Ad

يعتبر ذوبان الجليد الدائم أحد أخطر المشكلات العالمية التي تساعد على تغير المناخ. فالتربة الصقيعية تحتوي على ما يقرب من نصف الكربون العضوي المخزن في باطن الأض. طالما بقيت هذه المادة العضوية مجمدة، فإنها ستبقى محاصرة بداخل التربة الصقيعية.  لكن مع ذوبان الجليد الدائم فإنه في هذه الحالة سيتم إطلاق كميات من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مما يكون له أبلغ الآثر ليس فقط على القطب الشمالى ولكن على نظام مناخ الأرض بأكمله.[1]

ما هي التربة الصقيعية؟

استخدم عالم الجيولوجيا الأمريكي سيمون ويليام مولر مصطلح “التربة الصقيعية” للتعبير عن الصقيع الدائم. وتعرف التربة الصقيعية بأنها الأرض التي تظل جامدة لمدة عامين متتاليين على الأقل، وهي عبارة عن مجموعة من الصخور والرواسب والجليد والمواد العضوية.[2]

يُعتقد أن التربة الصقيعية تكونت لأول مرة بالتزامن مع بداية العصور الجليدية منذ حوالي ثلاثة ملايين سنة، خلال أواخر العصر البليوسيني. ومن المحتمل أن تكون معظم التربة الصقيعية الموجودة في المنطقة شبه القطبية قد تكونت في فترة العصور الجليدية على مدار المائة ألف عام الماضية.

كيف تتشكل التربة الصقيعية؟

في المناطق التي يصبح فيها متوسط درجة حرارة السطح أكثر من0 درجة مئوية، فإنه في هذه الحالة لن يتم إذابة بعض الأراضي المتجمدة في الشتاء تمامًا في الصيف. لذلك ستتكون طبقة من التربة الصقيعية وتستمر في النمو تدريجياً كل عام حتي تصبح طبقة التربة الصقيعية أكثر سمكًا. ويتم التحكم في سمكها بواسطة التوازن الحراري بين تدفق الحرارة الموجودة في باطن الأرض والتي تتدفق إلى الخارج في الغلاف الجوي.

 يعتمد هذا التوازن على متوسط درجة حرارة السطح والتدرج الجيوحراري. في نهاية المطاف تصل طبقة التربة الصقيعية السميكة إلى التوازن الذي تكون فيه كمية الحرارة الجوفية التي تصل إلى التربة الصقيعية ،مساوية لتلك المفقودة في الغلاف الجوي. وللوصول إلى حالة التوازن يلزم التربة الصقيعية  آلاف السنين حيث يبلغ سمكها مئات الأقدام.

عندما يصبح المناخ أكثر برودة أو أكثر دفئًا، فإن درجة حرارة التربة الصقيعية ترتفع أو تنخفض في المقابل. مما يؤدي إلى تغيرات في موضع قاعدتها. عندما ترتفع درجة حرارة المناخ إلى أكثر من 0 درجة مئوية فإنه في المقابل سيتم خفض موضع الجزء العلوي من التربة الصقيعية عن طريق الذوبان.

أين توجد التربة الصقيعية؟

تغطي التربة الصقيعية حوالي 24% من نصف الكرة الشمالي، وتتركز الغالبية العظمى منها في كل من روسيا وكندا،[1]، حيث تتواجد بنسبة 85% في ألاسكا، وبنسبة 55% في كل من روسيا وكندا، ويبلغ سمكها حوالي 1500 متر شمال سيبيريا، بينما يبلغ سمكها حوالي 740 مترًا في شمال ألاسكا، بالإضافة إلى انتشارها على نطاق واسع في مناطق القطب الشمالي، إلا أنها توجد أيضًا في المناطق المرتفعة كجبال الألب.[3]

ما مقدار التربة الصقيعية من سطح الأرض؟

في نصف الكرة الشمالي، تغطي التربة الصقيعية ما يقدر بـنحو 9 ملايين ميل مربع،  ومع ذلك فعندما ترتفع درجة حرارة الهواء السطحي، فإن درجة الحرارة تحت الأرض ترتفع أيضًا، مما يؤدي إلى إذابة الجليد السرمدي.

وتشير دراسة حديثة إلى أنه مع كل زيادة في درجات الحرارة بمقدار درجة واحدة مئوية  أي 1.8 درجة فهرينهايت، فمن الممكن أن تختفي حوالي1.5 مليون ميل مربع إضافي من التربة الصقيعية.

ما هي آثار ذوبان الجليد الدائم؟

تعتبر التربة الصقيعية واحدة من أكبر مخازن غازات الدفيئة الموجودة على الأرض. في الواقع، يُقدَّر أن التربة الصقيعية في القطب الشمالي وحده تحتوي على ما يقرب من ضعف كمية الكربون الموجودة في الغلاف الجوي الآن. بالإضافة إلى وجودكمية كبيرة من غازالميثان (وهو غاز من غازات الدفيئة القوي يحبس الحرارة على الكوكب بمقدار 80 مرة عن الكربون).

تختلف التقديرات حول كمية الكربون والميثان التي سيتم إطلاقها من خلال ذوبان الجليد الدائم، ولكن وفقًا لإحدى الدراسات، قد تصل إلى 92 مليار طن من الكربون والذي يمكن أن ينعبث من الآن وحتى عام 2100. وهذا يساوي ما يقرب من 20 % من جميع انبعاثات الكربون العالمية منذ بداية الثورة الصناعية.

وبالنظر إلى المستقبل، يمكن أن يؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إطلاق المزيد من غازات الاحتباس الحراري في الهواء. مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المناخ، فذوبان التربة الصقيعية يمكن أن يحول القطب الشمالي إلى مصدر للكربون.

الكربون والميثان ليسا الملوثان الوحيدان المحاصران في التربة الصقيعية، وجدت دراسة حديثة أن التربة الصقيعية الموجودة في القطب الشمالي هي مستودع هائل للزئبق (وهو سم عصبي قوي). وتشير التقديرات إلى أن حوالي 15 مليون جالون من الزئبق، أو ما يقرب من ضعف كمية الزئبق الموجودة في المحيطات والغلاف الجوي  مجتمعة في التربة الصقيعية. وبمجرد إطلاقه، يمكن للزئبق أن ينتشر عبر الماء أو الهواء إلى النظم البيئية وربما حتى الإمدادات الغذائية.

يمكن أن يساهم فقدان التربة الصقيعية أيضًا في ارتفاع مستوى سطح البحر، وتشير التقديرات إلى أنه في حالة ذوبان جميع التربة الصقيعية  الموجودةعلى الأرض، فإنه من الممكن أن ترتفع مستويات سطح البحر بما يصل إلى أربع بوصات، وهو ما يكفي لمضاعفة مخاطر الفيضانات في مدن مثل سان فرانسيسكو  ولوس أنجلوس[4].

التربة الصقيعية والبنية التحتية

ترتفع درجة حرارة التربة الصقيعية بمعدل أسرع بكثير من درجة حرارة الهواء في القطب الشمالي، وقد ارتفعت درجة الحرارة خلال الثلاثين عامًا الماضية ما بين 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية. ونتيجة لذلك، تذوب طبقات التربة الصقيعية.

يمكن أن تؤدي الزيادة في درجات الحرارة العالمية بمقدار 3 درجات مئوية إلى ذوبان حوالي 30 إلى 85% من طبقات التربة الصقيعية الموجودة في جميع أنحاء منطقة القطب الشمالي. مما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية والأنظمة البيئية الفريدة بشكل لا رجعة فيه.[5] فحوالي 35 مليون شخص يعيشون في منطقة التربة الصقيعية في البلدان والمدن التي تم بناؤها فوق ما كان يُعتبر سابقًا أرضًا متجمدة بشكل دائم. ولكن مع تلين هذه الأرضية الصلبة، فإن البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه المجتمعات تصبح غير مستقرة بشكل متزايد.

ففي كندا على سبيل المثال يُقدر أن اختفاء التربة الصقيعية يتسبب بخسارة عشرات الملايين من الدولارات. وذلك بسبب الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية العامة عبر الأقاليم الشمالية الغربية كل عام. وفي ألاسكا، قدرت إحدى الدراسات تكلفة إصلاح البنية التحتية العامة، مثل الطرق وخطوط القطارات والمباني والمطارات  التي تضررت من ذوبان الجليد السرمدي والعوامل الأخرى المتعلقة بالمناخ بما يصل إلى 5.5 مليار دولار.[6]  ويُعتقد أن حوالي 30-50٪ من البنية التحتية الموجودة حول القطب الشمالي معرضة لخطر داهم بحلول عام 2050.[7]

خطر المرض؟

مثلما تحبس التربة الصقيعية الكربون وغازات الدفيئة الأخرى، يمكنها أيضًا احتجاز الميكروبات القديمة والحفاظ عليها. يُعتقد أن بعض البكتيريا والفيروسات يمكن أن تظل كامنة لآلاف السنين  داخل الجليد. ومع ذلك، فبقدر ما تبدو فكرة مسببات الأمراض مخيفة ، تظل هناك أسئلة حول مدى خطورة هذه الميكروبات القديمة. ومع ذلك لا يزال العلماء غير متأكدين من مدي احتمالية تسبب التربة الصقيعية في تفشي الأمراض.

كيف يمكننا منع الجليد الدائم من الذوبان؟

من الممكن أن يتم ذلك عن طريق تقليل بصمتنا الكربونية، والاستثمار في المنتجات الموفرة للطاقة، ودعم الأعمال والتشريعات والسياسات الصديقة للبيئة.[8]

المراجع

 (1),(5)thearcticinstitute

(2)earth

(3)britannica

 (4),(8),(6)nrdc

(7)nature

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


بيئة

User Avatar

Asmaa Wesam

حاصلة على الماجستير في الصحافة، مهتمة بقضايا الصحة والبيئة.


عدد مقالات الكاتب : 34
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق