تخيل معي أنك وضعت عددًا من الأطفال عشوائيًا في مجموعتين وذهبت بهم في رحلة ميدانية. هؤلا الأطفال لم يتقابلوا قبل مطلقًا لكنهم يتشاركون نفس السن والخلفية الاجتماعية.
بعد مرور يومين اختار الأطفال أسماءًا لمجموعاتهم، وبعد أربعة أيام احتد الصراع بين كلا المجموعتين، وبعد ستة أيام وقع الأطفال في التنميط فوصفوا مجموعاتهم بصفات محببة فيما أهانوا المجموعة الأخرى، وعندما حاولت خلق نوع من التواصل فيما بينهم ازداد الوضع سوءًا.
فما الذي حدث هنا؟
محتويات المقال :
ما تخليته الآن هي تجربة شهيرة في علم النفس الاجتماعي تدعى تجربة «كهف روبر-Robber’s cave experiment» قام بها عالم النفس التركي مظفر شريف. استنتج منها ما يلي:
نجد هنا أن هؤلاء الأطفال، في غضون أربعة أيام فقط، طوروا حسًا بالانتماء لمجموعة ما ووصفوا جميع أفرادها بالذكاء أو سرعة البديهة او غيرها من الصفات الحميدة فقط لانتماء هؤلاء الأفراد لتلك المجموعة. بينما ذموا جميع أفراد المجموعة الأخرى ووصفوهم بالكسل أو الحماقة فقط لانتماء هؤلاء الأفراد لتلك المجموعة.
ذلك “التنميط” الذي وقع فيه هؤلاء الأطفال شائع ومؤثر ويمكننا رؤيته يوميًا. فلا يقتصر على فريقين في رحلة ميدانية وإنما يمتد ليشمل مجموعات كاملة من البشر. رجال ونساء أو سود وبيض. جميعها ألقاب وفرق لا تأتي وحدها، وإنما ترتبط بها قائمة طويلة من الصفات والأنماط (إيجابية أو سلبية) وتاريخ من العنصرية.
مصطلح التنميط أو «الصور النمطية-Stereotypes» له تاريخ طويل. بداية من القرن الخامس عشر حينما كان يستخدم لوصف عملية الطباعة حتى وقتنا الحالي.
مصطلح الصور النمطية حاليًا هو عدد من المعتقدات الثابتة والمعممة على مجموعة أو طبقة من البشر. فعندما نقع في تنميط شخص ما نشير أن هذا الشخص يحمل عددًا من الصفات التي يحملها جميع أفرد مجموعته/طبقته.
لا نحتاج لذكر الوصمة السلبية التي ترتبط بهذا المصطلح، فإذا وقعت في التنميط فقد ارتكبت فعلًا سيئًا. والسؤال هنا هل التنميط بالفعل أمر سيء؟
يستخدم علماء النفس مصطلح التنميط على نطاق أوسع. نحن نتعرض لمعلومات ومؤثرات جديدة طوال الوقت، ونحلل هذه المعلومات في ضوء معارفنا المسبقة فنقوم بالتنميط أو التعميم.
إذا رأيت هيكلًا خشبيًا بأربعة أرجل وتعرفت عليه أنه مقعد، بالتأكيد ستصل إلى النتيجة أنه يمكنك الجلوس عليه، وإذا رأيت كلبًا وتعرفت عليه ستصل أيضًا إلى النتيجة أنه بالتأكيد ينبح.
تقع هذه التعميمات (أن جميع المقاعد للجلوس عليها وجميع الكلاب تنبح) ضمن نطاق التنميط.، وتكمن أهميتها في تبسيطها العالم من حولنا، فلا نضطر إلى معالجة كل شذرة من المعلومات الجديدة بل نقفز سريعًا إلى النتائج.
لا يصيب هذا القفز السريع إلى النتائج دائمًا، وهنا تظهر الجوانب السلبية للتنميط. فعندما يمتد الأمر إلى البشر تضعف سلطة التعميمات أمام قوة الاختلافات بين الأفراد.
هذه هي الأسباب وراء عدم صحة الصور النمطية عند البشر غالبًا:
لا تتوقف سلبيات الصورة النمطية عند هذا الحد، بل ترتبط بها ظاهرة غاية في الجدية والخطورة، وهي ظاهرة «خطر الصورة النمطية-Stereotype Threat». تحدث عن هذه الظاهرة عالم النفس كلود ستيل في ورقة بحثية استطلع فيها أثر (خطر الصورة النمطية) على أداء المواطنين الأمريكين ذوي الأصول الأفريقية في اختبارات الذكاء.
