Ad

يقول الفنان البريطاني كيث ريتشاردز :

“الموسيقى ضرورية، تأتي في مرتبة تلي الطعام والهواء والماء والدفء. الموسيقى هي ضرورة من ضرورات الحياة.”

يختصر ريتشاردز بهذه الجملة المَرتبة التي تحتلّها الموسيقى عند الأفراد والشعوب، إذ ترافقهم بكل مناسباتهم وتصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتهم الفردية والجماعية. فماذا نعني بالهوية؟ و كيف ترتبط الموسيقى بالهوية الفردية؟

مفهوم الهوية الفردية

يشكّل تعريف مفهوم الهوية تحديًا بنفسه، إذ لا يتفق الأكاديميون على تعريف موحّد لهذه الكلمة. من جهة، تعني الهوية الفردية مجموعة الخصائص والسمات التي تعرّف عن شخص وتميّزه عن باقي الأفراد. من جهة أخرى، تعني الهوية الصورة التي يكوّنها كل شخص منا عن نفسه و/أو الصورة التي يعكسها للآخرين.

ويحمل السؤال عن الهوية “من أنا؟ من أنت؟” في طيّاته الكثير من الأبعاد التي أثارت جدلًا فلسفيًا واسعًا. فهل الهوية ذات طبيعة بيولوجية، أي أنها محصورة بالجسد؟ أم أنها ذات طبيعة نفسية، وتتعلّق بالدماغ والذاكرة؟ وإذا فقد الانسان ذاكرته مثلًا، فهل يفقد هويته ويصير إنسانًا آخرًا؟

كل هذه الأسئلة دارت بشكل أساسي حول سمتين متناقضتين للهوية: الثبات والتغيير. فمن ناحية، تحمل الهوية نوعًا من الثبات بطبيعتها، ولكنها أيضًا في تغيير وتفاعل دائم مع محيطها، أي أن كل شخص منا، رغم امتلاكه هوية خاصة به، فإن هذه الهوية في تطور دائم مع الزمن.

الموسيقى والهوية الفردية

ممّا لا شك فيه أن الموسيقى هي من أهم الفنون التعبيرية، إذ أن كل قطعة موسيقية تعبّر عن شعور وأيديولوجية وثقافة معينة. لذلك فإن الحديث عن علاقة الموسيقى بالهوية غالبًا ما يقتصر على الوظيفة التعبيرية للموسيقى. ورغم أننا نميل إلى اعتبار أن الموسيقى التي نستمع إليها تلعب دورًا في تثبيت أفكار وسمات هوياتية نملكها في الأساس، لكن الموسيقى تلعب بالحقيقة دورًا أكثر عمقًا في تشكيل الهويات الفردية.

يصف العالم الموسيقي البريطاني “سيمون فريث – Simon Frith” الهوية بالعملية الذاتية الدائمة (Self in-process)، أي أن تشكيل الهوية وصقلها هو عملية مستمرة عبر الزمن.

ويعتبر فريث أن العلاقة بين الموسيقى والهوية لا تقتصر على دور الموسيقى في التعبير عن هويتنا، بل هي تسمح لنا باختبار عملية تشكيل الهوية، من خلال اكتشاف أفكار وأيديولوجيات جديدة نتأثر بها ونتفاعل معها. كما يعتبر فريث أن الموسيقى تشكّل إطارًا بشكل خاص للمراهقين لاختبار نطاق واسع من الحالات الشعورية والهويات، وبالتالي بناء شخصياتهم. إذًا، الموسيقى هي واحدة من القوى التي تساهم في صقل الهويات الفردية.

الموسيقى كأداة للسلطات عند ميشيل فوكو

لا يعيش الفرد في مكان منعزل، بل هو يتفاعل ويتأثر بمحيط واسع، وبالتالي فإن صقل هويته الفردية يتأثر بكل القوى المحيطة به. بحسب ميشيل فوكو، السلطة موجودة في كل مكان، وهي تؤثر على كل مجالات حياتنا، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الصحة إلى التعليم وصولًا إلى الفن.

إذًا فإن تأثرنا بالموسيقى وحكمنا عليها يتأثر بهذه السلطة، وتتأثر تجارب اختبارنا للموسيقى بما تعلمناه عن الموسيقى في المدرسة، وبما نعرفه عن الموسيقى من الإعلام، وبرؤوس الأموال والانتاجات الموسيقية.

الموسيقى المحيطة بنا ليست عشوائية إذًا، وهي تتأثر بالبنية الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد. وتختلف الأنواع الموسيقية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

الموسيقى بين جوديث باتلر وفوكو

ينظر فوكو إلى الهوية الفردية كنتيجة للقوى والسلطات الاجتماعية، ولا يراها كخيار. بالمقابل، ترى الفيلسوفة الأميركية “جوديث باتلر – Judith Butler” أن الهوية الفردية تتأثر بالقوى الاجتماعية، لكنها أيضًا تملك مساحة من الحرية وتقرير المصير. وتسمي هذه المساحة بمساحة “الارتجال”، أي تعتبر عملية تشكيل الهوية نوعًا من العرض الموسيقي، الذي رغم تحديده بقيود معينة، له مساحة من الارتجال والحرية.

لم تكن الموسيقى يومًا مجرد أداةً للترفيه، بل هي تشكل جزءًا من صميم هوية كلً منا، وترتبط خياراتنا الموسيقية بشكل وثيق بشخصياتنا وهوياتنا.كما تُستخدم الموسيقى التي نستمع إليها في حياتنا اليومية بصقل أيديولوجياتنا وتشكيل هوياتنا الفردية والجماعية. من هنا، يمكن فهم اعتبار ريتشاردز للموسيقى كحاجة حيوية على الصعيد النفسي والهوياتي.

المصادر:

Coursera
Taylor& Francis online
Questions of cultural identity, Chapter 7, Music and Identity

إقرأ أيضًا: الموسيقى والتسويق: كيف تؤثر الموسيقى على سلوكك الشرائي؟

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


موسيقى علم نفس فلسفة فنون

User Avatar

Riham Hamadeh


عدد مقالات الكاتب : 49
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق