كيف غير بياجيه نظرتنا لأطفال العالم؟
محتويات المقال :
لا يمكننا تفسير النمو المعرفي دون ذكر دور بياجيه. فهو أول عالم يضع نظرية تفسر طبيعة الذكاء عند الأطفال. كما يطرح أسئلة عن المعرفة نفسها، كيف تُكتسب ويستفيد منها البشر. اهتم بياجيه بنشأة المعرفة بشكل عام. واعتقد أن دراسة النمو الفردي للطفل سيرشده إلى الإجابة. فكان مؤمنًا أن نمو الفرد يحاكي النمو المتكرر للفصيلة. وصف بياجيه الأطفال أنهم مفكرون نشطون، أو علماء صغار. يحاولون اكتشاف العالم دائمًا. ويفعلون هذا عن طريق آليتين تعملان بالتبادل وتقودان الطفل خلال مراحل نموه المختلفة:
آمن بياجيه بـ «المعرفة الجينية-Genetic Epistemology» بمعنى أن النمو المعرفي للطفل يحدث تبعًا لمخطط فطري وُجد قبل الولادة. وراقب بياجيه واختبر التغيرات التي تحدث للأطفال في مراحل عمرية مختلفة ومن خلالها وضع نظريته عن النمو المعرفي للطفل وقسمها إلى عدة مراحل:
فكرة أخرى مرتبطة بهذه المرحلة وهي فشل الأطفال الأكبر سنًا -عمر التسعة أشهر- في اختبار (أ وليس ب). مثال: تأخذ غرضًا يخص طفل عمره تسعة أشهر وتضعه في فنجان (نقطة أ) فتجد الطفل يمد يده ويأخذه.
تعيد التجربة عدة مرات فيتكرر نفس رد فعل الطفل. أما عند وضع الغرض في مكان آخر (نقطة ب) تجد الطفل يمد يده إلى النقطة أ. كأن الطفل في هذا العمر ليس ذكيًا بما يكفي ليمد يده إلى النقطة ب رغم رؤية الغرض يُنقل إليها. ومن هنا استنتج بياجيه قصور فهم عند الأطفال في هذا العمر، هذا القصور يتطلب الوقت والمرور بباقي المراحل ليتطور.
2. «مرحلة ما قبل العمليات-Preoperational stage» والتي تمتد حتى سبع سنوات. وهنا يتعلم الطفل اللغة، ويتطور خياله واستخدامه للرموز. وتتشكل فكرته عن العالم، لكن هذه الفكرة محدودة بمفهومين:
3. «مرحلة العمليات الملموسة-Concrete Operations Stage» التي تمتد من سن السابعة حتى الحادية عشر. وهنا يدرك الطفل مفهوم الاحتفاظ. ويكتسب القدرة على التفكير المنطقي ولكن في نطاق مادي ملموس فقط. فلا يمتلك القدرة على التفكير المجرد.
4. «مرحلة العمليات الشكلية المجردة- Formal Operational Stage» التي تبدأ من سن الثانية عشر وتمتد فيما بعدها. وهنا يكتسب الطفل القدرة على التفكير المجرد خارج حدود العالم المادي.
نجح بياجيه مقارنة بفرويد وسكينر وذلك لعدة أسباب: نظرية بياجيه عن النمو المعرفي للطفل متماسكة بما يكفي لاختبارها وإثبات خطأها. بمعنى أنها تتمتع بما ذكرناه سابقًا عن «قابلية الدحض-Falsification» على عكس فرويد وسكينر. كما حقق بياجيه نتائج مذهلة.
فلم يكن يدري أحد أن الأطفال يفكرون بشكل مختلف عن البالغين، بل اعتقد الجميع أنهم فقط غير قادرين على التفكير مثلهم. وجاءت مفاهيم بياجيه عن الاحتفاظ وديمومة الأشياء لتدحض هذه الفكرة.
لكن لم تخل نظرية بياجيه من بعض القصور. بعضها قصور نظرية: فلم يوضح بياجيه بشكل كامل كيف يكتسب الطفل المعرفة. كيف ينتقل من مفكر ملموس إلى مفكر مجرد. أو كيف يتحول من عدم إدراك ديمومة الأشياء إلى إدراكها. وبعضها قصور منهجية: اعتمد منهج بياجيه على الأسئلة والإجابات. لكن المشكلة أن الطفل ليس متمكنًا من التعبير واستخدام اللغة. وربنا يؤدي هذا إلى الاستهانة بما يعلمه الأطفال بالفعل. خاصة الأطفال الأصغر سنًا.
يتشارك أغلبية البشر في نظرتهم تجاه الأطفال، أنهم صغار وسذج ولا يعلمون الكثير عن العالم. لكن العلم الحديث يثبت عكس ذلك. فالأطفال أذكي مما نعتقد. ولاكتشاف المدى الكامل لقدراتهم ربما علينا أن نكون أكثر ذكاءًا ونطور وسائل البحث. بدلًا من طرح الأسئلة وانتظار الإجابات هناك وسائل أكثر فاعلية. مثل: دراسة الموجات الدماغية، أو تحديد وقت النظر الخاص بهم. يعد الأخير أحد أهم الوسائل التي ساعدت في دراسة نمو الأطفال.
أحد التجارب الشهيرة التي قام بها العالم روبرت فانتز تضمنت عرض صورتين على أطفال بعمر يومين فقط وملاحظتهم. فوجد اختلاف في وقت نظرهم إلى الصورتين مما يقترح رؤيتهم للاختلاف بينهم. كذلك تفضيلهم للصورة التي ينظرون إليها لوقت أطول. وبهذا اكتشف العالم تفضيل الصغار للأسطح المزخرفة على الأسطح الفارغة.
تعتمد تجارب “وقت النظر” على مبدئين وهما:
والآن يثبت العلم إدراك الطفل للعالم المادي منذ البداية، لكن ليس بشكل كامل. بالرغم من وجود بعض المعرفة الفطرية إلا أنه هناك مساحة للتعلم والتطور. وهنا يأتي السؤال: كيف يمكن تفسير معرفة الطفل لأشياء لم يكن يعرفها من قبل؟ كيف نفسر هذا النمو؟
أولًا: عن طريق نمو المخ أو النضج العصبي. الخلايا العصبية التي يمتلكها الشخص البالغ هي نفس الخلايا التي امتلكها حينما كان جنينًا في رحم أمه. وما يحدث هو عملية تشذيب، أو تخلص من فائض الخلايا العصبية غير المفيدة. الأمر الذي يغير من الهيكل العصبي بشكل جذري.
ثانيًا: نمو الوصلات العصبية بشكل كبير، تصل «الوصلات العصبية-Synapses» إلى ذروة نموها عند عمر السنتين.
ثالثًا: نمو «الغشاء الميليني-myelin sheath». وهو الغشاء الذي يحيط بمحور الخلية العصبية ليزيد من سرعتها وكفائتها. ينمو هذا الغشاء بشكل تدريجي، فنجده غير مكتمل النمو عند المراهقين، خاصة في الفص الجبهي من المخ. وهو الجزء المسئول عن الإرادة وضبط النفس.
رابعًا: عدم قدرة الأطفال على «المنع-Inhibition». ولفهم ذلك سنعود إلى تجربة (أ وليس ب) في بداية المقال. فسر العلماء تكرار ذهاب الطفل إلى النقطة أ رغم رؤيته تغير مكان الغرض أنه يصعب على الطفل التحكم في الفعل وإيقافه بعد أن قام به بشكل متكرر. وذلك لأن الجزء الخاص بالتحكم/ المنع في المخ لم ينشط بعد. بل لاحظ العلماء أيضًا أن الطفل يمد يده إلى النقطة أ بينما ينظر إلى النقطة ب. كأنه يعرف الخيار الصحيح لكنه فقط لا يستطيع التحكم ومنع نفسه.
لا يتوقف ذكاء الأطفال عند إدراكهم للعالم المادي وبعض قوانينه فقط. بل تقترح بعض التجارب امتلاك الأطفال قدرًا من الذكاء الاجتماعي الفطري، الذي يتيح لهم التفاعل مع عناصر البيئة المحيطة بهم. ومن هذه التجارب:
تجربة روبرت فانتز التي ذكرناها سابقًا. حيث لاحظ روبرت انجذاب الأطفال (بمعنى النظر لوقت أطول) إلى الصور التي تحمل أنماطًا تشبه الوجوه البشرية.
تجربة أخرى شهيرة قام بها ميلتزوف تتضمن التفاعل مع أطفال حديثي الولادة. وجدت أن الأطفال يقلدون تعابير وجه الشخص البالغ الذي يقف أمامهم مثل فتح الفم وإبراز اللسان. نتائج هذه التجربة على وجه الخصوص مدهشة، لأنها تثبت أن الأطفال مقلدون بطبيعتهم. وأن هؤلاء الأطفال يمتلكون نوعًا من المعرفة الفطرية أن الشخص الذي يقف أمامهم (مثلهم) ومن نفس نوعهم.
تجربة أخرى قام بها العالم بول بلوم تضمنت عرض أفلام على أطفال بعمر التسعة أشهر. أحد شخصيات الفيلم متعاونة تساعد الكرة على تحقيق الهدف. والشخصية والأخرى تعيقها. ثم اختبار أي الشخصيات تلفت انتباه الأطفال أكثر. وجائت النتائج بميل الأطفال إلى الشخصية المساعدة. ومن هنا يمكن استنتاج أن الأطفال لديهم نوع من التفسير الاجتماعي لمفاهيم المساعدة والإعاقة. كما يمكن القول أنهم يميلون فطريًا إلى التعاون.
وهنا قد يعتقد البعض ان هذا الأمر مبالغ فيه، لماذا ندرس علم النفس النمو؟ ولماذا كل هذا الاهتمام بالصغار؟ فهم سيكبرون في جميع الأحوال! والإجابة أن دراسة نمو الأطفال ليس هامًا لهم فقط، بل لنا كبالغين أيضًا. هناك بعض الأسئلة التي لا يمكن إجابتها إلا بالعودة إلى الوراء والنظر في بدايات الأشياء. أحد الأمثلة الشهيرة: هل الحمار الوحشي أبيض بخطوط سوداء أم أسود بخطوط بيضاء؟ وهنا يمكنك التأمل والتفكر في جسد الحمار الوحشي كما تشاء ولن تصل إلى إجابة. أما إذا قررت العودة إلى الوراء، وقمت بالنظر في نمو جنين الحمارالوحشي ستجد الإجابة. وهنا تكمن أهمية ما نفعله.
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…
View Comments
رائع