Ad

كيف تؤجج اللامساواة نار وفيات كورونا ؟

على الرغم من أن عدد سكان الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك مجتمعين لا يتجاوز 8.3% من إجمالي سكان العالم، إلا أن وفيات هذه الدول الثلاث جراء فيروس كورونا المستجد تشكل 64% من وفيات العالم بأكمله.
كما أن وفيات ثلاث دول أوروبية (بريطانيا و إسبانيا وإيطاليا) تشكل 60% من وفيات أوروبا. على الرغم من أن مجموع سكانها لا يتجاوز 38% من سكان القارة. إذ نجد أعداد وفيات أقل بشكل ملحوظ في دول شمال ومنتصف أوروبا مقارنة بهذه الدول الثلاث.

ثمة عوامل عدة مسؤولة عن معدل الوفيات جراء مرض COVID-19، منها: كفاءة القيادة السياسية، ومدى مناسبة استجابة الحكومة للأزمة، وتوافر الأسرّة لاستقبال المرضى في المستشفيات، وأوضاع السفر الدولي، بالإضافة إلى هيكل الفئات العمرية للسكان.
ومع ذلك، يبدو أن ثمة سمة هيكلية عميقة تلعب الدور في تشكيل هذه العوامل، ألا وهي دخل البلاد وتوزيع الثروة.

تملك الولايات المتحدة، بالإضافة إلى البرازيل والمكسيك ارتفاعًا في المدخول يصاحبه عدم مساواة في توزيع الثروة. حسب البنك الدولي فإن معامل جيني (وهو مقياس لعدالة توزيع الدخل تعني عنده علامة 100 عدم مساواة كاملة، وعلامة 0 المساواة التامة في الدخل) للسنوات الأخيرة (2016-2018) كان يساوي 41.4 في الولايات المتحدة، و53.5 في البرازيل، أما في المكسيك فكان 45.9.

للولايات المتحدة معامل جيني الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة، بينما تعد البرازيل والمكسيك بين الأكثر ارتفاعا في عدم المساواة على الإطلاق.
أما في أوروبا، فتسجل إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا: 35.6 و 35.3 و 34.8، على التوالي في معامل جيني، وبذلك تفوق نظيراتها الشمالية والشرقية، مثل فنلندا (27.3)، النرويج (28.5) ، الدنمارك (28.5)، النمسا (30.3) ، بولندا (30.5)، والمجر (30.5).

من الجدير بالذكر أن الارتباط بين معدلات الوفيات لكل مليون وعدم المساواة في الدخل، بعيد عن أن يكون الإجابة المثالية؛ ذلك أن عوامل أخرى ذات أهمية كبيرة يجب أخذها بعين الاعتبار.
على سبيل المثال، يعتبر مقدار عدم المساواة في فرنسا على قدم المساواة مع ألمانيا، لكن معدل وفيات COVID-19 عندها أعلى بكثير. كما أن معدل الوفيات في السويد أعلى بكثير مما هو عليه في جيرانها، رغم أنها تتمتع بالمساواة بشكل أعلى نسبياً، لأن السويد قررت الحفاظ على سياسات الإبعاد الاجتماعي طوعية بدلاً من إلزام المواطنين بها. وسجلت بلجيكا -التي تقوم نسبياً على المساواة- معدلات وفاة عالية جدًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قرار السلطات بالإبلاغ عن حالات الوفاة المحتملة جنباً إلى جنب مع حالات الوفاة المؤكدة بـCOVID-19.

إن ارتفاع عدم المساواة في الدخل كارثة اجتماعية من نواح عديدة. كما ذكرت (كيت بيكيت) و(ريتشارد ويلكنسون) بشكل مقنع في كتابين مهمين، “مستوى الروح”و”المستوى الداخلي”. إذ يؤدي ازدياد عدم المساواة بالمجمل إلى تدهور الظروف الصحية العامة، ما يزيد بشكل كبير من احتمالية الوفاة جراء COVID-19.

علاوة على ذلك، يؤدي ارتفاع مستوى عدم المساواة إلى انخفاض التماسك والثقة الاجتماعيين، بالإضافة إلى المزيد من الاستقطاب السياسي، وكل ذلك يؤثر سلبًا على قدرة الحكومات واستعدادها لاعتماد تدابير رقابية قوية. فإن عدم المساواة المرتفع يعني أن نسبة أكبر من العمال ذوي الدخل المنخفض -من عمال النظافة والصيارفة والحراس وعمال التوصيل والصرف الصحي وعمال البناء وعمال المصانع – عليهم أن يستمروا في حياتهم اليومية، حتى في ظل خطر التعرض للإصابة. يعني كذلك المزيد من الأشخاص ممن يعيشون في البيئات المزدحمة، وبالتالي المزيد ممن لا يقدرون على عزل أنفسهم عن خطر الوباء.

يشكل القادة الشعبويون سببًا لتفاقم العواقب الوخيمة لعدم المساواة.
قد انُتخب كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس البرازيلي يير بولسونارو، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من قبل مجتمعات تعاني عدم التساوي، والانقسام الاجتماعي، بدعم العديد من الناخبين الساخطين من الطبقة العاملة (عادة ما يكونون من الرجال البيض والأقل تعليماً، ممن يسخطون علی وضعهم الاجتماعي والاقتصادي المتدهور). لكن سياسة الاستياء هذه تصطدم بسياسة السيطرة على الوباء. ذلك أن سياسة الاستياء تتجنب رأي الخبراء، وتستخف بالأدلة العلمية، وتسخط على علية القوم الذين يطلبون منهم عبر الإنترنت التزام المنزل بينما هم لا يملكون رفاهية فعل ذلك.

تعاني الولايات المتحدة من عدم التكافؤ، والانقسام السياسي بشكل كبير جدًا، وتدار بطريقة سيئة للغاية في ظل حكم ترامب لدرجة أنها تخلت بالفعل عن أي استراتيجية وطنية متماسكة للسيطرة على التفشي. إذ نقلت جميع المسؤوليات إلى حكومات الولايات كل على حدى وإلى الحكومات المحلية، والتي تركت لتدفع الخطر عن نفسها بمفردها.
وصل الأمر أنه في بعض الأحيان، قد لجأ المتظاهرون اليمينيون المدججون بالسلاح إلى الاحتشاد في عواصم الولايات لمعارضة القيود المفروضة على النشاط التجاري والتنقل الشخصي. حتى الكمامات لم تسلم من التسييس: ذلك أن ترامب يعارض ارتداءها، وكان قد اعتبر مؤخرا أن بعض الناس يفعلون ذلك لمجرد التعبير عن معارضته. والنتيجة أن أتباعه يصرون علی عدم ارتداءها، وأن الوباء، الذي بدأ في الولايات الديمقراطية، يضرب الآن قاعدة ترامب في الولايات الجمهورية بشدة.

علاوة على ذلك، تحاكي سياسة البرازيل والمكسيك السياسة الأمريكية. ذلك أن بولسونارو والرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور هم شعبويون بطريقة تشبه ترامب، فهم يسخرون من الفيروس، ويزدرون مشورة الخبراء، ويستيهينون بالمخاطر، ويرفضون إجراءات الحماية الشخصية أشد الرفض. ويأخذون بيد بلادهم إلى كارثة مشابهة لتلك التي خلقها ترامب.

وباستثناء كندا وأماكن قليلة أخرى، دمرت دول أمريكا الشمالية والجنوبية بسبب الفيروس، لأن نصف الكرة الأرضية الغربي بأكمله تقريبًا يتشارك في إرث من عدم المساواة والتمييز العنصري. وحتى تشيلي التي تتمتع بحكم جيد، سقطت ضحية للعنف وعدم الاستقرار في العام المنصرم، بسبب عدم المساواة الشديد والمزمن. في هذا العام، كانت تشيلي (إلى جانب البرازيل وإكوادور وبيرو) من أعلى الدول في العالم في معدلات الوفاة جراء COVID-19

كما أسلفنا، ليس عدم المساواة هو الحكم النهائي. فالصين غير متكافئة إلى حد ما ( 38.5 درجة في مقياس جيني)، لكن حكوماتها الوطنية والمحلية تبنت إجراءات رقابة صارمة بعد التفشي الأول في مدينة ووهان، وكبحت انتشار الفيروس. أدى التفشي الأخير في بكين، بعد أسابيع من عدم تسجيل حالات مؤكدة جديدة، إلى تجديد عمليات الإغلاق والفحص.

ومع ذلك، نشهد مرة أخرى في معظم البلدان الأخرى العواقب الوخيمة لعدم المساواة الجماعية: الإدارة غير المستقرة، وانعدام الثقة الاجتماعية، ووجود أعداد كبيرة ممن لا يستطيعون حماية أنفسهم من الأخطار المحدقة. وما يثير القلق، أن الوباء نفسه يفاقم حالة عدم المساواة بشكل أكبر.

فبينما يزدهر الأغنياء الآن عن طريق العمل عبر الإنترنت (ارتفعت على سبيل المثال، ثروة جيف بيزوس مؤسس أمازون بمقدار 49 مليار دولار منذ بداية العام، بفضل التحول الملحوظ إلى التجارة الإلكترونية)، يفقد الفقراء وظائفهم ومعها صحتهم وحيواتهم. ومن المؤكد أن عواقب عدم المساواة ستأخذ في الازدياد، إذ تعمل الحكومات المتعطشة للإيرادات على تقليص الميزانيات والخدمات العامة الضرورية للفقراء.

لكن لكل شيء ثمن. ففي غياب حكومات متماسكة وجديرة بالثقة بوسعها إبداء استجابة وتنفيذ استراتيجية وبائية جيدة ومستدامة من أجل الانتعاش الاقتصادي، سينزلق العالم لمزيد من موجات عدم الاستقرار الناتجة عن المزيد من الأزمات العالمية.

مترجم عن جيفري ساكس، أستاذ التنمية المستدامة والسياسة الصحية في جامعة كولومبيا.

المصدر:

project-syndicate

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


اقتصاد سياسة صحة طب

User Avatar

Mohammed Abughazala

طالب طب.. يسعى إلى تحصيل المعرفة وإعمال العقل بها، ثم نشرها ما استطاع.


عدد مقالات الكاتب : 13
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق