موسيقى

الموسيقى والتسويق: كيف تؤثر الموسيقى على سلوكك الشرائي؟

هذه المقالة هي الجزء 3 من 11 في سلسلة أثر الموسيقى وتطورها

رافقت الموسيقى الإنسان منذ زمن قديم, وشكّلت جزءًا هامًا من هويته الاجتماعية. وعُرفت الموسيقى بقدرتها على التأثير على المزاج وخلق عادات ومناسبات وأجواء معينة. وقد كتب الكثيرون من الفلاسفة، بدءًا من أفلاطون وصولاً إلى الفيلسوف والعالم الموسيقي الألماني أدورنو عن الموسيقى كأداة تأثير على البنى الاجتماعية والسلوكيات الفردية. في عالمنا الحديث، أصبحت الموسيقى متوفرة في كل زمان ومكان، ورغم أننا لا نعيرها دائمًا انتباهنا، إلا أن هذا لا يلغي تأثيرها اللاواعي على سلوكياتنا. فكيف تُستخدم الموسيقى كأداة للتأثير على سلوكنا الشرائي؟ وما العلاقة بين الموسيقى والتسويق؟

“الموزاك – Muzak”: موسيقى الخلفية

عندما نتكلّم عن الموسيقى، غالبًا ما يتبادر إلى ذهننا الأغاني المعروفة والمفضلة لدينا والتي نستمع إليها بشكل واعٍ. إلا أن الموسيقى تحيط بنا في كل مكان، وفي الكثير من الأحيان، لا نعير وجودها أي اهتمام.

فعندما نشاهد فيلمًا، تكون الموسيقى دائمًا حاضرة لزيادة تأثير المشاهد، وعندما نستمتع بأي لعبة الكترونية غالبًا ما ترافقها نغمة بسيطة، وكذلك عندما نكون في أي مكان عام، في مطعم أو متجر أو مطار، تكون الموسيقى حاضرة في الخلفية.

بدأ استخدام موسيقى الخلفية منذ أوائل القرن العشرين، وقد كانت شركة “موزاك – Muzak” سبّاقة في استخدام الخطوط الكهربائية لنقل موسيقى الفونوغراف للسكان.
بعد انتشار الراديو عرضت الشركة خدماتها على المطاعم والفنادق، التي تفضّل موسيقى الخلفية دون الأحاديث الإذاعية. من هنا، بدأ انتشار موسيقى الخلفية وتُسمى بالموزاك نسبةَ للشركة الأولى.

الموسيقى والتسويق في الإعلانات:

أصبحت الإعلانات تحتل جزءًا كبيرًا من حياتنا اليومية، وهي متواجدة في كل وسائل الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي. ويكاد لا يخلو إعلان واحد من الموسيقى، إذ أن الدراسات تبيّن أن الموسيقى تجعل من الإعلانات أكثر تأثيرًا على متلقيها.

تحفّز الموسيقى أجزاء من الدماغ متعلّقة بالذاكرة والعاطفة، لذلك غالبًا ما تثير الموسيقى التي نستمع إليها عددًا من الذكريات المتعلقة بمكان معين أو فترة معينة. لكن أنواع الموسيقى المختلفة تعطي تأثيرات عاطفية مختلفة.

بحسب دراسة أسترالية تختبر تأثير أنواع الموسيقى على 1000 شخص، تبيّن أن أنواع الموسيقى كلها تثير مشاعر قوية ولكن متناقضة. وقد تثير الموسيقى مشاعر البهجة والنشاط، أو مشاعر الحزن أو مشاعر السكون والراحة.

لذلك على المُعلن اختيار الشعور الذي يريد أن يثيره في إعلانه، وبالتالي اختيار الموسيقى المناسبة التي تخلق هذا الشعور.

Related Post

الموسيقى والتسويق: الموسيقى الخلفية في المتاجر

تؤثر الموسيقى على أدمغتنا على مستوى لا واعٍ، فرغم أننا في أغلب الأحيان لا نعير الانتباه للموسيقى الخلفية للمتاجر والمطاعم، إلا أنها تؤثر على سلوكنا من حيث لا ندري.

وضع الموسيقى الخلفية في المتاجر لا يهدف فقط إلى خلق جو مريح فيها، بل هو أيضًا يعتمد توجيه الزبائن ودفعهم لشراء أكبر عدد ممكن من البضائع. لذلك تقصد المتاجر وضع الموسيقى المناسبة لزيادة مبيعاتها، كما تعطي هذه المهمة أحيانًا لشركات متخصصة في تصميم الموسيقى المناسبة لزبائن كل متجر.

على سبيل المثال، إن الاستماع للموسيقى البطيئة يدفع الزبائن إلى المشي بشكل أبطأ، وذلك يزيد من فرص رؤية البضائع وشرائها.

كما تبيّن الدراسات أن الاستماع إلى موسيقى توحي ببلد معين، تجعل الزبائن أكثر عرضة لشراء منتجات هذا البلد، فإذا وضع المتجر أغنية لـ”Edith Piaf”، يوحي عددًا من الزبائن بجو فرنسي، مما يزيد من احتمالية شرائهم جبنة فرنسية مثلًا.

في دراسة أجريت على طلاب جامعيين اسكتلانديين، قٌسموا إلى أربعة فرق، ووُضع كل فريق في غرفة مع موسيقى من بلد معين (موسيقى أميركية، صينية، هندية وغرفة دون موسيقى). أُعطيت الفرق لائحة طعام (تتضمن أطعمة من مختلف البلدان المذكورة) لاختار أطباق منها، فتبيّن أن معظم الطلاب اختار طعامًا يتماشى مع نوع الموسيقى الذي يستمع إليها.

كما تبين اختبارات أخرى أن نوع الموسيقى مرتبط بهوية اجتماعية معينة، وبالتالي بالقيمة النقدية المتوقعة. فالموسيقى الكلاسيكية مثلًا مرتبطة بصورة اجتماعية متعلقة بالترف أو “الرقي”، وهي تجعل الزبائن أكثر استعدادًا لدفع مبلغ أكبر مقابل شراء البضاعة نفسها عند الاستماع إلى نوع مختلف من الموسيقى.

تتأثر مشاعرنا وسلوكياتنا بكثير من المحفزات حولنا، ولعلّ الموسيقى من أهمها نظرًا لتأثيرها البيولوجي على الجسد والدماغ، ونظرًا للهوية الاجتماعية التي تمثلها. لكن استخدام الموسيقى في التسويق يدفعنا إلى التساؤل: إلى أي مدى يُعتبر استخدام الموسيقى للـ”تلاعب” بالزبائن أخلاقيًا؟

المصادر:

Coursera
The Guardian
Econsultancy.com
Psychologicalscience.org

إقرأ أيضًا: كيف تؤثر الموسيقى على أدمغتنا؟

Author: Riham Hamadeh

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Riham Hamadeh

Share
Published by
Riham Hamadeh

Recent Posts

مصر تقود قاطرة التكنولوجيا الحيوية: مؤتمر “سول” ميجا سوميت 2026 بالجامعة الأمريكية ملحمة العلم وبناء الوطن

منذ فجر التاريخ، كانت مصر قبلة الباحثين عن كُنه الحياة، وعلى ضفاف نيلها الخالد نُقشت…

أسبوع واحد ago

عندما يصبح العلم سلعة ملوثة: كيف كشف “الفلتر الذكي” زيف آلاف أبحاث السرطان؟

في الوقت الذي ينتظر فيه الملايين حول العالم بارقة أمل لشفاء من مرض السرطان، صدمت…

أسبوعين ago

“أشتوم الجميل” أيقونة مصرية في اليوم العالمي للأراضي الرطبة 2026

مصر تحتفي بكنوزها المائية: الأراضي الرطبة المصرية ذاكرة النيل وخط الدفاع الأول ضد التغيرات المناخية…

أسبوعين ago

كيف كشف علماء جامعة القاهرة أسرار باطن الأرض في “سقارة” دون معول حفر؟

لطالما سحرتنا صورة عالم الآثار الذي يرتدي قبعته الشهيرة، ممسكاً بفرشاة ومعول، يقضي الشهور تحت…

أسبوعين ago

كهنة الخوارزميات: عندما يتحول “الوكيل الرقمي” إلى كيان متمرد يؤسس لغته وديانته الخاصة!

في تطور تقني وصفه الخبراء بأنه "اللحظة الأكثر إثارة للذهول في تاريخ الحوسبة الحديثة"، شهد…

أسبوعين ago

ثورة “النانو” الطبية: ابتكارات توقف النزيف وتسرع التئام العظام من مخلفات البيئة

في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الطب الحديث، خاصة في مجالات ترميم العظام وعلاج الجروح…

أسبوعين ago