سعى السوفييت بعد الحرب العالمية الأولى إلى إعادة بناء مجتمعهم بالكامل، بما في ذلك العلاقات الإجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وأيضًا البنية التحتية للمدن. وأي وسيلة أفضل من الهندسة المعمارية لتحقيق ذلك؟ لذا، ظهرت المدرسة البنائية في العمارة. وغالبًا ما يتم ذكرها بشكل نظري، حيث لم يبنَ مبنيين من مبانيها الأكثر شهرةً على مستوى أكبر من النماذج. فما هي العمارة البنائية constructivist architecture وما أبرز خصائصها؟
محتويات المقال :
نشأت العمارة البنائية في أعقاب الثورة الروسية عام 1917. وسعت على مدى 15 عام تقريبًا من وجودها إلى تغيير مفاهيم الفضاء المعماري، وذلك لكي تخلق بيئة جديدة للقيم الاجتماعية الجديدة للمجتمع الروسي. وتستخدم في نفس الوقت العناصر الإنشائية والتكنولوجية المتقدمة. [2]
وتميزت العمارة البنائية بدمج مكونات الثقافة الجديدة، فمثلًا دمجت الرسومات والإعلانات مع مكونات معمارية جديدة مثل هوائيات الراديو وخطوط التوتر والإطارات الخرسانية والعوارض الفولاذية. ونتيجةً لذلك احتلّ معماريو المدرسة البنائية الريادة في صنع أشكال جديدة من البناء، من خلال تجميع وظائف غير ذات صلة مع بعضها. ومن الأمثلة على ذلك قصر العمل 1923، وهو تصميم لم ينفذ على أرض الواقع أبدًا. [2]
تأثرت العمارة البنائية بعمل فنانين « التكعيبية المستقبلية- cubo-futurism» الذين أملوا وسعوا لاستخدام الفن كمنصة لتحفيز التغييرات في المجتمع.[1] واعتمد المعماريون الروس نظريًا على وظيفة لو كوربوزييه ومدرسة « باوهاوس- bauhause»، ولكنهم فصلوا أنفسهم عنهم في نفس الوقت. [3]
تبنت العمارة البنائية تجارب سينمائية ومسرحية ومساكن مجتمعية بالإضافة إلى نادي العمال، لكي تساهم في خلق رجل الحياة الشيوعية المتطور والمتعدد الأوجه. وأيضًا هدفت إلى إنشاء مراكز للحياة الإجتماعية. [1] ومجّدت أعمال المعماريين البنائيين المنطق الصارم للشكل غير المزخرف كامتداد للمادة، من أجل تشكيل المجتمع السوفييتي. بينما تتحدد فكرة الجمال لديهم بالقدرة على توليد عمليات إنتاج وممارسات اجتماعية جديدة. [2][3]
ارتبطت العمارة البنائية في مرحلتها الأولى بمؤسسة دُعيت VKhUTEMAS كاختصار لورش العمل الفنية والتقنية العليا. وسُميت فيما بعد VKhUTEIN وأغلقت لاحقًا عام 1930. وفيما يخص الاتجاه النظري فتوفر من قبل «معهد الثقافة الفنية- INKhUK»، الذي تأسس أيضًا عام 1920.
وفي أوائل العشرينيات، مر تطور الأفكار في INKhUK بعدّة مراحل. فتأثر بعمل الفنان فاسيلي كاندينسكي، والذي عمل في مجال الفن التجريدي. وعارضه الإنتاجيون المرتبطون بالجهة اليسارية للفنون، والذين توقعوا عصرًا من المهندسين المشرفين على الإنتاج الضخم للأشياء المفيدة غير الفنية. وأدى رد الفعل لكلا الطرفين في عام 1921 إلى تشكيل فريقين. وتشارك الفريقان الاهتمام بالعلاقة بين الهندسة المعمارية والتخطيط الإجتماعي. وأصروا كذلك على كتلة هيكلية محددة بوضوح على أساس أشكال هندسية غير مبهمة.