عرّف ستيل خطر الصورة النمطية أنه: خطورة الوقوع في أو توكيد الصفة/النمط السلبي الذي تشتهر به مجموعة معينة من البشر التي ينتمي إليها الفرد.
في حالة الأمريكين ذوي الأصول الأفريقية، يتعرض هؤلاء الأشخاص لصورة نمطية مفادها أنهم أقل ذكاءًا من المواطنين البيض. لذا عندما ذكرهم ستيل بهويتهم العرقية ثم وضعهم أمام اختبار ذكاء، تدنى أدائهم بشكل كبير.
وهنا دعني أوضح أن ستيل لم يجمع المشاركين ليلقي عليهم محاضرة عن أصولهم الأفريقية وما يشيع عن انخفاض معدل ذكاء المنتمين إليها. بل الحقيقة أن خطر الصورة النمطية يمكن إثارته بأبسط الطرق وأقلها وضوحًا مثل:
قبل التطرق إلى الوسائل التي تمكننا من مجابهة الصور النمطية وتأثيراتها السلبية، أود مناقشة الأسباب التي تدفعنا إلى ذلك أولًا. لماذا نهتم بالصور النمطية؟ وما السيء حيالها الذي يستدعي المجابهة؟
أحد الدراسات قام بها عالم النفس جاك دوفيدو ليستطلع تأثير الصور النمطية على معدل توظيف الشباب. عندما أتى المتقدمون (سود وبيض) للوظيفة بتوصيات مناسبة كانت معدلات التوظيف متساوية بين العرقين، أما عند غياب التوصيات فاز البيض بمعدلات توظيف أكبر.
المغزى من هذه التجربة ليس ذم الأشخاص وعنصريتهم (من المحتمل أنهم لم يعوا أن اختياراتهم وقعت بشكل أكبر على المشتركين البيض) وإنما الاعتراف أن هذه الصور النمطية موجودة ومؤثرة.
أحد المستويات التي تتواجد بها الصور النمطية هو المستوى الباطني أو اللا شعوري، وهو المستوى الذي لا يعي فيه الشخص وقوعه في التنميط أو العنصرية.
ربما يصرح الشخص على الملأ أنه يشجع السيدات على تولي المناصب القيادية، أو يرى أن السود لا يقلون كفاءة عن البيض (وهذا هو المستوى العام/الواضح للصور النمطية) بينما يثبت تعرضه لموقف أو اختبار ما عكس ذلك (وهذا هو المستوى الباطني للصورة النمطية مثلما حدث في تجربة دوفيدو).
أحد العلماء الذين استكشفوا المستوى اللا شعوري للصور النمطية هي العالمة مهزرين باناجي. التي قامت بواحدة من أضخم الدراسات من حيث عدد المشاركين على مدار تاريخ علم النفس. وهو اختبار على الانترنت يمكنك تجربته من هنا: Project Implicit
يستكشف هذا الاختبار الصور النمطية الباطنية التي قد نحملها جميعًا ولا نعيها. ولا يقتصر هذا الاختبار على السود فقط بل النساء والمثليين جنسيًا وأصحاب الديانات المختلفة أيضًا. وما تثبته نتائج هذا الاختبار هو عدم التوافق بين نسب الصور النمطية الواضحة (التي يتحدث بها الأشخاص علانية) والصور النمطية اللاشعورية.
تدفعنا هذه النتائج للتعامل مع الصور النمطية من منطلق آخر، منطلق أننا ربما نحملها جميعًا لكن ما علينا فعله هو تطوير الوسائل للتعامل معها.
هنا ننهي حديثنا عن الصور النمطية، وكيف يفسرها علماء النفس بشكل أوسع وأكثر إيجابية كوسيلة لتبسيط العالم من حولنا، كذلك كيف يمكن لهذا التنميط أن يحمل آثارًا سلبية ونتائج مدمرة على أداء الأفراد والجماعات. وأخيرًا كيف يمكن للوعي والعلم بهذا المفهوم وتفاصيله أن يجنبنا مخاطره الكثيرة.
اقرأ أيضًا: نانجيلي: تضحية فتاة من أرض السيدات ذوات النهود
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…
View Comments
رائع