Ad
هذه المقالة هي الجزء 2 من 21 في سلسلة مقدمة في علم النفس

كيف يرى علم النفس الطبيعة الفريدة لعمل المخ؟

طرحنا في الجزء الأول من سلسلة علم النفس السؤال: ما هي طبيعة عمل المخ؟ وكيف ينشأ التفكير من المخ؟ وللإجابة على هذا السؤال ينبغي التعرف أولًا على تركيب المخ وأجزائه المختلفة.

مم يتكون المخ؟

الوحدة الرئيسية التي يتكون منها المخ هي «الخلية العصبية-Neuron»، وتعد الخلايا العصبية أصغر أجزاء المخ وأكثرها تشويقًا، حيث تقوم بعملية التفكير عن طريق استقبال الإشارات الحسية ثم تحويلها لأفعال أو أوامر حركية. وتتكون الخلايا العصبية بشكل رئيسي من ثلاثة أجزاء:

  • أولًا، «التغصنات-Dendrites» وهي زوائد تخرج من جسم الخلية العصبية وتستقبل الإشارات من الخلايا العصبية الأخري ثم تقوم بتوصيلها إلى المحور.
  • ثانيًا، «المحور-Axon» وهو تركيب رفيع وطويل وظيفته توصيل الإشارات العصبية التي تم استقبالها إلى الخلايا العصبية الأخرى.
  • ثالثًا، «الجسم-Soma» وهو الجزء الذي يحوي النواة التي تحمل الحمض النووي الخاص بالخلية العصبية وتقوم بتصنيع البروتينات الخاصة بها.

بالإضافة إلى جزء آخر لا يتواجد في كل أنواع الخلايا العصبية وهو «غشاء الميالين-Myelin sheath» الذي يحيط بالمحور ويعمل كعازل ويزيد من سرعة توصيل الإشارات العصبية. يبلغ عدد الخلايا العصبية حوالي مائة مليار خلية، ويمكن لكل خلية أن ترتبط بآلاف أو مئات الخلايا الأخرى. وتتنوع الخلايا العصبية ما بين الخلايا العصبية الحسية، والخلايا العصبية الحركية، والخلايا العصبية المتوسطة. والأخيرة تقوم بعملية التفكير عن طريق استقبال الإشارات الحسية وتحويلها إلى أوامر حركية.

مبدأ الكل أو لا شيء

تتبع الخلايا العصبية مبدأ الكل أو لا شيء، فإما أن تصل شدة الإشارة العصبية إلى حد معين يكفي لاستثارة الخلية أو لا تُثار الخلية مطلقًا. والسؤال هنا، كيف يمكن للخلايا العصبية التي تعمل بمبدأ الكل أو لا شيء أن تنقل المشاعر بتدرجاتها؟ والإجابة عن طريق ترميز شدة الإشارة العصبية بواسطة: عدد الخلايا العصبية المستثارة، ومعدل تكرار الاستثارة.

كيف تتواصل الخلايا العصبية مع بعضها؟

اعتقد العلماء أن الخلايا العصبية ترتبط ببعضها مثل أسلاك الحاسوب لكن الحقيقة أن الخلايا العصبية تتواصل كيميائيًا عن طريق «الناقلات العصبية-Neurotransmitters». يوجد بين كل خلية عصبية وأخرى فجوة ضئيلة تُعرف باسم «الوصلة العصبية-Synapse» وهي المنطقة التي تُنقل فيها الإشارات العصبية من خلية لأخرى بواسطة الناقلات العصبية. تنقسم الناقلات العصبية إلى نوعين: المنشطة والمثبطة. وتعتمد الكثير من الأدوية على تأثير الناقلات العصبية، وهذه الأدوية نوعان: أدوية من النوع «الناهض-Agonist» الذي يزيد من تأثير الناقلات العصبية عن طريق زيادة نسبة تصنيعها أو عرقلة القضاء عليها أو حتى محاكاة تأثيرها. وأدوية من النوع «المعارض-Antagonist» الذي يقلل تأثير الناقلات العصبية عن طريق تدميرها أو تقليل تصنيعها. مثل: عقار كوراري وهو من النوع المعارض الذي يمنع تأثير الخلايا العصبية الحركية على العضلات فيسبب الشلل التام ثم الموت. والكحوليات أيضًا من النوع المعارض، التي تثبط مراكز التثبيط في الفص الجبهي من المخ، هذه المراكز هي التي تمنع الشخص من القيادة بسرعة جنونية أو السب في مكان عام أو حتى ارتكاب جريمة وبالتالي عند تثبيط الأجزاء المثبطة من المخ يفقد الشخص القدرة على التمييز.

مثال آخر هو عقار بروزاك الذي يستخدم في علاج الاكتئاب، حيث يعمل على زيادة نسبة السيروتونين الذي يعد نقصه عاملًا من عوامل الاكتئاب. وأيضًا عقار إل دوبا الذي يستخدم مع مرضى الشلل الرعاش، حيث يعمل على زيادة نسبة الدوبامين وتقليل حدة الأعراض. والآن بعد أن تعرفنا على تركيب الخلية العصبية وكيفية التواصل بينها، كيف يعمل كل هذا لخلق كائنات لديها القدرة على التحدث والتفكير واتخاذ القرارات؟ اعتقد العلماء أن المخ موصل بطريقة أشبه بحاسوب هائل، لكن ثبت خطأ هذا الاعتقاد وظهر الاختلاف بين الحاسوب والمخ:

أولًا، المخ مقاوم للتلف

يتميز المخ بقدر كبير من المرونة والقدرة على تحمل التلف، بل ويمكننا القول أنه هناك نوع من المقاومة مبنية داخل المخ، مما يسمح لأجزاء مختلفة من المخ بتولي الأمور عند تلف أجزاء أخرى.

ثانيًا، المخ سريع للغاية

يعتمد المخ على الأنسجة بينما يعمل الحاسوب على الأسلاك والكهرباء. لكن أنسجة المخ بطيئة للغاية، لذا لو تم توصيلها بطريقة تشبه الحاسوب لاستغرقك الأمر أربع ساعات للتعرف على وجه شخص ما. وهنا يظهر السؤال كيف يمكن صنع تركيب على هذا القدر من السرعة والتعقيد باستخدام تلك الأنسجة البطيئة؟ كيف تتواصل هذه الأنسجة؟ والإجابة أن آلية عمل المخ تعتمد على عمليات معالجة متوازية هائلة.ما الذي يفعله المخ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال سنفسر ما الذي لا يفعله المخ. توصل العلماء إلى بعض الأنشطة التي لا تتطلب عمل المخ، وتم اكتشافها باستخدام منهجية غريبة حيث كانت تُقطع رؤوس المرضى بينما يسرع علماء النفس لاختبار ردود أفعال الجسم. ومن هذه الأنشطة: رضاعة حديثي الولادة، أو انثناء الأطراف ابتعادًا عن الألم، أو انتصاب القضيب أو القيء. هذه بعض الأفعال الغريزية اللاإرادية التي لا تتطلب عمل المخ.

أما عمل المخ فيعتمد على بنية داخلية معقدة للغاية، وتنقسم أجزاء المخ إلى: النخاغ وهو الجزء المسئول عن تنظيم معدل ضربات القلب والتنفس والنوم. والمخيخ وهو الجزء المسئول عن التوازن والتنسيق الحركي، والقشرة وهي أكثر أجزاء المخ تشويقًا وتمثل 80% من حجم المخ. «قشرة المخ-Cortex» تنقسم القشرة إلى عدة أجزاء أو فصوص وتشمل: الفص الجبهي، والفص الجداري، والفص القذالي، والفص الصدغي. والمثير فيما يخص هذه الفصوص أنها تحمل خرائط طوبوغرافية/خرائط للجسد. توصل العلماء إلى تلك الخرائط عندما قام أحدهم بفتح جمجمة كلب ثم باستخدام صاعق كهربائي صدم أجزاءًا مختلفة من المخ ولاحظ ارتفاع قدم الكلب للأعلى. واعتمادًا على نفس المبدأ قام الدكتور بينفيلد من جامعة ماكجيل بتجاربه على مرضى في جراحة المخ،حيث صدم أجزاءًا مختلفة من المخ ولاحظ النتائج، رفع بعض المرضى أقدامهم بشكل لا إرادي، وبعضهم رأى ألوانًا أو سمع أصواتًا أو شعر بلمسات.

وبفضل هذه الأبحاث وأبحاث تبعتها توصل العلماء إلى خرائط الجسد في المخ، تحديدًا في القشرة الحسية والقشرة الحركية من المخ. وهناك ملاحظتان حول هذه الخرائط: أولًا، هذه الخرائط طوبوغرافية. بمعني أنه إذا تواجد جزئان على مسافة قريبة من بعضهما في الجسم فسيكونان قريبين أيضًا في المخ. ثانيًا، ما يمثله حجم العضو في المخ لا يتناظر مع حجمه الحقيقي في الجسم، نشاط العضو والتحكم الحسي والحركي له هو ما يحدد حجمه في المخ، فيفوق حجم اللسان في المخ حجم الكتف مثلًا. وتمثل هذه الخرائط أقل من ربع حجم القشرة أما البقية فتشارك في عمليات مثل اللغة والتفكير المنطقي والأخلاقي، وكلما زاد تعقيد الكائن الحي كلما قلت النسبة التي تشغلها هذه الخرائط. والسؤال هنا كيف نكتشف ما تفعله الأجزاء الأخرى من المخ؟

كيف نكتشف ما تفعله الأجزاء الأخرى من المخ؟

أولًا، بواسطة طرق التصوير الحديثة مثل: التصوير بالأشعة المقطعية أو أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي. والتي ذكرنا دورها في توضيح الأجزاء النشطة من المخ أثناء أداء المهام التي تتناظر معها. فيمكن تصوير شخص عند قيامه بمهمة لغوية مثلًا لمعرفة أي أجزاء المخ مسئول عن اللغة.
ثانيًا، ملاحظة التغيرات التي تطرأ على الشخص عند إصابة المخ بالأورام أو الجروح أو السكتات الدماغية أو الحوادث. فيمكن التوصل إلى دور أجزاء المخ المختلفة عن طريق دراسة التلف الذي يصيبها. والأمثلة على ذلك كثيرة. منها:

«اللا أدائية-Apraxia» وهو ليس شللًا، فيمكن للشخص المصاب الحركة والقيام بالأعمال لكنه لا يستطيع تنسيق حركاته، فلا يستطيع التلويح مودعًا أو إشعال سيجارة.

«العمه-Agnosia» وهنا يستطيع الشخص الرؤية بشكل جيد، فهو ليس أعمى لكنه يفقد القدرة على التعرف على الوجوه أو الأشياء.

«اضطرابات الإهمال الحسي-Disorders of sensory neglect» وهنا المريض ليس مصابًا بالشلل أو العمى لكنه يفقد فكرة أنه هناك جزءًا أيسر من جسده، أو حتى من العالم.

«الحبسة-Aphasia» اُكتشفت أول حالة عام 1861م لمريض تعرض لتلف في المخ ولم يستطع نطق سوى كلمة واحدة (Tan) وظل يكررها طوال الوقت.

«الحبسة الاستقبالية-Receptive Aphasia» وهنا يتحدث المريض بطلاقة لكنه لا يفهم الآخرين ولا تبدو كلماته منطقية على الإطلاق.

«الاضطراب العقلي المكتسب-Acquired Psychopathy» الذي يتضمن تلفًا في الفص الجبهي من المخ، فيفقد المريض القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

كم عقلًا نملك؟

ينقسم المخ إلى نصفين، النصف الأيمن والنصف الأيسر ويربط بينهما ما يعرف «بالجسم الثفني-Corpus Callosum». يبدو نصفا المخ متماثلين إلى حد كبير من الخارج إلا أنه توجد اختلافات فعلية بينهما. فبينما يتحكم النصف الأيسر من المخ في مهارات الكتابة والقراءة والعمليات الحسابية والحديث، يتحكم النصف الأيمن في الإدراك البصري والتعبير عن المشاعر وفهم العلاقات وحتى