اكتسبت العمارة البنائية عام 1924 قيادة قوية في أشخاص «ألكسندر فزنين- Alexander vesnin» و«مويسي جينزبورج- moisei ginzburg». وفي الحقيقة لم يكن لدى البنائية حتّى عام 1925 سوى القليل من البناء الفعلي لتظهره. إذ كانت أكثر الأعمال الإنشائية تقدمًا في أوائل العشرينيات من تصميمات خشبية. ولكن بحلول عام 1925 تغير الوضع وتأسس «اتحاد المعماريين المعاصرين- OSA» والذي بدأ في العام التالي بنشر مجلة العمارة المعاصرة. [2]
حُددت عدد من العناصر التي تشكل علامات مرئية يمكن التعرف عليها من نمط العمارة البنائية ومنها:
وبالرغم من وجود هذه الصفات التي تحدد العمارة البنائية، إلّا أن من المستحيل فهم الأبنية من دون مراعاة واستيعاب الدور الاجتماعي الذي لعبته. [3]
تشتهر البنائية بالعديد من المباني التي لم تنفذ أبدًا، وعلى سبيل المثال برج فلاديمير تاتلين والذي يعرف باسم Monument to the third international. وهو عبارة عن نصب تذكاري لذكرى المؤتمر الاشتراكي العالمي الثالث. وكان من المقرر أن يرتفع هذا البرج بنحو 400 م. ويتكون من إطارين حلزونيين يضمان 4 حجوم هندسية، ألا وهي مكعب، وهرم، وإسطوانة ونصف كرة. ومن المفترض أن يدور كل منها حول محورها بحيث يتم دورة كاملة في فترة زمنية محددة.
وعرض تاتلين عام 1920 نموذج للتصميم في موسكو بارتفاع 5 م. وعرض لاحقًا عام 1925 نموذج آخر بارتفاع 3 م في معرض دولي أقيم في باريس، وهيكله الحلزوني مختلف جذريًا عن النموذج الأول. ورُفض البرج عندما جُلب إلى موسكو من أجل المناقشة وذلك لأنه غير ممكن من الناحية التكنولوجية. ولكن بالرغم من رفض البرج وغيره من المشاريع المصممة على الورق إلا أنهم قدموا إشعارًا بوجود حركات حديثة وعصرية. إذ ارتفع فوق نموذج تاتلين راية كتب عليها “المهندسون يصنعون الأشكال الجديدة”. [3][4]
على الرغم من هيمنة عمارة النماذج الورقية في تاريخ البنائية إلّا أنه يوجد مدينة واحدة شهدت ثمار هذه الحركة إلى درجة لا مثيل لها، وهي مدينة «يكاترينبورغ-yekaterinburg». وتعد رابع أكبر مدينة في روسيا، كما أنها أكبر تجمع للعمارة البنائية من أي مكان آخر في العالم مع ما يقارب 140 مبنى. [1]
وكانت مدينة يكاترينبورغ سابقًا مدينة خشبية تتكون مبانيها من طابق واحد في أغلب الأحيان. ولكن تحولت لاحقًا إلى مركز إقليمي وذلك مع تطوير شامل للبنية التحتية. فسعَت الخطة الجديدة إلى تنظيم الحياة بأكملها والمساهمة في تدفق الطاقة الاجتماعية لحل مهام الإنتاج، وليس فقط لتحرير العمال ولكن أيضًا بهدف المساعدة في تشكيل الشخصية الجديدة للمواطنين في المجتمع الشيوعي. [3] لذلك نفذت البنائية مبانٍ تكونت من 4 و5 طوابق ذات أشكال هندسية واضحة. واستخدموا أحيانًا زوايا حادة إضافةً إلى النوافذ الشريطية مع الحد الأدنى من الزخارف.[1]
بالرغم من انتشار موجة الحماس الأولية بين المعماريين الروس إلّا أنه سرعان ما استنكر الزعيم الروسي الحركة. وبسبب المعارضة التي جاءت في وقت مبكر بدا وكأن العمارة البنائية ستفشل. ولكن استمر أشد أنصار الحركة تطرفًا بالعمل بها، وبالتالي استمرت الحركة وازدهرت في العقد التالي.[1]
