Ad

رحلة في تاريخ علم الميكروبات

علم الأحياء الدقيقة، هو علم يختص بدراسة أشكال الحياة البسيطة، التي تشمل(البكتيريا، الفيروسات، الطحالب، الفطريات، وحيدات الخلية..) حيث يهتم بدراسة بنيتها ووظيفتها، وطرق استغلال نشاطها والسيطرة عليها تحتل الكائنات الدقيقة مكانة هامة في الحياة اليومية ودورا أساسيا في الأنظمة البيئية، فهي تتواجد بوفرة في الهواء والتربة والماء، كما تغطي الأسطح الداخلية والخارجية لجسم الإنسان، ورغم أنها كائنات لاترى بالعين المجردة إلا أنها تترك تترك آثارا واضحة على وجودها في بعض الأحيان بتأثير سلبي كتحلل المواد والآصابة بأمراض أو بشكل إيجابي كتخمر الخبر ونكهة الجبن بالاضافة الى دورها الفعال في النظام البيئي والئي يتمثل في تفكيك بقايا الكائنات الحيوانية والنباتية بعد موتها وتحويلها الى مواد أبسط يمكن للكائنات الأخرى الاستفادة منها.

كيف بدأ علم الميكوربيولوجي؟

بدأت الفيزياء في العصور القديمة، والرياضيات قبل ذلك حتى، ولكن التعرف على الكائنات الدقيقة بدأ منذ أواخر القرن ال19، فحتى ثمانينيات ذلك القرن، مازال الناس يؤمنون أن المرض ناجم عن الخطايا والروائح الكريهة والأرواح الشريرة، ورغم تواجد مفهوم العدوى آنذاك، إلا أنه لم ينسب لكائنات حية صغيرة. جالينوس (طبيب إغريقي من بيرغامون 129-216) إعتقد أن الأوبئة سببها الروائح التي نتجت من تحلل المواد العضوية فتكون أمراض مثل الكوليرا والكلاميديا والطاعون الدبلي، على الرغم من أن الفكرة خاطئة لكنها حفزت على تحسين الممارسات الصحية، وشجعت على بناء قنوات المياه العذبة و قنوات الصرف الصحي، مما وقى الرومان آنذاك من الأمراض التي تنقلها المياه.

تمت بالفعل مناقشة وجود كائنات حية دقيقة قبل عدة قرون من إكتشافها، كان العالم الروماني”ماركوس تيرينتيوس فارو” أول من عرف بإقتراح إمكانية إنتشار المرض بواسطة كائنات غير مرئية، ففي كتابه يحذر من السكن بالقرب من المستنقعات خشية الإصابة بأمراض بواسطة الكائنات الدقيقة التي تطفو في الهواء وفوق الماء، في 1020 إفترض إبن سينا أن السل وأمراض أخرى قد تكون معدية، وفي عام 1546 إقترح “جيروملامو فراكاستورو” أن الأوبئة ناجمة عن كائنات تشبه البذور يمكنها أن نتقل العدوى عن طريق الإتصال المباشر أو غير المباشر أو عن طريق مسافات طويلة أما أبقراط فقد كان يعتقد أن المرض ناتج عن إختلال في توازن الأخلاط(السوائل الحيوية) في الجسم وهم: الدم، والصفراء، والسوداء، والبلغم.

كل هذه الأفكار ظلت آنذاك مجرد فرضيات لإفتقارها للمجهر الذي يوفر ملاحظتها ووصفها بشكل دقيق، وكان روبرت هوك ( عالم انجليزي من القرن ال17) أول من استخدم العدسة لمراقبة الكائنات الدقيقة ( أو ما أسماه هو، الحبيبات الحيوانية) في عام 1676 كان أنتوني فان ليونهوك(1632-1723) من أوائل الأشخاص الذين اطلعوا على الكائنات المجهرية باستخدام مجهر من تصميمه الخاص. قضى ليونهوك معظم أوقات فراغه في ابتكار مجاهر بسيطة، فقد قام ببناء أكثر من 250 مجهرا صغيرا بإمكانه تكبير من 50-300 مرة، وكان أول شخص يصف البكتيريا ووحيدات الخلية بدقة، وبسبب اسهاماته غير العادية أعتبر “أبو علم الميكروبيولوجي” و “علم الأوليات”.

الجيل العفوي:

نشر الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 قبل الميلاد) كتابات ذكرت كيفية نشوء بعض الكائنات الحية من خلال مواد غير حية ، من خلال ملاحظة بعض الظواهر منها :ظهور اليرقات في اللحوم المتعفنة وظهور البراغيث في الغبار. على هذا الأساس إفترض أرسطو أنه إذا كان للمادة غير الحية جوهر روحي أو حرارة فإن الكائنات الحية ستنشأ عليها طالما توفرت الظروف الملائمة، واستمرت هذه الفرضية لآلاف السنين. وعندما تم التسليم بوجود كائنات حية دقيقة، اعتقد معظم علماء العصر بإمكانية نشوء هذه الكائنات عن طريق ما يسمى بالتولد التلقائي، فعلى الرغم من غرابة هذه الفكرة، فنحن بحاجة إلى أن نتذكر أنهم كانوا يعرفون فقط ما يعرفونه، أي أن الفكرة إستنتاج مبنية على بعض الملاحظات أي تفتقر إلى المنهج التجريبي. وقد تنوعت آراء العلماء آنذاك بين معارضة وتقبل للفكرة.

العصر الذهبي:

لويس باستور

بدأ العصر الذهبي لعلم الأحياء الدقيقة بعمل “لويس باستور” و”روبرت كوخ” في معهد أبحاث خاص بهم وقد تلقى ذلك قبولاً من المجتمع العلمي في جميع أنحاء العالم. أخيراً وضع العالم الفرنسي”لويس باستور” مفهوم الجيل العفوي ضمن مجموعة من التجارب حيث قام بغلي المرق في قارورة ذات رقبة مستقيمة وتركها معرضة للهواء، فكانت النتيجة نمو الميكروبات، وفي جهة أخرى أعاد نفس التجربة باستعمال قارورة ذات عنق معقوف، يمنع دخول جزيئات الغبار من الهواء إلى القاروة فكانت النتيجة سلبية، أثبت باستور في تجربته أن الكائنات في الغبار هي التي تنمو في المرق، إضافة إلى تجربته التي جسد فيها فكرة “لازارو سبالانزاني” التي نصت أن غليان المرق يؤدي قطعاً إلى موت الكائنات الموجودة فيه وهذا مالايترك مجالاً للشك أن الكائنات أتت من الخارج، وبهذا أنهى باستور عام 1858 الجدل القائم حول فرضية الجيل التلقائي، كما وجد أن تخمير الفاكهة وإفساد النبيذ ناتج أيضا عن الميكروبات. اقترح باستور في عام 1862 أن التسخين المعتدل عند 62.8C° لمدة نصف ساعة كاف للقضاء على الكائنات المضرة دون تغيير طعم المنتج، وسميت العملية بالبسترة من حينها عرف باستور بإسم أبو علم الأحياء الدقيقة ووالد علم الجراثيم.

“روبرت كوخ”

في نفس الوقت الذي كان فيه باستور يقوم بتجاربه، كان في الجانب الآخر طبيب يدعى “روبرت كوخ”يعمل على اكتشاف بعض الأمراض الحيوانية الخطيرة مثل الجمرة الخبيثة،السل. فقدم أول دليل مباشر على دور البكتيريا في التسبب بالأمراض وفي عام 1876 أتقن تقنية عزل البكتيريا في مزارع نقية، كما قدم استخدام أوساط المزارع الصلبة عام1881 واستخدام الجيلاتين كعامل صلابة في 1882 وفي عام 1884 اقترح مسلمة كوخ وهي حجر أساس لنظرية الجرثومة ولاتزال تستخدم ليومنا هذا لإثبات مسببات الأمراض المسلمات الأربع لكوخ:

1. يمكن العثور على الكائن الحي المسبب للمرض في الأفراد المرضى لا الأصحاء.

2 .يمكن عزل الكائن الحي وتنميته في مزرعة نقية

3. يجب أن يسبب الكائن الحي المرض عندما يتم إدخاله إلى فرد سليم.

4. يجب استعادة الكائن الحي من الحيوان المصاب وإظهار أنه نفس الكائن الذي تم إدخاله.

أسست الجهود المشتركة لباستور وكوخ نظرية جرثومة المرض وهي تنص أن الكائنات الدقيقة هي سبب المرض وبدأ علم الميكروبيلوجي يساهم بشدة في تطور الكثير من نواحي الطب وخدمة الصحة مثل:

1. التطور في الطب والجراحة:

معرفة العلماء أن الميكروبات مسبب المرض حسن من المارسات الطبية بشكل واضح، فقد ساهمت تقنية المعقمات وكذا غسل البدين والحجر الصحي للمرضى بتحسين مستوى الطب وجعلت المستشفيات مكانا للعلاج بدلا عن الموت. ساهم الجراح الإنجليزي” اللورد جوزيف ليستر” بإبتكاره البارز وهو العلاج المطهر للوقاية من التهابات الجروح وعلاجها، بعد أن استنتج أن الميكروبات هي سبب الإلتهابات. في1867 طور نظاماً للجراحة المطهرة عن طريق منع الميكروبات من دخول الجروح عن طريق تطبيق “الفينول” على الضمادات الجراحية، كما ابتكر طريقة لتدميرها بواسطة رش غبار من “حمض الكربوليك”. بفضل هذه المساهمات التي يتم اعتمادها حتى الآن، أُعتبر “جوزيف ليستر” أب الجراحة المطهرة.

2. تطوير اللقاحات:

تم اكتشاف التعقيم قبل نظرية الجراثيم لكن لم يتم فهمه بالكامل حتى وقت باستور، في أواخر القرن ال18 استخدم الطبيب إدوارد جينر القيح من قشور الجدري لدى البقر لتلقيح الناس ضد الجدري. في وقت لاحق تم تحقيق أهمية “جينر” التجريبية من قبل باستور الذي طبق بعد ذلك هذا المبدأ على مرضى الجمرة الخبيثة، كما سار باستور نحو خدمة الانسانية عن طريق صنع لقاح لداء الكلب، عمل مبدأ العلاج الوقائي لداء الكلب بشكل كامل والذي وضع حجر الأساس لبرنامج التحصين الحديث لبعض الأمراض المروعة كالخناق والكزاز وشلل الأطفال …إلخ. اقترح “إيلي ميتشنيكوف”(1845-1916) نظرية بلعمية المناعة في 1883عندما اكتشف فعالية الكريات البيضاء في المناعة ضد الأمراض عن طريق ابتلاع مسبباتها الميكروبية

3. عصر البيولوجيا الجزيئية :

بحلول نهاية عام 1900 نما علم الميكروبات وأصبح متفردا كفرع في مجال علم الأحياء الأكثر شمولاً. وقد قدمت البساطة النسبية للميكروبات وعمرها القصير والتجانس الوراثي نموذج مثالي لأدوات لدراسة التعقيدات البيولوجية والكيميائية والفيزيولوجية المختلفة. فخطا مجال البيولوجيا خطوات كبيرة في فهم النظام الجيني وعملياته بفضل الميكروبات، لأنه طالما اعتاد العلماء على إجراء هذه الدراسات على الخلايا الحيوانية والنباتية التي تبدو في غاية التعقيد مقارنة بالميكروبات.

مصادر (رحلة في تاريخ علم الميكروبات):

Britannica

scientist cindy

microbe notes

bio libretexts

المزيد:

اللقاحات، إلى أين تعود أصولها؟ وهل شكل الجدري بداية عصرها؟

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أحياء حياة صحة طب

User Avatar

Ouissem Djeddi


عدد مقالات الكاتب : 20
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق