Ad

قررت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020 مناصفة بين جينيفر دودنا (الأمريكية) وإيمانويل شاربنتر (فرنسية) لتطويرهم تقنيات التعديل الجيني «كريسبر» والمعروفة علميًا باسم CRISPR Cas 9 لقدرات التقنية المذهلة وإمكاناتها المستقبلية على تعديل الطفرات المسببة للأمراض الجينية المختلفة. كريسبر؛ المقصات الجينية التي حازت على نوبل الكيمياء لعام 2020 ، ما هي؟

كريسبر؛ أداة قوية ستغير من حياتنا

منذ اكتشافهما المُلهم، تغيرت علوم الحياة للأبد، إذ تمكن علماء الكيمياء الجزيئية وعلماء الأحياء الخلوية من معرفة وظائف الجينات المختلفة بسهولة أكبر مما سبق، ومعرفة أدوارها المختلفة في تطور الأمراض.

تمكن علماء النباتات الآن من منح بعض النباتات صفات جديدة شديدة الأهمية للبقاء، مثل تحمل الجفاف في البيئات الجافة مثل الصحاري.

في مجال الطب، يمكن استخدام هذه التقنية لاكتشاف طرق جديدة لعلاج السرطانات، بالإضافة إلى بعض الاستخدامات غير الأخلاقية بالطبع، مثل أي تكنولوجيا قوية.

في عام 2011، لم يكن أي من إيمانويل أو جينيفر يدركان أن لقاءهما الأول في أحد المقاهي في باريس سيغير حياتهما للأبد.

هوّس شاربنتير بالبكتيريا المسببة للأمراض

حصلت شاربنتير على الدكتوراة من معهد باستور المرموق في باريس، كما عاشت في خمس بلاد مختلفة وسبع مدن. عملت كذلك في عشر معاهد مختلفة. في عام 2002، عندما أسست شاربنتير مجموعتها البحثية الخاصة، في «جامعة فيينا –Vienna University»، كانت تبدي اهتمامًا شديدًا بأكثر أنواع البكتيريا ضررًا للبشر، «البكتيريا العقدية- Streptococcus pyogens ».

تتسبب «البكتيريا العقدية- Streptococcus pyogens» في العدوى لملايين البشر سنويًا، مما يسبب بعض الأعراض الطفيفة، لكنها في بعض الأحيان تسبب أعراضًا قاتلة، مثل تآكل الأنسجة، مما أعطاها اسم « آكلة اللحم البشري-Flesh eater».

لفهم طريقة عمل البكتيريا العقدية، قررت شاربنتير تتبع طريقة تنظيم جينات هذه البكتيريا، والتي كانت أول خطوة في اتجاه مشروعها مع دودنا.

العلم، مغامرة تعادل القصص البوليسية

نشأت دودنا في هاواي كطفلة فضولية تحب تعلّم كيفية عمل الأشياء. في أحد الأيام ترك والدها كتابًا لـ «جيمس واتسون-James Watson » مكتشف الشكل الحلزوني للـ DNA على سريرها، والذي كان خطوتها الأولى في معرفتها للجينات وكيفية عملها.

تابعت جينيفر في الكتاب عمل واتسون إلى جوار زميله «فرانسيس كريك- Francis Crick» ورحلتهم لفك شيفرة الحمض النووي، أُسرت دودنا بعملية البحث العلمي، حيث لم يكن العلم مجرد حقائق.

على الرغم من ذلك، عندما بدأت بحل الألغاز العلمية لم يكن اهتمامها موجهًا صوب الـ DNA، ولكنها كانت قريبة بشكل ما، فكانت تعمل على الـ RNA.

في عام 2006، كانت دودنا تقود مجموعة بحثية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ولديها 20 عامًا من الخبرة في العمل مع الـ RNA.

لسنوات كان يعتقد المجتمع العلمي أنه ملم بوظائف الـ RNA، لكنهم اكتشفوا فجأة الكثير من جزيئات الـ RNA الصغيرة التي تلعب دورًا هامًا في تنظيم عمل الجينات داخل الخلية، فاكتشاف دودنا عام 2006، كان سببًا في تلقيها لمكالمة من زميلة لها في جامعة مختلفة، لتبدأ قصة نوبل!

محاكاة العالمتان للجهاز المناعي القديم للبكتيريا

أخبرتها زميلتها، والتي هي عالمة أحياء جزيئية، باكتشاف جديد أثار انتباهها، فعندما تحرى الباحثون التسلسل الجيني لأنواع مختلفة من البكتيريا، وجدوا نمطًا متطابقًا في جميع أنواعها، على الرغم من اختلاف تسلسلاتها الجينية عن بعضها البعض، فالأمر أشبه بنفس الكلمة تتكرر في كل جملة مختلفة.

تدعى هذه الأنماط بـ Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeates التي اختُصرت لاحقا بـ “CRISPR”.

الغريب بحق، هو أن الأنماط غير المكررة، وغير المتشابهة، تُبدي تطابقًا مع جينات بعض الفيروسات، لذا فالاعتقاد السائد حينها هو أن هذه أجزاء من جهاز مناعي قديم، فالفرضية تقول أنه في حالة نجاة البكتيريا من الفيروسات، فإنها تحتفظ بجزء من مادتها الوراثية كذكرى.

أخبرتها زميلتها أن الباحثين يعتقدون أن هذا يحدث بطريقة مشابهة لما كانت تقوم دودنا بدراسته في ذاك الوقت، وهو الـ RNA interference.

دودنا ترسم آلية معقدة

كانت هذه أخبارًا مذهلة لباحثة متقدة الذهن وشغوفة كشاربنتر، فقد اتضح أنه بالإضافة إلى CRISPR، اكتشف الباحثون جينات أسموها بـ CRISPR-associated  بمعنى «المصاحبة لكريسبر»، التي اختصرت لتصبح cas، والذي أبهر دودنا في هذا الأمر هو أن هذه الجينات تبدو مشابهة لوظائف بعض البروتينات المعروفة، والمسئولة عن تقطيع الشريط الوراثي، وتفكيكه.

أمرت دودنا فريقها بالعمل، وبعد بضع سنوات، تمكن فريقها من معرفة العديد من الوظائف لبروتينات cas.

القطعة الجديدة غير المعروفة في أحجية نظام كريسبر

نعود إلى إيمانويل من جديد، انتقلت إيمانويل للعمل في مشروع بحثي، في جامعة Umeå شمال السويد، وبالعمل مع بعض الباحثين، تمكنت إيمانويل من وضع خارطة للـ RNA  الخاص بالبكتيريا العقدية.

كانت النتائج محيرة بالنسبة لإيمانويل، حيث أن واحدًا من هذه الجزيئات متنوع وغير معروف حينها، كما أن الخارطة الجينية تظهر تماثلًا كبيرًا مع نماذج  CRISPR، فهل هما مرتبطان؟

بعد بحث وتجارب مكثفة، نشرت إيمانويل نتائج أبحاثها. علمت شاربنتير جيدًا أنها على أعتاب شيء مختلف كليًا، فلديها العديد من سنوات الخبرة في مجال الأحياء الجزيئية، ولكن مع استمرار بحثها المتعلق ب CRISPR cas-9، تحتاج شاربنتير إلى مساعدة عالم كيمياء حيوية، وكانت جينيفر دودنا بالطبع.

في ذاك الربيع، عندما دعيت شاربنتير لمؤتمر في «بورتو ريكو-Puerto Rico» لمناقشة اكتشافاتها، كانت تسعى هي لمقابلة باحثة من بيركلي.

مقابلة غيرت حياتهما للأبد

تقابلا بالصدفة في إحدى المقاهي، حيث قدمتهما زميلة مشتركة لبعضهما البعض، وأخبرتها شاربنتير بأنهما عليهما أن يتعرفا على شوارع المدينة القديمة.

بينما تتمشى الباحثتان في شوارع المدينة، تسأل شاربنتير دودنا ما إن كانت مهتمة بشأن التعاون في بحث مشترك عن البكتيريا العقدية، فتوافق دودنا على الفور، ليتحقق لشاربنتير مبتغاها في الحصول على مساعدة باحثة في مجال الكيمياء الحيوية.

بدأ الفريقان بإجراء المقابلات الرقمية للتخطيط للأبحاث، كانتا تعتقدان أنهما تحتاجان الـ RNA المتعلق بـ CRISPR للتعرف على الـ DNA الفيروسي، وأن cas-9 هو المقص المسئول عن قطع الـ DNA، على الرغم من هذا، لم ينجحا عند إجراء التجارب، فقد ظلت جزيئات الـ DNA متماسكة، ولكن لماذا؟

بعد فترة طويلة من العصف الذهني، والتجارب التي باءت جميعها بالفشل، قرر الباحثون أخيرًا إضافة الـ tracrRNA الذي كانت قد اكتشفته إيمانويل مسبقًا إلى بحثهم، وعندما أضافوه إلى cas-9، حدث ما كان متوقعًا، فانقسم جزيء الـ DNA إلى قسمين أخيرًا.

كان اكتشافًا ثوريًا، فقد كشفتا عن آلية دفاعية طورتها البكتيريا ضد الفيروسات.

تجربة أعلنت بدء عصر جديد

قرر الباحثون تبسيط وتشذيب مقصات الـ DNA باستخدام معرفتهم عن الـ tracrRNA، والـ CRISPR-RNA، فقررا دمجهما معًا، وسموا الناتج باسم «الرنا المرشد-Guide RNA»، لتدرك الباحثتان أنهما أمام تجربة ستغير مجرى التاريخ.

قاما بأخذ جين مجمد كان موجود في معمل دودنا، وقاموا باختيار خمس مناطق مختلفة، حيث يجب أن يُقطع الجين، ثم قاما بقص جزء CRISPR من المقصات، لتتطابق شيفرته مع شيفرة الجزء المطلوب إزالته.

كانت النتائج مذهلة، حيث قُطع الجين في الأجزاء المُحددة بالضبط.

كريسبر؛ المقصات الجينية التي غيرت علوم الأحياء الجزيئية

بعد نشر بحثهما بفترة وجيزة، أعلنت العديد من المجموعات البحثية عن إمكانية استخدام تقنيتهما للتعديل في خلايا الفئران والبشر، مؤديًا بذلك إلى ثورة علمية، فقد كان تعديل الخلايا في الماضي أمرًا بالغ التعقيد، ومستهلكًا للكثير من الوقت، بل وأحياناً مستحيل.

باستخدام المقصات الجينية يمكن للباحثين الآن قطع أي جزء من الشريط الوراثي، ولسهولة هذه التقنية، تم تعميمها في المشروعات البحثية المختلفة، كما أنها أصبحت تستخدم في تهجين النباتات.

أمل علاج الأمراض الوراثية

في مجال الطب، تُعد تقنية كريسبر أملًا واعدًا في مجال العلاج المناعي. يقوم الباحثون بالفعل بإجراء التجارب لمعرفة ما إن كانت مقصات CRISPR cas-9 فعالة في محاربة السرطان أم لا. كما يطمح الباحثون لاستخدامها في إعادة إصلاح الأنسجة الكبيرة التالفة مثل المخ.

يجب استخدام تقنية المقصات الجينية بحرص

بالرغم من فوائدها العديدة، يمكن لهذه التقنية أن تستخدم بشكل خاطئ، حيث يمكن استخدامها لخلق أجنة معدلة وراثيًا. لكن يعتقد بعض المتخصيين بأنه لا داعي للقلق، لطالما كانت هناك العديد من القوانين التي تقيد استخدامات الهندسة الوراثية، كما أن التجارب المجراة على البشر والحيوانات يجب أن تخضع أولًا لموافقة اللجان الأخلاقية. وفي هذا الصدد يمكنك القراءة أكثر عن المخاوف المحيطة بالتقنية من هنا.

ما رأي القارئ بهذا الكشف؟ وكيف يمكن أن يغير من حياتنا كبشر في المستقبل؟ وهل أنت مع أم ضد اتاحة استخدام التعديل الجيني على البشر؟

المصدر:
البيان الرسمي لموقع جائزة نوبل

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


طب صحة أحياء كيمياء جوائز

User Avatar

Abdelrahman Wael

طالب مصري وكاتب علمي.


عدد مقالات الكاتب : 51
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق