أكاديمية البحث العلمي

مقبرة القروش المفقودة تحت صحراء مصر

أسنان متحجرة تعيد رسم ملامح بحر تيثس القديم في أبو طرطور

د. طارق قابيل

في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تبدو الأرض اليوم جافة وقاسية إلى حد يوحي بأنها لم تعرف الماء إلا نادراً، تختبئ تحت الصخور قصة مختلفة تماماً؛ قصة بحر قديم كانت أمواجه ذات يوم تضرب سواحل شمال إفريقيا، وتتحرك في مياهه أسماك وقروش وزواحف بحرية تنتمي إلى عالم انقرض منذ ملايين السنين. وما يبدو للعين المعاصرة هضبة صحراوية جرداء في منطقة أبو طرطور بمحافظة الوادي الجديد، كان خلال أواخر العصر الطباشيري جزءاً من بيئة بحرية دافئة وغنية بالحياة في جنوب بحر تيثس القديم. واليوم لا نحتاج إلى آلة زمن لاستعادة ذلك المشهد؛ فقد تكفلت طبقات الفوسفات بحفظ بعض آثاره في صورة أسنان صغيرة صمدت أمام ملايين السنين، لتمنح العلماء فرصة نادرة لإعادة بناء جانب من ذلك النظام البيئي الغابر.

هذا ما تكشفه دراسة علمية حديثة نشرها فريق من الباحثين بقيادة عالم الحفريات بجامعة القاهرة الدكتور طارق ياسين، بمشاركة جورج د. كاريلو-بريسينيو ورينيه كيندليمان والحسين إبراهيم ومحمد كمال عبد الجواد، في دورية Cretaceous Research في أغسطس 2026. وتصف الدراسة تجمعاً جديداً من أسنان القروش اللامنية المنقرضة من تكوين الضوي في قطاع المغربي–الليفية من هضبة أبو طرطور. وقد أمكن التعرف إلى خمسة أنواع من القروش من خلال 14 سناً معزولة، يمثل بعضها سجلات جديدة لمصر، بينما قد يمثل أحدها أول تسجيل معروف في إفريقيا، مع بقاء هذا التحديد الأخير مصحوباً بالتحفظ العلمي الذي وضعه الباحثون أنفسهم نظراً إلى الحاجة إلى عينات إضافية ومراجعات تصنيفية مستقبلية.

والأهم من عدد الأسنان أو أسماء الأنواع أن هذا الاكتشاف يضيف قطعة جديدة إلى صورة أكبر بدأت تتشكل خلال السنوات الأخيرة عن البيئة البحرية التي غطت أجزاء من مصر خلال العصر الطباشيري المتأخر. فالحفريات البحرية التي عُثر عليها في الصحراء الغربية لا تعني ببساطة أن «الصحراء كانت بحراً» في لحظة واحدة من تاريخها، وإنما تكشف عن تغيرات جيولوجية وارتفاعات وانخفاضات في مستوى سطح البحر وتبدلات في البيئات الرسوبية، جعلت مناطق واسعة من شمال إفريقيا تقع في نطاق البحار الجنوبية لبحر تيثس. ومن هنا تصبح كل حفرية محفوظة في صخور أبو طرطور أشبه بصفحة من سجل طويل يروي كيف تغيرت الجغرافيا والمناخ والحياة على سطح الأرض.

أبو طرطور.. حين كانت الصحراء جزءاً من عالم بحري

يقع أبو طرطور بين واحتَي الداخلة والخارجة، ويشتهر في العصر الحديث باحتياطياته المهمة من الفوسفات. إلا أن القيمة العلمية لهذه المنطقة تتجاوز كثيراً أهميتها الاقتصادية، لأن طبقات تكوين الضوي تحفظ سجلاً غنياً من الصخور والحفريات البحرية التي تكونت خلال العصر الطباشيري المتأخر. وتوضح الدراسة الجديدة أن الأسنان التي جرى تحليلها جاءت من طبقات الفوسفات في قطاع المغربي–الليفية، وأن هذه الطبقات تنتمي إلى تكوين الضوي، الذي يمثل جزءاً من السجل البحري للمنطقة خلال مرحلة الكامباني من العصر الطباشيري المتأخر. كما تشير التحليلات الطباقية السابقة إلى أن الطبقة الطينية السوداء التي تعلو طبقة الفوسفات التي جاءت منها الحفريات تعود إلى الكامباني المتأخر.

كان العالم في ذلك الوقت مختلفاً جذرياً عن صورته الحالية. فقد كانت القارات لا تزال تعيد ترتيب مواقعها بعد تفكك غوندوانا، وكانت مستويات سطح البحر أعلى مما هي عليه اليوم، بينما سادت ظروف مناخية دافئة ارتبطت بما يعرف بعالم «الدفيئة» الطباشيري. وفي هذا السياق غمرت البحار أجزاء من شمال إفريقيا، وأصبحت المنطقة التي نعرفها اليوم باسم الصحراء الغربية جزءاً من الهامش الجنوبي لبحر تيثس. لكن وصفها بأنها كانت «محيطاً مفتوحاً» بالمعنى الحديث قد يكون تبسيطاً مفرطاً؛ فالسجل الجيولوجي لتكوين الضوي يشير إلى بيئات بحرية ضحلة إلى رفوف بحرية غنية بالرواسب الفوسفاتية، تأثرت بالتغيرات في مستوى سطح البحر والترسيب وإعادة نقل المواد العضوية والهيكلية.

وهنا تكمن أهمية الفوسفات نفسه. فطبقات الفوسفات ليست مجرد خام معدني تكون مصادفة في مكان ما، وإنما تمثل نتاجاً معقداً لتفاعل العمليات البحرية والرسوبية والبيولوجية على مدى فترات جيولوجية طويلة. وقد أظهرت دراسات سابقة أن كثيراً من المكونات الفوسفاتية في تكوين الضوي ارتبطت بمواد فوسفاتية أعيد ترسيبها، وبقايا حيوية مثل الأسنان والعظام، في بيئة بحرية عالية الإنتاجية. كما دعمت دراسات أحدث وجود دور لعمليات الصعود المائي المرتبطة بالدورة البحرية والظروف التكتونية في جنوب تيثس، وهو ما يجعل البيئة القديمة لأبو طرطور جزءاً من نظام بحري أكثر تعقيداً من مجرد «بحر دافئ مليء بالقروش».

ومن اللافت أن الاكتشاف الجديد لا يستند إلى هيكل عظمي كامل لقرش من تلك العصور، وإنما إلى الأسنان. وهذه ليست مصادفة، فالقروش من الأسماك الغضروفية، ولذلك فإن الهيكل الداخلي الغضروفي أقل قابلية للتحجر والحفظ من الهياكل العظمية الصلبة. أما الأسنان فتتكون من مواد معدنية أكثر مقاومة للتحلل، كما أن القروش تستبدل أسنانها بصورة مستمرة طوال حياتها، ولذلك تترك وراءها سجلاً أحفورياً غنياً حتى عندما يختفي معظم الجسم. ولهذا أصبحت أسنان القروش واحدة من أهم الأدلة التي يعتمد عليها علماء الحفريات في التعرف إلى التنوع القديم لهذه المجموعة وفهم انتشارها الجغرافي والبيئي.

أربعة عشر سناً تفتح نافذة على مجتمع من القروش

جمع الباحثون 14 سناً معزولة من طبقات الفوسفات في قطاع المغربي–الليفية، ثم درسوا شكلها وأبعادها وخصائصها التشريحية وقارنوها بالأنماط المعروفة في السجل الأحفوري. وأظهرت النتائج وجود خمسة أنواع من القروش اللامنية المنقرضة، هي Cretalamna cf. C. maroccana، وScapanorhynchus cf. S. raphiodon، وSerratolamna cf. S. serrata، وSqualicorax bassanii، وSqualicorax pristodontus. وتكمن أهمية الدراسة في أن الأنواع الخمسة تسجل لأول مرة من منطقة أبو طرطور ضمن هذه الدراسة، بينما يمثل Serratolamna cf. S. serrata وSqualicorax bassanii أول تسجيل لهما في مصر، وفق ما خلص إليه الباحثون.

أما أكثر النتائج إثارة للاهتمام فيتعلق بـ Scapanorhynchus cf. S. raphiodon. فقد رأى الباحثون أن العينة قد تمثل أول سجل معروف لهذا النوع في إفريقيا، كما قد تكون أصغر وأحدث عينة معروفة زمنياً له، إلا أن الدراسة تتعمد عدم تحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة نهائية؛ إذ تشير صراحة إلى أن مزيداً من العينات والمراجعات التصنيفية سيكون ضرورياً للوصول إلى تعيين أكثر ثقة. وهذه اللغة الحذرة ليست تفصيلاً شكلياً، بل تمثل جوهر المنهج العلمي في علم الحفريات، حيث يمكن لسن واحدة أن توسع النطاق الجغرافي المعروف لنوع ما، لكنها لا تكفي دائماً لحسم جميع الأسئلة المتعلقة بتصنيفه وتاريخه التطوري.

وتكتسب بقية الأنواع أهميتها من تنوع أشكال الأسنان نفسها. فأسنان Cretalamna ذات البنية المثلثة والحواف القاطعة تختلف عن الأسنان الدقيقة والطويلة المرتبطة بـ Scapanorhynchus، بينما تتميز أسنان Serratolamna وSqualicorax بأنماط مختلفة من التسنين والشكل. وهذه الاختلافات لا تسمح وحدها بإعادة بناء «قائمة طعام» دقيقة لكل نوع، لكنها تقدم مؤشرات مهمة على اختلاف الوظائف الغذائية والاستراتيجيات البيئية. ومن ثم يمكن للباحثين استخدام مورفولوجيا الأسنان، إلى جانب موقع الحفريات والسياق الرسوبي والمقارنة مع السجلات الأحفورية الأخرى، لفهم الكيفية التي تقاسمت بها هذه القروش البيئة البحرية.

وهنا تظهر فكرة «تقسيم الحيز البيئي» التي ينبغي التعامل معها باعتبارها تفسيراً إيكولوجياً مدعوماً بالقرائن، لا باعتبارها مشهداً شوهد مباشرة. فاختلاف شكل الأسنان بين القروش يشير إلى وجود اختلاف في أنماط التغذية والفرائس المحتملة، وهو ما يمكن أن يساعد على تقليل المنافسة المباشرة بين الأنواع المتعايشة. لكن السجل الأحفوري لا يخبرنا بصورة مباشرة عن كل سلوك كان يقوم به كل قرش، ولذلك فإن إعادة بناء الشبكة الغذائية يجب أن تظل مرتبطة بدرجة قوة الأدلة المتاحة، لا أن تتحول إلى قصة مكتملة التفاصيل لا تسمح بها الحفريات.

كما أن تجمع الأسنان نفسه لا ينبغي أن يُقرأ بالضرورة باعتباره «مقبرة» نشأت في حادثة موت جماعي واحدة. فالدراسة تشير إلى الطبيعة الفوسفاتية للترسب وإلى أن هذا النوع من الرواسب يمكن أن يمثل مقطعاً زمنياً مكثفاً تتراكم فيه بقايا الكائنات خلال فترات طويلة نسبياً من انخفاض معدلات الترسيب وارتفاع المدخلات الحيوية. وهذا يعني أن الأسنان التي عثر عليها الباحثون قد تمثل حصيلة زمنية تجمع بقايا كائنات من بيئات أو فترات مختلفة، وليس بالضرورة مجتمعاً واحداً عاش ومات في المكان نفسه وفي اللحظة نفسها. وقد لفتت التغطيات العلمية التي تناولت الدراسة إلى هذه النقطة باعتبارها أحد أهم أسباب الحذر عند تفسير التجمع الأحفوري.

من بحر تيثس إلى الفوسفات.. كيف ازدهرت الحياة؟

Related Post

إذا كانت أبو طرطور قد احتضنت مجتمعاً متنوعاً من القروش خلال الكامباني المتأخر، فمن أين جاءت الطاقة التي دعمت هذا التنوع البحري؟ هنا تقودنا الصخور نفسها إلى مفهوم مهم في علم المحيطات القديمة، هو الإنتاجية البحرية المرتفعة المرتبطة بتوافر المغذيات. وتدعم دراسات جيولوجية وجيوكيميائية مستقلة فكرة أن مناطق من جنوب تيثس خلال العصر الطباشيري شهدت ظروفاً ساعدت على زيادة الإنتاجية البحرية، وأن عمليات الصعود المائي كانت من العوامل المؤثرة في تكوين الفوسفات وتراكم المادة العضوية في أجزاء من هذا الحزام البحري.

والصعود المائي هو حركة تصعد فيها المياه الأعمق إلى مستويات أقرب إلى السطح، حاملة معها عناصر غذائية يمكن أن تحفز نمو العوالق النباتية. وعندما ترتفع الإنتاجية في قاعدة السلسلة الغذائية، تتوافر كميات أكبر من الغذاء للأسماك واللافقاريات، ومن ثم للحيوانات المفترسة التي تقع في مستويات أعلى من الشبكة الغذائية. وفي حالة أبو طرطور، يمكن أن يساعد هذا النموذج في تفسير لماذا ارتبطت الرواسب الفوسفاتية بسجل غني من البقايا البحرية، ولماذا تبدو المنطقة جزءاً من نظام بحري عالي الإنتاجية.

لكن من المهم هنا الفصل بين ما تثبته دراسة القروش نفسها وما تدعمه الدراسات الجيولوجية الأوسع. فالبحث الجديد يصف التجمع الأحفوري باعتباره مؤشراً على تنوع القروش في بيئة بحرية استوائية غنية بالمغذيات، ويصف الرواسب الفوسفاتية باعتبارها سجلاً مكثفاً يدمج بقايا من حيزات بيئية متعددة. أما تفسير كل تفاصيل الإنتاجية البحرية ومسارات المغذيات والصعود المائي فيحتاج إلى الاستناد إلى مجموعة أوسع من الأدلة الرسوبية والجيوكيميائية، وهو ما توفره دراسات أخرى على تكوين الضوي ومنطقة أبو طرطور.

وهذه الصورة أكثر إثارة علمياً من فكرة «بحر مليء بالقروش» وحدها؛ لأنها تربط بين الجيولوجيا وعلم المناخ القديم وعلم الأحياء القديمة. فالرواسب الفوسفاتية تحفظ بقايا الكائنات، لكنها في الوقت نفسه تسجل تغيرات في مستوى البحر وطبيعة الترسيب والإنتاجية البحرية. والأسنان التي تبدو صغيرة ومعزولة عن أي سياق للوهلة الأولى تصبح، عند وضعها داخل طبقتها الجيولوجية الصحيحة، مؤشرات على عالم كامل كان يعمل وفق قوانين بيئية مختلفة عن عالمنا الحالي.

اكتشاف جديد في سجل بدأ يتسع

لا يأتي اكتشاف 2026 من فراغ، بل يمثل حلقة جديدة في سلسلة من الأبحاث التي أخذت تعيد رسم تاريخ القروش في أبو طرطور ومناطق أخرى من مصر. ففي دراسة سابقة نشرها الفريق نفسه، جرى تسجيل قروش من رتبة اللمناويات في أواخر العصر الطباشيري بمنطقة أبو طرطور، ومن بينها Scapanorhynchus cf. S. rapax وCretoxyrhina cf. C. mantelli. وتوضح الدراسة الجديدة أن السجل المحلي أصبح أكثر تنوعاً مع إضافة الأنواع الخمسة التي جرى وصفها في البحث الحالي.

