غيّر التقدّم التقني في أوائل القرن ال20 المجتمع الغربي بسرعة مذهلة، فاستولت الآلات المتمثّلة في السيارات والهواتف وغيرها على مخيّلة الجمهور. ونشأ اتجاه يعرف باسم الاتجاه الوظيفي في عمارة الحداثة. ووصف المعماري لو كوربوزييه المنزل بأنه آلة للعيش فيها. إذ يجب أن يُصمّم المنزل بشكل مثالي مثل مظهر الآلة، كذلك يجب أن تعتمد صناعة البناء على أساليب الإنتاج الضخم للصناعات مثل صناعة السيارات. والتي يمكن بدورها أن تحل مشاكل الإسكان المزمنة في البلدان الصناعيّة، كما تعيد الطبيعة إلى حياة الناس. ويحدث ذلك عن طريق التخلّص من المدن التي وصفوها بالسجون الفوضويّة المظلمة. وبالتالي تخطيط المدن تخطيطًا عقلانيًا ووظيفيًا باستخدام أنواع المساكن الموحّدة التي تقدِّم بديلًا صحّيًا وإنسانيًا. [1] فماذا يقصد بالاتجاه الوظيفي في العمارة وكيف أثّر على عمارة الحداثة؟
محتويات المقال :
تعدّ « الوظيفية في العمارة- Functionalism architecture » أو المدرسة الوظيفية من أبرز اتجاهات عمارة الحداثة. والاتجاه الوظيفي في العمارة هو المبدأ القائل بأن شكل المبنى يجب أن يتحدّد عن طريق اعتبارات عمليّة مثل الاستخدام، والمواد، والهيكل. ويجب أن يعكس تصميم المبنى الغرض منه ووظيفته. ويمكن التعبير عن الفكرة الرئيسيّة في الوظيفية بشعار “الشكل يتبع الوظيفة” والذي صيغ في ثمانينيات القرن 19 من قبل المعماري الأمريكي «لويس سوليفان- louis sullivan» رائد مدرسة شيكاغو.[2]
لا يمكن اعتبار الوظيفية مفهومًا حديثًا وحصريًا، وبصرف النظر عن حقيقة أنه حتّى أكثر المباني الخياليّة تمتلك من دون أدنى شك اعتبارات وظيفية وأسباب لكي تتنفّذ. ولكن وُجِدَت أوقات في الماضي حينما هيمنت فيها الوظيفية على الوسط المعماري، بينما اختلف الطابع الفني من وقت لآخر. فابتداءً من مساكن كهوف العصر الحجري، واستمرارًا بالتحصينات والقنوات الرومانية، وقلاع القرون الوسطى، والعمارة الصناعية والتجارية في القرن 19. استمرت العلاقة الوثيقة بين الشكل والوظيفة وبذلك يكون الاتجاه الوظيفي قديمًا كقِدَم البناء نفسه.
مع ذلك ترتبط الوظيفية على نحوٍ خاص مع عمارة الحداثة والتي تطوّرت خلال الربع الثاني من القرن ال20. وانتشر الاتجاه الوظيفي ليؤثّر على مجموعة متنوّعة من المدارس المعمارية والمعماريين. إذ أثّر على العمارة العضوية لفرانك لويد رايت، والعقلانية الكلاسيكية لميس فان دير روه، والعمارة التعبيرية لإريك مندلسون، وهندسة لو كوربوزييه وغيرهم أيضًا الكثير. وبذلك يمكنكم تخيل حجم هذا التنوع! [2][3]
ظهر حجم الدمار الهائل بعد الحرب العالمية، وبالطبع ظهرت معه الحاجة الملحّة إلى إعادة الإعمار. وأبدى المعماريون استياءهم آنذاك من الإحيائيّة التاريخيّة والعمارة الاصطفائيّة. إذ كانت قد ظهرت تقنيّات وأنواع جديدة للبناء، وتغيّرت معها المُثل الثقافيّة والجماليّة. ونتيجةً لذلك بدأت عمليّة البحث عن فكر حديث في ظلِّ واقع احتوى على القليل من المال والكثير من المشاكل مثل أزمة السكن. لذلك ظهرت الوظيفية في العمارة والتي كان من المفترض أن تكون أكثر هندسية وأقلّ فنية. حيث تمَّ وضع الاهتمام بالأشكال جانبًا بينما أعطوا الأولوية للمسكن الفعّال الذي يستخدم أقلّ قدرٍ ممكنٍ من الموارد سواءً كانت مادّيةً أو ماليةً أو بشريةً مع تحقيق أفضل النتائج المرغوبة. [4]
أصرَّ المعماريون على أن عمليّة التصميم تبدأ مع تحليل وظيفة المبنى ومن ثمَّ اختيار أفضل الوسائل التقنيّة لتلبية تلك الوظائف. وأكّد مؤيّدو الاتجاه الوظيفي بأن العمارة الجيّدة تنتج تلقائيًا من خلال تلبية الاحتياجات العملية، ورغم ذلك لا يزال هناك العديد من البدائل التي يجب على المهندس أن يختار من بينها، وهذا الاختيار قد يحدّد الفرق بين الهندسة المعمارية الجيّدة والسيّئة.
وأيضًا تقدّر الوظيفية الكفاءة والجودة العالية للبناء إضافةً إلى التكلفة الماليّة المنخفضة. ونتيجةً لذلك تغيّرت أشكال ومساقط المباني، فانتشرت الأشكال الهندسية والجدران الخرسانية البسيطة، مع إظهار التركيبات الكهربائيّة والعناصر الإنشائيّة. وأعطت الأولويّة للضوء والتهوية الطبيعيّين، واستخدموا أحيانًا المواد مسبقة الصنع. هكذا تحدّد الطابع الجمالي بالاتجاه الوظيفي باعتباره جزءًا من عملية التصميم، أي أنه يظهر وحده عند تلبية الاحتياجات الوظيفية بدلًا من أن يتمّ تركيبه مع عمليّة التصميم. وبصفة عامّة فإن التركيز على الوظيفة في العمارة الحديثة يعني إعادة توحيد العمارة والهندسة. [2][4]
حدّد المعماري «لو كوربوزييه- le Corbusier» الخصائص 5 التي تُعرّف عمارة الحداثة. وتمثّلت بمباني مثل منزل citrohan و«فيلا سافوي- villa savoye» والتي تعد أبرز أمثلة الاتجاه الوظيفي. وشملت هذه الخصائص:
صمّم «خوان أوجورمان- juan o’gorman» ما يعتقد بأنه أوّل مبنىً يعود للوظيفية في أمريكا اللاتينية، وهو منزل لوالده سيسيل ومن ثمّ أضيف إليه منزل لفريدا كاهلو ودييغو ريفيرا.
وركّز أوجورمان على احتياجات المكسيك مع الأخذ بعين الاعتبار الثقافة المحلّيّة، لهذا السبب كان للمنازل ألوان مختلفة نابضة بالحياة. واختار النباتات المحلية للحدائق من أجل أن تنمو من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى عناية خاصّة. واستخدم الصبّار ليكون سياجًا عوضًا عن الجدران. ورفع المنزل على الأعمدة ممّا سمح له بتحرير الطابق الأرضي.[4]
كُلّف لو كوربوزييه بتصميم مشروعٍ سكنيٍّ لعائلات مرسيليا «وحدة السكن- unité d’habitation». ليستوعب تقريبًا 1600 ساكن. واختار لو كوربوزييه الامتداد الشاقولي بدلًا من الأفقي في تصميمه لذلك ارتفع المبنى ليضمَّ 18 طابقًا. وتمثّلت فكرته بتخصيص فراغ سكني خاصّ، ولكن خارج هذا الفراغ صمّم أماكن عامّة مشتركة احتوت على فراغات للتسوّق والأكل والرياضة والاجتماعات. كذلك شَكَّل السطح شرفة لحديقة بها مضمار للجري وروضة أطفال ومسبح ونواد. إضافةً إلى ذلك احتوى المجمّع على محلات تجارية ومرافق طبّيّة وحتّى فندق صغير. فأصبح مبنى وحدة السكن كمدينة داخل مدينة يتمّ تطويرها وفق الاحتياجات المكانيّة والوظيفيّة للسكّان. [6]
كثيرًا ما تُنتقد الوظيفية في أوروبا بوصفها وكأنها مثل الآلة، خاليةً من الروح، أو أنها ابتعدت عن الفنّ في سبيل تحقيق عدّة احتياجات. ولكن بالرغم من ذلك لا نستطيع إنكار الدور الرئيسي الذي لعبته في حلّ أزمة السكن المنتشرة. وما قدّمته من إلهام إلى مدارس عمارة الحداثة والتخطيط العمراني عمومًا.
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…
لطالما راود البشر حلم قراءة العقول، لكن ما كان يُعتقد أنه محض خيال علمي أصبح…
إذا كنت تريد القيام برحلة ذهاب فقط إلى المريخ، فستستغرق حوالي تسعة أشهر، ولكن الرحلة…
حقق العلماء طفرة في تكنولوجيا التبريد، حيث قاموا بتطوير جهاز تبريد قابل للإرتداء يمكنه ضخ…