اعتمد التصميم المعماري السوفييتي خلال الثلاثينيات بشكل متزايد على النهج التاريخية في تصميم الهياكل المعمارية. فعلى سبيل المثال، تم استخدام أشكال مختلفة مستمدّة من الكلاسيكية الجديدة. وفي الستينيات، بدأت الاهتمام بمفاهيم وأفكار العمارة البنائية بالانتعاش على الرغم من تجاهل هذا الإرث لفترة طويلة من الزمن. [2] وبصفة عامة يمكن تحديد الممارسات التي سعَت إلى زيادة الاهتمام بالحركة البنائية، وهي:
بني مجمّع في مدينة يكاترينبورغ وعرف بين عامة الناس باسم بلدة تشيكيست، وشمل المشروع مباني سكنية وعامة بما في ذلك مراكز ثقافية ومرافق صحية وتعليمية. وسعى المصممون للتخلص من عدم المساواة في توزيع المساحات المعيشية ورفضوا النظام الأسري السابق. ومن اللافت للنظر عدم وجود مطابخ في شقق المجمع السكني بسبب أن وظيفة الطهي كان من المفترض أن تكون وظيفة اجتماعية. وبالتالي لزم على سكان المجمّع أن يأكلوا في المقصف، مع توفير موقد صغير للغاز في ممر هذه الشقق لتسخين بعض الطعام عند الحاجة. وخلت الشقق كذلك من الحمامات، لِحَّث السكان على الاغتسال في الحمامات العامة. وبعد دراسة تجربة الحياة في المجمّع تبين أن الفكرة الاجتماعية لم تترسخ. ففضل الناس الطبخ والاستحمام في منازلهم ولذلك احتاجوا لإعادة ترتيب المساحات من أجل تخصيص ركن للمطبخ.
واحتوت البلدة أيضًا على متحف، كان قد ضمَّ في وقت من الأوقات دار للثقافة ومقهى عام. ويمكن لسكان الحي الوصول إلى المقهى مباشرةً من منازلهم عبر ممر خاص وسلالم حلزونية.
صمم المعماري جينزبورج مساكن في مدينة يكاترينبورغ، واحتوى أحد المباني على حل مدهش وتصميم فريد للشقق. إذ يحتوي المبنى 1 على ردهتين فقط في كامل الطابق 3 و6، وتوفر الردهة الوصول إلى كل خلية (مسكن) من النوع F في طابقين. وعلى الرغم من وجود بعض العيوب ولكن للتصميم حل مميز. فالتصميم متعدد المستويات وتميز بوجود نوافذ كبيرة وأسقف عالية في غرف المعيشة من جهة، وأسقف منخفضة ونوافذ أصغر في غرف النوم من جهة أخرى. وذلك أتاح زيادة مساحة الأرضية مّما أعطى خلايا سكنية أوسع.
في البداية، صمم جينزبورج مطبخ وحمام لكل خلية. ولكن قررت الإدارة المحلية أثناء مناقشة المشروع وضع مطبخ وحمام في نهاية كل ردهة جاعلةً منها عناصر عامة. وبالطبع أصبحت النتيجة النهائية لهذا القرار هي التحول التدريجي من مهاجع إلى مكاتب، إذ أصبحت مخصصة لأعضاء نقابة الرسامين. [3][5]
يعد فندق Iset مبنى مشهور من نمط العمارة البنائية. ويتخذ الفندق شكل حدوة الحصان، حيث وضع الممر على الجانب المقعر من المسقط. وقد تراجعت أهمية الفندق نتيجة ظهور ناطحات السحاب والفنادق الجديدة. ومن ثم بدأ العمل الفني المسمى همس الضوء بإعادة أهمية الفندق من خلال تغطية النوافذ المطلّة على الفناء الداخلي بغشاء ملون رقيق. وعند إضاءة المبنى في المساء تظهر النوافذ مضاءة بألوان مختلفة مّما أدى إلى جذب انتباه الجمهور. لذلك جاء العديد من الناس خصيصًا لالتقاط صور للفندق.[3]
تبين لنا العمارة البنائية في النهاية أنه لا تكفي دراسة المخططات المعمارية لكي نفهم نمط معماري معين بل يجب علينا عيش التجربة الاجتماعية التي يقدمها.
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…