كما أن الاكتشاف يندرج ضمن توسع واضح في أعمال البحث عن الفقاريات البحرية والبرية في الصحراء الغربية المصرية. فقد كشفت السنوات الأخيرة عن حفريات لأسماك وزواحف بحرية وسلاحف وغيرها من الفقاريات في رواسب العصر الطباشيري، بما يؤكد أن منطقة الواحات والصحراء الغربية تمثل مختبراً طبيعياً بالغ الأهمية لدراسة تاريخ الحياة في شمال إفريقيا. ويمنح تراكم هذه الاكتشافات العلماء فرصة للانتقال من دراسة حفرية منفردة إلى إعادة بناء مجتمعات كاملة وبيئاتها وعلاقاتها الزمنية والمكانية.

ومن هذه الزاوية، يمثل العمل الجديد أيضاً مثالاً مهماً على تطور البحث المصري في علم الحفريات الفقارية. فالدراسة يقودها باحثون مرتبطون بجامعة القاهرة، وتحفظ العينات في مختبر الحفريات الفقرية بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم، كما تشير الدراسة إلى الدعم اللوجستي الذي قدمته الجامعة والمساعدة التي قدمتها شركة مصر للفوسفات في أعمال البحث داخل منجم أبو طرطور.

إن أهمية هذا الجانب لا تكمن في جنسية الباحثين بقدر ما تكمن في امتلاك المؤسسات العلمية المحلية القدرة على العمل الميداني والوصف التصنيفي وربط العينات بالسجل الجيولوجي المحلي ثم نشر النتائج في دورية دولية متخصصة. فالحفريات الموجودة في الصحراء المصرية ليست مجرد مادة خام لبعثات علمية عابرة، وإنما جزء من تراث علمي وجيولوجي يمكن للباحثين المصريين أن يقودوا دراسته بأنفسهم، وأن يحولوه إلى معرفة منشورة وقابلة للمراجعة والاستفادة منها عالمياً.

ما الذي تخبرنا به سن صغيرة عن تاريخ الأرض؟

ربما تكون أكثر الرسائل إثارة في هذا الاكتشاف أن قطعة صغيرة جداً يمكن أن تحمل معلومات ضخمة عن تاريخ كوكب كامل. فالسن الأحفورية لا تخبرنا فقط بأن قرشاً عاش هنا قبل ملايين السنين، بل يمكن من شكلها وموقعها وارتباطها بالطبقة الصخرية أن تساعد على تحديد نوع الحيوان، وفهم بعض خصائصه الوظيفية، وتتبع انتشاره الجغرافي، وربطه بسياق بحري ومناخي أوسع. وعندما تتجمع هذه المعلومات مع دراسات الصخور والحفريات الأخرى، يصبح ممكناً إعادة بناء أجزاء من النظام البيئي الذي لم يبق منه اليوم سوى طبقات صامتة تحت الرمال.

وتعيدنا قصة أبو طرطور أيضاً إلى حقيقة جيولوجية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: سطح الأرض ليس ثابتاً. فالمكان الذي نراه اليوم صحراء يمكن أن يكون في سجل زمني آخر قاعاً بحرياً أو سهلاً ساحلياً أو بيئة مختلفة تماماً. ولا يعني ذلك أن الأرض «تتغير بلا نظام»، بل إن التغير الجيولوجي نفسه تحكمه عمليات يمكن للعلم أن يدرسها من خلال الصخور والحفريات والتتابعات الطباقية.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لاكتشاف قروش أبو طرطور لا تكمن في غرابة العثور على أسنان بحرية في صحراء فحسب، ولا في إطلاق تعبير «مقبرة القروش» الجذاب صحفياً، وإنما في أنه يضيف دليلاً جديداً إلى السجل المتنامي لتاريخ الحياة والبيئات البحرية في جنوب تيثس خلال العصر الطباشيري المتأخر. ويكشف في الوقت نفسه أن الطبقات الفوسفاتية التي ينظر إليها اليوم باعتبارها ثروة معدنية يمكن أن تكون، بالنسبة إلى عالم الحفريات، أرشيفاً طبيعياً بالغ القيمة.

وفي النهاية، قد يبدو الفارق هائلاً بين صورة أبو طرطور اليوم، بما فيها من صخور جافة وامتدادات صحراوية، والصورة التي يمكن للعلم أن يستعيدها من خلال 14 سناً متحجرة؛ لكن هذا الفارق نفسه هو جوهر علم الحفريات. فالأرض لا تحتفظ بالماضي في صور جاهزة، وإنما تترك شذرات متناثرة منه، وعلى الباحث أن يجمعها بعناية، ويضع كل قطعة في طبقتها وزمنها وسياقها الصحيح. ومن بين تلك الشذرات الصغيرة خرجت قصة خمسة أنواع من القروش المنقرضة، وقصة بحر قديم على هامش تيثس، وقصة بيئة بحرية كانت أكثر تنوعاً وإنتاجية مما يمكن أن يتخيله المرء وهو يقف اليوم فوق صخور الصحراء المصرية.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في الحكاية كلها: أن المكان الذي يبدو اليوم أبعد ما يكون عن البحر، لا يزال يحتفظ، داخل صخوره، بآثار عالم بحري اختفى منذ عشرات الملايين من السنين. وكلما نجح العلم في قراءة هذه الآثار، لم نستعد الماضي فحسب، بل أصبحنا أكثر قدرة على فهم كيف تغيرت الأرض، وكيف استجابت الحياة لهذه التغيرات، وكيف يمكن لسجل جيولوجي صامت أن يتحدث، بعد كل هذا الزمن، بلغة لا تحتاج إلى موج أو ماء كي تُسمع.

Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية والهندسة الوراثية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 5]
طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية والهندسة الوراثية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.

Share
Published by
طارق قابيل

Recent Posts

ماذا يبقى من الإيمان حين لا يجيب أحد؟ قراءة في فيلم (Winter Light)

يفتح إنغمار برغمان فيلمه «ضوء الشتاء» بصلاة طويلة. في البداية كنت أظن أنني أمام مشهد…

يوم واحد ago

هل وجد العلماء أخيرًا «سر خلود الألوان الفرعونية»؟

رسالة اللون الذي عبر آلاف السنين.. من أسرار الفراعنة إلى علم آثار جديد د. طارق…

3 أسابيع ago

من القمامة إلى المائدة.. هل نأكل البلاستيك قريبًا؟

حكاية «ميكروبايتس».. عندما تحوّل التكنولوجيا الحيوية نفايات البلاستيك والمخلفات الزراعية إلى مكونات غذائية د. طارق…

4 أسابيع ago

لغز شفرة الحياة الأولى: دراسة ثورية تفك لغز “لوكا” وتُعيد كتابة تاريخ الخلق

هل نشأت الحياة الخلوية مرتين؟.. شفرة وراثية واحدة ونشأتان للحياة د. طارق قابيل قف معي…

شهر واحد ago

سلاح ذو حدين في أنبوب اختبار: كيف صمم الذكاء الاصطناعي أول فيروسات اصطناعية لمكافحة البكتيريا الخارقة؟

لأول مرة في التاريخ الذكاء الاصطناعي يكتب الشفرة الوراثية الكاملة لـ16 فيروساً اصطناعياً ويثير قلق…

شهر واحد ago

شريحة لحم أم ورقة خس؟ ثورة “الزراعة الجزيئية” تقلب موازين التغذية العالمية

ثورة زراعة بروتين اللحم داخل الخس والتبغ.. هل تصبح النباتات مصانع بروتين لإنقاذ كوكب الأرض؟…

شهر واحد ago