أحياء

هل النعامة تدفن رأسها في الرمال فعلا؟

لعدة قرون، اعتقد الناس أن النعام، عندما يواجه الخطر، يدفن رأسه في الرمال للاختباء. وقد أدت هذه الفكرة إلى العبارة الشائعة “ادفن رأسك في الرمال” لوصف الحالة التي يرفض فيها شخص ما مواجهة مشاكله وجهاً لوجه. إلا أن هذه الأسطورة قد تم دحضها، ولا تدفن النعام رؤوسها في الرمال. إذًا، ماذا يفعلون حقًا عندما يواجهون الخطر؟ وكيف نشأت أسطورة دفن رأس النعام؟

يعيش النعام في أفريقيا في مجموعة متنوعة من الموائل، بما في ذلك المراعي والسافانا والصحاري. وهي أكبر الطيور في العالم، إذ يصل وزنها إلى 130 كيلوجرامًا، ويمكن أن يصل طولها إلى 2.7 متر، وفقًا لحديقة حيوان سان دييغو. ومع ذلك، فإن رؤوسها صغيرة نسبيًا، ولديها بعض السلوكيات التي قد تبدو من مسافة بعيدة وكأنها تدفن رؤوسها.

دفن رأس النعام

أصول الأسطورة

يمكن إرجاع أحد أقدم الأوصاف المسجلة لسلوك النعامة إلى عالم الطبيعة الروماني بلينيوس الأكبر (Pliny the Elder). في عمله الضخم “التاريخ الطبيعي”، يصف بلينيوس الأكبر النعام بأن لديه عادة غريبة تتمثل في إخفاء رؤوسهم في الشجيرات لتبدو غير مرئية.

وفي العصور الوسطى، تم تكريس هذه الأسطورة من خلال الأدب والفن. حيث أصبحت الرسوم التوضيحية للنعام ورؤوسها مدفونة في الرمال فكرة شائعة ترمز إلى الجبن وتجنب الخطر.

حفر الحفر والبحث عن الطعام

النعام حفار ماهر، يستخدم أرجله القوية لحفر حفر ضحلة في الرمال أو التراب. لكنها لا تدفن رؤوسها، بل تخلق في الواقع مساحة آمنة لوضع بيضها. ثم يتناوب كلا الوالدين في تقليب البيض عدة مرات يوميًا لإبقائهم دافئين. وقد يبدو هذا السلوك من بعيد وكأنهم يدفنون رؤوسهم.

كما أن النعام يقضي معظم وقته ورؤوسه قريبة من الأرض بحثًا عن وجبته التالية. حيث يتكون نظامهم الغذائي من الأعشاب والحيوانات الصغيرة والحشرات، التي يجدونها عن طريق النقر على الأرض بمناقيرهم القوية. تساعدهم حاسة الشم القوية والرؤية الاستثنائية على اكتشاف الطعام. في الواقع، تبحث النعام دائمًا عن وجبتها التالية، ولا تحاول الاختباء من الحيوانات المفترسة.

Related Post

الهروب من الحيوانات المفترسة وحماية الفرخ

عندما تشعر النعامة بالخطر، فإنها لا تدفن رأسها في الرمال؛ وبدلاً من ذلك، فهي تعتمد على سرعتها وخفة حركتها المذهلة للهروب من الحيوانات المفترسة. وباعتبارها أسرع الطيور في العالم، يمكن أن تصل سرعة النعام إلى 70 كيلومترًا في الساعة، مما يجعلها خصمًا هائلاً للعديد من الحيوانات المفترسة.

لكن النعامة ليست سريعة فحسب؛ إنهم أيضًا يقظون بشكل لا يصدق. بفضل حاسة البصر والسمع القوية لديهم، يمكنهم اكتشاف التهديدات المحتملة من مسافة بعيدة، مما يمنحهم الوقت الكافي للرد. عند التهديد، غالبًا ما تستلقي النعام بشكل مسطح على الأرض، وتمتد أعناقها الطويلة لتندمج مع التضاريس المحيطة. يسمح لهم هذا التكتيك الذكي بالبقاء مخفيين عن الحيوانات المفترسة، مما يوفر لهم الوقت للهروب أو الدفاع عن أنفسهم إذا لزم الأمر.

وبالإضافة إلى سرعتها وخفة حركتها المذهلة، تمتلك النعام خدعة أخرى، وهي الأرجل القوية. بركلة واحدة، يمكن للنعامة أن توجه ضربة مدمرة، قوية بما يكفي لقتل أسد أو حيوان مفترس كبير آخر. تعتبر آلية الدفاع القوية هذه ضرورية لحماية صغارها، حيث أن النعام آباء مخلصون بشدة.

كما لوحظ أن النعام البالغ يستخدم أجنحته لتكوين سحابة من الغبار، مما يصرف انتباه الحيوانات المفترسة بعيدًا عن فراخه الضعيفة. هذه الإستراتيجية الذكية لا تربك الحيوانات المفترسة فحسب، بل توفر أيضًا فرصة للفرخ الصغير للهروب إلى بر الأمان.

دحض الأسطورة

من خلال دحض هذه الأسطورة، فإننا لا نضع الأمور في نصابها الصحيح بشأن النعام فحسب، بل نسلط الضوء أيضًا على أهمية التفكير النقدي والبحث العلمي. يعد هذا الاكتشاف بمثابة تذكير قوي بأنه حتى أكثر الأساطير التي تبدو تافهة يمكن أن يكون لها تأثير عميق على فهمنا للعالم الطبيعي.

وفي نهاية المطاف، فإن هذه الحقيقة هي شهادة على قوة الفضول العلمي وأهمية تحدي المعرفة الراسخة. وبينما نواصل الكشف عن أسرار العالم الطبيعي، يتم تذكيرنا أنه حتى المخلوقات غير المتوقعة يمكن أن تحمل مفتاح الاكتشافات والابتكارات الرائدة التي يمكن أن تشكل عالمنا.

المصدر

Do ostriches really bury their heads in the sand? | live science

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

حراب الجينوم مقابل “أصنام” نظام الطيبات: هل نأكل وفق “كود” الخالق أم أهواء البشر؟

بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…

32 دقيقة ago

وداعاً لرائد عصر الجينوم.. كريج فينتر ملك الجينات الأسطورة التي غيرت المناهج الدراسية والخرائط الجينية للأبد

من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…

5 أيام ago

التحريف العلمي ومقامرة “الطيبات”: خريطة طريق للتواصل العلمي الرصين في مواجهة زيف الخرافة

بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…

6 أيام ago

ثورة التحرير الجيني في مصر: تعزيز القدرات الوطنية من أجل أمن غذائي مستدام

إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…

أسبوعين ago

“كتاب الحياة”: العلم يثبت الاستمرارية البيولوجية للأمة المصرية في ملتقى أكاديمية البحث العلمي

في تظاهرة علمية وثقافية رفيعة المستوى، شهدت أروقة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا حلقة نقاشية استثنائية،…

أسبوعين ago

التحريف العلمي ومقامرة “الطيبات”: خريطة طريق للتواصل العلمي الرصين في مواجهة زيف الخرافة

بقلم: د. طارق قابيل في عتمة الجهل، تلمع أنوار زائفة يظنها العطشى للحقيقة شموساً، وما…

أسبوعين ago