بعض دول العالم الثالث هديّة العمارة الأجنبية كدليل على الوصول إلى الساحة السياسية الدولية.

ونتيجةً لهذه الأسباب مجتمعة، تشكّل رد فعل ضد عمارة الحداثة. وسعى المعماريون لإنشاء هياكل أكثر حريّة، وأكثر خياليّة، فاستخدموا مواد البناء الحديثة والعناصر الزخرفية لخلق مجموعة متنوعة من التأثيرات الجديدة. وعرفت هذه الحركة باسم «ما بعد الحداثة- postmodernism » وانتشرت على نطاق واسع.[2][3]

منزل ريتشارد ماندل في أمريكا

يعتبر منزل Richard H.Mandel الواقع في نيويورك واحدا من الأمثلة على الطراز الدولي الأمريكي. صمّمه المعماري «إدوارد دوريل ستون- Edward durell stone». ودمج المنزل كفاءة التصميم مع الأناقة، وتأثّر المبنى بجدارنه الخرسانية الجصيّة البيضاء، وشكل الفتحات الشريطية بتصاميم المعماري لوكوربوزييه.[5]

منزل Richard H.mandel في نيويورك

شقق بحيرة شور في شيكاغو

قدّمت «شقق بحيرة شور- lake shore drive apartments» نموذجًا لناطحات السحاب ذات الإطارات الفولاذية. وقد صمّمها المعماري ميس فان دير روه بين عامي 1948-1951. وتتكون من برج مستطيل، مكوّن من واجهات زجاجية ثبِّتت بإطارات معدنية رقيقة موضوعة بنمط شبكي. وبصفة عامة يعكس المبنى مظهرًا أنيقًا وعالي التقنية. [4]

Lake shore drive apartments من تصميم ميس فان دير روه

مبنى سيغرام عام 1958

يقع «مبنى سيغرام- the seagram building» في نيويورك، ويعدّ رمزًا للطراز الدولي. وهو مبنى مكتبي، بنِي من الفولاذ والزجاج. ويتكوّن من 38 طابق، وعبّر مصمّموه عن هيكله الداخلي من خلال استخدام العوارض البرونزية على واجهاته، والتي لا تحمل أوزانًا. وعلاوةً على ذلك، فإنّ المبنى يقع تقريبًا على بعد 30 م من حافّة الشارع. الأمر الذي أدّى إلى خلق ساحة عامّة أمامه. [6]

The seagram building في نيويورك

مبنى ليفر هاوس 1951

يعد مبنى «ليفر هاوس- lever house» أيضًا من أحد رموز الطراز الدولي. وهو عبارة عن هيكل من الفولاذ المقاوم للصدأ، والزجاج المقاوم للحرارة. ويتكوّن من 24 طابق، ويقع فوق قاعدة مرتفعة مستطيلة من طابقين. [6]

Lever house في نيويورك

إيجابيات وسلبيات

يمكن للمرء استنتاج أن الطراز الدولي قد اجتاح بهدوء ولكن تدريجيًا معظم دول العالم. وقد تخلّص من الاستعارات التاريخية في الأبنية. وخدم بشكل فعّال العمارة، وخاصة في كيفية التعامل مع نتائج الحرب. ولكنّه في نفس الوقت كان سينتهي بتدمير تاريخ الشعوب وتراثها، وسحق العمارة المحلية التقليدية. [3]

وأنت، هل تعتقد أن الطراز الدولي قد لعب دورًا إيجابيًا أم سلبيًا في العمارة؟

المصادر

  1. Tate
  2. Britannica
  3. Research gate
  4. architecture history
  5. Research gate
  6. archdaily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


عمارة

User Avatar

Julie Youssef

مهندسة معمارية، أحب الرسم والقراءة


عدد مقالات الكاتب : 18
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : Chaimaebellahsaouia

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق