Ad

3 فائزين بنوبل الفيزياء 2021، من هم؟ وماذا قدموا للبشرية؟

قررت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح 3 فائزين جائزة نوبل الفيزياء 2021 “للمساهمات الرائدة في فهم الأنظمة الفيزيائية المعقدة”. ويذهب نصف الجائزة للثنائي سيوكورو مانابي الأمريكي Syukuro Manabe والألماني كلاوس هاسلمان Klaus Hasselmann “للنمذجة الفيزيائية لمناخ الأرض، وقياس التباين والتنبؤ بشكل موثوق بظاهرة الاحتباس الحراري”. والنصف الآخر من الجائزة للإيطالي جورجيو باريزي “لاكتشاف تفاعل الاضطراب والتقلبات في الأنظمة الفيزيائية من المقاييس الذرية إلى المقاييس الكوكبية. ويتشارك الفائزون الثلاثة بجائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام لدراساتهم عن الظواهر الفوضوية والعشوائية.

نبذة عن دور العلماء الثلاثة في جائزة نوبل الفيزياء 2021

كان لكل من الفائزن الثلاثة بجائزة نوبل نصيبه من الإكتشافات فقد وضع سيوكورو مانابي وكلاوس هاسلمان الأساس لمعرفتنا بمناخ الأرض وكيف تؤثر البشرية عليه. ومُنح جورجيو باريزي الجائزة لمساهماته الثورية في نظرية المواد المضطربة والعمليات العشوائية. تتميز الأنظمة المعقدة بالعشوائية والفوضى ويصعوبة فهمها. لذا تمنح جائزة هذا العام أساليب جديدة لوصف الفوضى والتنبؤ بسلوكها على المدى الطويل.

أحد الأنظمة المعقدة ذات الأهمية الحيوية للبشرية هو مناخ الأرض. أظهر Syukuro Manabe كيف أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تؤدي إلى زيادة درجات الحرارة على سطح الأرض. في الستينيات، قاد عملية تطوير النماذج الفيزيائية لمناخ الأرض وكان أول من اكتشف التفاعل بين توازن الإشعاع والنقل الرأسي للكتل الهوائية. وضع عمله الأساس لتطوير النماذج المناخية الحالية.

بعد حوالي عشر سنوات، ابتكر كلاوس هسلمان نموذجًا يربط بين الطقس والمناخ. وبذلك أجاب على سؤال لماذا يمكن الاعتماد على النماذج المناخية على الرغم من تغير الطقس وفوضويته. كما طور طرقًا لتحديد إشارات محددة، كبصمات الأصابع التي تتركها الظواهر الطبيعية والأنشطة البشرية في المناخ. تم استخدام أساليبه لإثبات أن ارتفاع درجة الحرارة في الغلاف الجوي ناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون البشرية.

حوالي عام 1980، اكتشف جورجيو باريزي أنماطًا خفية في مواد معقدة غير مرتبة. تعتبر اكتشافاته من بين أهم المساهمات في نظرية الأنظمة المعقدة. فهي تجعل فهم ووصف العديد من المواد والظواهر المختلفة والتي تبدو عشوائية تمامًا أمرًا ممكنًا. ليس فقط في الفيزياء ولكن أيضًا في مجالات أخرى مختلفة تمامًا، مثل الرياضيات وعلم الأحياء وعلم الأعصاب والتعلم الآلي

تأثير البيت الزجاجي

درس الفيزيائي الفرنسي جوزيف فورييه، قبل مائتي عام توازن الطاقة بين إشعاع الشمس تجاه الأرض والإشعاع من الأرض. وقد أدت دراسته لفهم دور الجو في هذا التوازن. إذ يتحول الإشعاع الشمسي الوارد على سطح الأرض إلى إشعاع صادر يمتصه الغلاف الجوي وبالتالي يتم تسخين الغلاف الجوي. وقد سمى الإشعاع الصادر ب «الحرارة الداكنة – Dark Heat » .

يُطلق على الدور الوقائي للغلاف الجوي الآن اسم «تأثير البيت الزجاجي – greenhouse effect». يأتي هذا الاسم من تشابهه مع الألواح الزجاجية للبيت زجاجي. تسمح الألواح لأشعة الشمس الحرارية بالمرور من خلالها، لكنها تحبس الحرارة في الداخل. ومع ذلك، فيجب التأكيد على أن العمليات الإشعاعية في الغلاف الجوي أكثر تعقيدًا بكثير.

استمر السعي بعد فورييه – لاستكشاف التوازن بين الإشعاع الشمسي ذي الموجة القصيرة القادم نحو كوكبنا والأشعة تحت الحمراء الصادرة من الأرض على المدى الطويل على يد العديد من علماء المناخ على مدى القرنين التاليين. وتعد النماذج المناخية المعاصرة هي أدوات قوية بشكل لا يصدق، ليس فقط لفهم المناخ، ولكن أيضًا لفهم الاحتباس الحراري الذي يتحمل البشر مسؤوليته.

تستند النماذج المناخية إلى قوانين الفيزياء، وقد تم تطويرها من نماذج تم استخدامها بالأساس للتنبؤ بالطقس. حيث يتم وصف الطقس في تلك النماذج بالأرقام المستخدمة في الأرصاد الجوية مثل درجة الحرارة أو هطول الأمطار أو الرياح أو السحب، كما يتم إضافة أي تأثير آخر يحدث في المحيطات أو على اليابسة. وتعتمد النماذج المناخية على الخصائص الإحصائية المحسوبة للطقس، مثل القيم المتوسطة، والانحرافات المعيارية، والقيم العظمى والصغرى المقاسة، وما إلى ذلك. وقد لا تستطيع النماذج المناخية إخبارنا بما سيكون عليه الطقس في ستوكهولم في 10 ديسمبر من العام المقبل. ولكن يمكننا الحصول على فكرة عن درجة الحرارة أو مقدار هطول الأمطار الذي يمكن أن نتوقعه في المتوسط ​​في ستوكهولم في ديسمبر.

الدور الرئيسي لثاني أكسيد الكربون

تأثير البيت الزجاجي ضروري للحياة على الأرض لأنه يتحكم في درجة الحرارة. إذ تقوم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مثل: – ثاني أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء وغازات أخرى – بامتصاص الأشعة تحت الحمراء أولًا ثم تقوم بعد ذلك بإطلاق هذه الطاقة الممتصة مؤدية إلى تسخين الهواء المحيط للأرض وتسخين الأرض ذاتها من تحته.

تشكل الغازات الدفيئة في الواقع نسبة صغيرة جدًا من الغلاف الجوي الجاف للأرض. ويتكون من النيتروجين والأكسجين بنسبة 99% من حجمه. بينما يمثل ثاني أكسيد الكربون 0.04 % فقط من الحجم. وعلى الرغم من أن بخار الماء يعد أقوى الغازات الدفيئة، فلا يمكننا التحكم في تركيز بخار الماء في الغلاف الجوي. لكن يمكننا التحكم في تركيز ثاني أكسيد الكربون.

تعتمد كمية بخار الماء في الغلاف الجوي بشكل كبير على درجة الحرارة، مما يجعل سلسلة الأحداث تدور في حلقة. إذ يعتمد كل من بخار الماء والحرارة على الأخر في دورة لا نهائية. في حين أن زيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي يجعله أكثر دفئًا، مما يسمح باحتجاز المزيد من بخار الماء في الهواء. ونتيجة لذلك يزداد تأثير الاحتباس الحراري وترتفع درجات الحرارة أكثر. أما انخفاض مستوى ثاني أكسيد الكربون يؤدي إلى تكثف بعض بخار الماء وانخفاض درجة الحرارة.

كيف ساعد سافانتي أرهينيوس ثلاثي نوبل؟

جاء الجزء الأول المهم من حل اللغز حول تأثير ثاني أكسيد الكربون من الباحث السويدي والحائز على جائزة نوبل «سفانتي أرهينيوس – Svante Arrhenius». وبالمناسبة، كان زميله، عالم الأرصاد الجوية «نيلس إيكهولم – Nils Ekholm »، وهو أول من استخدم كلمة تأثير البيت الزجاجي في عام 1901 في وصف تخزين الغلاف الجوي للحرار وإعادة إطلاق الإشعاع.

أدرك أرهينيوس الفيزياء المسؤولة عن تأثير الاحتباس الحراري بحلول نهاية القرن التاسع عشر – وقد استنتج أن الإشعاع الصادر يتناسب طرديًا مع درجة حرارة الجسم المشع المطلقة (T) إلى أس أربعة (T⁴). وكلما كان مصدر الإشعاع أكثر سخونة، كان الطول الموجي للأشعة أقصر. إذ تبلغ درجة حرارة سطح الشمس 6000 درجة مئوية وتطلق أشعة في الطيف المرئي بشكل أساسي ومن ثم تقوم الأرض، مع درجة حرارة سطح 15 درجة مئوية فقط، بإعادة إشعاع الأشعة تحت الحمراء غير المرئية لنا. إذا لم يمتص الغلاف الجوي هذا الإشعاع، فإن درجة حرارة السطح ستكون بالكاد -18 درجة مئوية.

كان أرهينيوس آنذاك يحاول بالفعل معرفة سبب ظاهرة العصور الجليدية المكتشفة حديثًا وقتها. وقد توصل إلى استنتاج مفاده أنه إذا انخفض مستوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى النصف، فسيكون هذا كافيًا للأرض لدخول عصر جليدي جديد. والعكس صحيح – فإن مضاعفة كمية ثاني أكسيد الكربون من شأنها أن تزيد درجة الحرارة بمقدار 5-6 درجات مئوية، وهي نتيجة، من باب الصدفة إلى حد ما، قريبة بشكل مذهل من التقديرات الحالية.

عمل النماذج لتأثير ثاني أكسيد الكربون

في الخمسينيات من القرن الماضي، كان عالم فيزياء الغلاف الجوي الياباني سيوكورو مانابي أحد الباحثين الشباب والموهوبين في طوكيو الذين غادروا اليابان بعد أن دمرتها الحرب، واستمروا في حياتهم المهنية في الولايات المتحدة. كان الهدف من بحث مانابي، مثل بحث أرهينيوس قبل حوالي سبعين عامًا وهو فهم كيف يمكن أن تؤدي المستويات المتزايدة من ثاني أكسيد الكربون إلى زيادة درجات الحرارة. ومع ذلك، بينما ركز أرهينيوس على توازن الإشعاع، فقد قاد مانابي في الستينيات العمل على تطوير نماذج فيزيائية لدمج النقل الرأسي للكتل الهوائية بسبب الحمل الحراري، بالإضافة للحرارة الكامنة لبخار الماء.

ولجعل هذه الحسابات قابلة للإدارة والتحليل، اختار تقليل النموذج إلى بُعد واحد – عمود رأسي، يصل ارتفاعه إلى 40 كيلومترًا في الغلاف الجوي. ومع ذلك، فقد استغرق الأمر مئات من ساعات الحوسبة القيمة لاختبار النموذج من خلال تغيير مستويات الغازات في الغلاف الجوي. وقد كان للأكسجين والنيتروجين تأثيرات ضئيلة على درجة حرارة السطح، بينما كان لثاني أكسيد الكربون تأثير واضح. عندما تضاعف مستوى ثاني أكسيد الكربون، زادت درجة الحرارة العالمية بأكثر من درجتين مئويتين. كما هو موضح في الشكل رقم (1).

صورة رقم (1)

وقد أكد النموذج أن التسخين كان بفعل زيادة ثاني أكسيد الكربون. فقد تنبأ مانابي بارتفاع درجات الحرارة بالقرب من الأرض بينما أصبح الغلاف الجوي العلوي أكثر برودة. وإذا كانت الاختلافات في الإشعاع الشمسي مسؤولة عن زيادة درجة الحرارة بدلاً من ذلك، فيجب أن يسخن الغلاف الجوي بأكمله في نفس الوقت.

قبل ستين عامًا، كانت أجهزة الكمبيوتر أبطأ بمئات الآلاف من المرات مما هي عليه الآن. لذلك، كان هذا النموذج بسيطًا نسبيًا، لكن مانابي حصل على الميزات الرئيسية بشكل صحيح.

“يجب عليك التبسيط دائمًا. إذ لا يمكنك منافسة تعقيد الطبيعة، فهناك الكثير من الفيزياء المتضمنة في كل قطرة مطر لدرجة أنك لن تتمكن أبدًا من حساب كل شي”.

مانابي

أدت الأفكار المستمدة من النموذج أحادي البعد إلى نموذج مناخي ثلاثي الأبعاد، نشره مانابي في عام 1975. ويعد نموذج مانابي خطوة كبيرة أخرى على طريق فهم أسرار المناخ.

الطقس الفوضوي

بعد حوالي 10 سنوات من مانابي، نجح كلاوس هاسلمان في الربط بين الطقس والمناخ من خلال إيجاد طريقة للتغلب على التغيرات المناخية السريعة والفوضوية التي مثلت إزعاجًا ضخمًا للحسابات. مما لا شك فيه أن كوكبنا يشهد تغيرات هائلة في طقسه لأن الإشعاع الشمسي موزع بشكل غير متساوٍ جغرافيًا وعلى مر الزمن.

الأرض مستديرة تقريبًا. لذا فإن عددًا أقل من أشعة الشمس يصل إلى خطوط العرض الأعلى من تلك الموجودة في الأسفل حول خط الاستواء. أضف إلى ذلك أن محور الأرض مائل، مما ينتج عنه اختلافات موسمية في الإشعاع الوارد. وتتسبب الاختلافات في الكثافة بين الهواء الأكثر دفئًا والهواء الأكثر برودة في حدوث عمليات نقل هائلة للحرارة بين خطوط العرض المختلفة، وبين المحيطات والأرض، وبين الكتل الهوائية الأعلى والأدنى. تؤدي كل تلك المتغيرات إلى تحكم وتوازن في الطقس على سطح كوكبنا.

أثر الفراشة

كما نعلم جميعًا، فإن إجراء تنبؤات موثوقة حول الطقس لأكثر من 10 أيام قادمة يمثل تحديًا حقيقيًا. لكن قبل مائتي عام، تنبأ العالم الفرنسي الشهير «بيير سيمون دي لابلاس – Pierre-Simon de Laplace»، أنه إذا عرفنا للتو موقع وسرعة جميع الجسيمات في الكون، فيجب أن نتمكن من حساب ما حدث وما سيحدث في عالمنا. ومن حيث المبدأ، يجب أن يكون هذا صحيحًا؛ فقوانين الحركة التي وضعها نيوتن منذ ثلاثة قرون، والتي تصف أيضًا النقل الجوي في الغلاف الجوي، حتمية تمامًا – فهي لا تحكمها الصدفة.

ومع ذلك، لا شيء يمكن أن يكون أكثر خطأً عندما يتعلق الأمر بالطقس. فمن الناحية العملية، من المستحيل أن تكون دقيقًا بدرجة كافية – لتحديد درجة حرارة الهواء أو الضغط أو الرطوبة أو ظروف الرياح لكل نقطة في الغلاف الجوي. وأيضًا نتيجة للعلاقات غير الخطية؛ يمكن للانحرافات الصغيرة في القيم الأولية أن تجعل نظام الطقس يتطور بطرق مختلفة تمامًا.

واستنادًا إلى مسألة ما إذا كانت فراشة ترفرف بجناحيها في البرازيل يمكن أن تسبب إعصارًا في تكساس، فقد سميت هذه الظاهرة ب «تأثير الفراشة – The butterfly effect». من الناحية العملية، هذا يعني أنه من المستحيل إصدار تنبؤات جوية طويلة الأجل – فالطقس فوضوي جدًا؛ وقد وصل عالم الأرصاد الجوية الأمريكي «إدوارد لورنز – Edward Lorenz» لهذا الاكتشاف في الستينيات فوضع الأساس لنظرية الفوضى الحالية.

استخراج النتائج من البيانات الصاخبة

كيف يمكننا إنتاج نماذج مناخية موثوقة لعدة عقود أو مئات السنين في المستقبل، بالرغم من كون الطقس مثالًا كلاسيكيًا على النظام الفوضوي؟ حوالي عام 1980، أظهر كلاوس هاسلمان كيف يمكن وصف ظواهر الطقس المتغيرة بشكل فوضوي بأنها ضوضاء متغيرة بسرعة. بالتالي وضع هاسلمان تنبؤات مناخية طويلة الأجل على أساس علمي ثابت. علاوة على ذلك، فقد طور طرقًا لتحديد تأثير الإنسان على درجة الحرارة العالمية المرصودة.

كطالب دكتوراه شاب في الفيزياء في هامبورغ، ألمانيا، في الخمسينيات من القرن الماضي، عمل هاسلمان على ديناميكيات الموائع. ثم بدأ في تطوير الملاحظات والنماذج النظرية لأمواج وتيارات المحيطات. ومن ثم انتقل إلى كاليفورنيا واستمر في علم المحيطات، حيث التقى بزملاء مثل «تشارلز ديفيد كيلينج – Charles David Keeling». بدأ هاسلمان مع كيلينج جوقة مادريجال. كيلينج هو أحد أعظم علماء المناخ. بدأ كيلينج في عام 1958، ما يعرف الآن بأطول سلسلة من قياسات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في مرصد «Mauna Loa» في هاواي. لم يتوقع هاسلمان أنه سيستخدم في عمله اللاحق منحنى كيلنج بانتظام، والذي يُظهر التغيرات في مستويات ثاني أكسيد الكربون.

معضلة التنبؤ المناخي

يمكن تشبيه الحصول على نموذج مناخي من بيانات الطقس الصاخبة من خلال تمشية كلب يركض بعيدًا، للخلف وللأمام، يمينًا ويسارًا وحول ساقيك. كيف يمكنك استخدام مسارات الكلب لمعرفة ما إذا كنت تمشي أم لا تزال واقفة؟ أو هل تمشي بسرعة أو ببطء؟ مسارات الكلب هي التغيرات في الطقس، والمشي الخاص بك هو المناخ المحسوب. هل من الممكن حتى استخلاص استنتاجات حول الاتجاهات طويلة الأجل في المناخ باستخدام بيانات الطقس الفوضوية والصاخبة؟

تتمثل إحدى الصعوبات الإضافية في أن التقلبات التي تؤثر على المناخ متغيرة للغاية بمرور الوقت – فقد تكون سريعة، مثل قوة الرياح أو درجة حرارة الهواء، أو بطيئة جدًا، مثل ذوبان الصفائح الجليدية واحترار المحيطات. على سبيل المثال، قد يستغرق التسخين المنتظم بدرجة واحدة فقط ألف عام للمحيطات، ولكن فقط بضعة أسابيع للغلاف الجوي. كانت الحيلة الحاسمة هي دمج التغيرات السريعة في الطقس في الحسابات كضوضاء، وإظهار كيف تؤثر هذه الضوضاء على المناخ.

ابتكر هاسلمان نموذجًا مناخيًا عشوائيًا، وأتى إلهامه من نظرية ألبرت أينشتاين للحركة البراونية، والتي تسمى أيضًا المشي العشوائي. باستخدام هذه النظرية، أوضح هاسلمان أن الغلاف الجوي سريع التغير يمكن أن يتسبب في الواقع في تغيرات بطيئة في المحيط.

أساليب النظم المضطربة

حوالي عام 1980، قدم جورجيو باريزي اكتشافاته حول كيفية تحكم الظواهر العشوائية بقواعد خفية. يعتبر عمله الآن من بين أهم المساهمات في نظرية الأنظمة المعقدة.

تعود جذور الدراسات الحديثة للأنظمة المعقدة إلى الميكانيكا الإحصائية التي طورها جيمس سي ماكسويل ولودفيج بولتزمان وجوزيه ويلارد جيبس ​​في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان على هذه الطريقة أن تأخذ الحركات العشوائية للجسيمات في الاعتبار، لذلك كانت الفكرة الأساسية هي حساب متوسط ​​تأثير الجسيمات بدلاً من دراسة كل جسيم على حدة. على سبيل المثال، درجة الحرارة في الغاز هي مقياس لمتوسط ​​قيمة طاقة جزيئات الغاز. تحقق الميكانيكا الإحصائية نجاحًا كبيرًا، لأنها تقدم تفسيرًا مجهريًا للخصائص المجهرية في الغازات والسوائل، مثل درجة الحرارة والضغط.

يمكن اعتبار الجزيئات الموجودة في الغاز على أنها كرات صغيرة، تطير بسرعة تزيد مع ارتفاع درجات الحرارة. وعندما تنخفض درجة الحرارة أو يزداد الضغط، تتكثف الكرات أولاً لتصبح سائلًا ثم تتحول إلى مادة صلبة. غالبًا ما تكون هذه المادة الصلبة عبارة عن بلورة، حيث يتم تنظيم الكرات في نمط منتظم. ومع ذلك، إذا حدث هذا التغيير بسرعة، فقد تشكل الكرات نمطًا غير منتظم لا يتغير حتى لو تم تبريد السائل أو ضغطه معًا. وإذا تكررت التجربة، فستشكل الكرات نمطًا جديدًا، على الرغم من حدوث التغيير بالطريقة نفسها تمامًا. فما سبب اختلاف النتائج؟

ظاهرة الإحباط

تعتبر هذه الكرات المضغوطة نموذجًا بسيطًا للزجاج العادي والمواد الحبيبية، مثل الرمل أو الحصى. ومع ذلك، كان موضوع عمل باريزي الأصلي مختلفًا نوعًا ما، فقد كان عن «الزجاج الدوار – spin glass». ويعد الزجاج الدوار هذا نوع خاص من السبائك المعدنية حيث تخلط ذرات الحديد بشكل عشوائي مثل شبكة من ذرات النحاس. على الرغم من وجود عدد قليل من ذرات الحديد، إلا أنها تغير الخصائص المغناطيسية للمادة بطريقة جذرية ومحيرة للغاية. إذ تتصرف كل ذرة حديد كمغناطيس صغير، ويطلق على الذرة الواحدة «دوارة – Spin»، وتتأثر بذرات الحديد الأخرى القريبة منها. في المغناطيس العادي، تدور جميع الدورات في نفس الاتجاه. ولكن في الدوران الزجاجي؛ تريد بعض أزواج الدورات أن تشير في نفس الاتجاه وأخرى تريد أن تشير في الاتجاه المعاكس وتسمى هذه الظاهرة ب «الإحباط – frustration ».

آثار الإحباط كثيرة ومتنوعة في كل من الزجاج المغزلي والمواد الحبيبية والتي تعد أمثلة على الأنظمة المحبطة. حيث يجب على مختلف المكونات أن ترتب نفسها بطريقة تكون بمثابة حل وسط بين القوى المضادة. السؤال هو كيف يتصرفون وما هي النتائج؟ باريسي كان الخبير اللازم للإجابة على هذه الأسئلة للعديد من المواد والظواهر المختلفة. كانت اكتشافاته الأساسية حول بنية النظارات الدوارة عميقة جدًا لدرجة أنها لم تؤثر على الفيزياء فحسب. أثرت اكتشافات باريزي أيضًا على الرياضيات وعلم الأحياء وعلم الأعصاب والتعلم الآلي. فهذه المجالات كلها تتضمن مشكلات مرتبطة بشكل مباشر بالإحباط.

درس باريزي أيضًا العديد من الظواهر الأخرى التي تلعب فيها العمليات العشوائية دورًا حاسمًا في كيفية إنشاء الهياكل وكيفية تطورها. كما تعامل مع أسئلة مثل: لماذا تتكرر العصور الجليدية بشكل دوري؟ هل يوجد وصف رياضي أكثر عمومية للفوضى والأنظمة المضطربة؟ أو – كيف تنشأ الأنماط عند تزقزق آلاف الطيور؟ قد يبدو هذا السؤال بعيدًا عن الدوران الزجاجي. ومع ذلك، قال باريزي إن معظم أبحاثه قد تناولت كيفية تحول السلوكيات البسيطة إلى سلوكيات جماعية معقدة، وهذا ينطبق على كل من الزجاج الدوار والطيور.

“تُظهر الاكتشافات التي تم الاعتراف بها هذا العام أن معرفتنا بالمناخ تستند إلى أساس علمي متين، قائم على تحليل دقيق للملاحظات. ولقد ساهم جميع الحائزين على جائزة هذا العام في اكتساب رؤية أعمق لخصائص وتطور الأنظمة الفيزيائية المعقدة”

Thors Hans Hansson ، رئيس لجنة نوبل للفيزياء 2021

المصدر

[1] noble Prize website

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


غير مصنف فيزياء جوائز

User Avatar

Mohamed Yasser


عدد مقالات الكاتب : 8
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : Abdalla Taha

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق