يفتح إنغمار برغمان فيلمه «ضوء الشتاء» بصلاة طويلة. في البداية كنت أظن أنني أمام مشهد يمهد لما سيأتي، ثم بدأت أشعر أن برغمان يريدني أن أبقى هناك قليلا، داخل الزمن نفسه، وأن أرى الطقس لا بوصفه مقدمة للحكاية، وإنما بوصفه سؤالا قائما بذاته. لماذا يستمر كل هذا الوقت؟ ماذا يحدث للكلمات حين تتكرر حتى تفقد قدرتها على الوصول؟ ولماذا يبدو المكان مقدسا فيما لا يصل منه إلينا شيء يشبه الطمأنينة؟
تستمر الصلاة، تتحرك الأجساد، يتقدم المصلون نحو المذبح، ويؤدي القس توماس إريكسون مهمته كما ينبغي. مارتا وكارين بيرسون حاضرتان في خدمة القربان، وتظهر الشخصيات وهي تؤدي الطقس في صورته المعتادة. [1] لكن طول المشهد يجعلني أشعر أن شيئا ما يتراجع تدريجيا. ليست القداسة هي التي تملأ المكان، وإنما ثقل الطقس نفسه. الكلمات موجودة، والحركات موجودة، والطقس مستمر، فيما يتضاءل شيئا فشيئا ذلك المعنى الذي يفترض أن يمنحها الحياة.
محتويات المقال :
لعل هذا ما يجعل حضور مارتا وكارين في المشهد الافتتاحي مهما. فهما تشاركان في الطقس، وتتحرك أجسادهما داخل نظام ديني واضح، لكن الفيلم لا يمنحنا يقينا بأن المشاركة الجسدية تعني بالضرورة اكتمال الإيمان في الداخل. هناك منطقة رمادية بين الاعتقاد والاعتياد، بين أن تؤدي ما تعلمت أداءه وأن تجد في ما تؤديه معنى ما.
هذا التوتر لا يظهر في كلام الشخصيات وحده. برغمان يجعل الجسد نفسه جزءا من اللغة. الوجوه، العيون، التعب، المرض، طريقة الوقوف والجلوس، كلها تقول أشياء لا تستطيع الشخصيات قولها. وفي افتتاحية الفيلم تحديدا، يتأمل برغمان وجوه المصلين وحركتهم نحو المذبح، فيبدو القربان لحظة اقتراب جسدي من المقدس، فيما تبقى المسافة الداخلية بين الإنسان وما يؤمن به مفتوحة على الشك. [2]
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يشغلني في الفيلم: ماذا يحدث للكلمة حين تستمر بعد أن يموت معناها في قائلها؟
توماس قس في كنيسة ريفية سويدية آخذة في الانحسار، وقد صار محاصرا بالشك واليأس وأزمة الإيمان بعد موت زوجته. [3] لا يقدم لنا برغمان شخصا ترك الدين وانتهى أمره. الأمر أكثر قسوة. توماس ما زال داخل المؤسسة التي يفترض أن تمنحه الإجابة، وما زال يؤدي الطقس، ويتكلم باسم الله، ويقف أمام الآخرين في المكان الذي يفترض أن تكون فيه الإجابات. لكن الإيمان الذي كان ينبغي أن يمنح كلماته القوة لم يعد قادرا على ذلك.
يدخل يوناس إلى هذا الفراغ حاملا خوفا يبدو في ظاهره متعلقا بالحرب النووية وبإمكان تدمير العالم، لكنه يتحول بسرعة إلى خوف أعمق من الشر ومن معنى وجود الإنسان في عالم يمكن أن ينتهي بهذه السهولة. [3] وهنا تصبح مأساة يوناس أكثر من مجرد خوف من حدث سياسي أو عسكري. إنه يحتاج إلى شخص يقول له إن العالم ما زال قابلا للمعنى.
لكن توماس لا يستطيع أن يفعل ذلك، وهنا تكمن إحدى أكثر لحظات الفيلم قسوة. الرجل الذي يفترض أن يمنح الآخر معنى يجد نفسه عاجزا عن تقديم شيء لا يملكه. لا يستطيع توماس أن يكذب على يوناس، ولا يستطيع أن يمنحه إيمانا لا يشعر به. وهكذا يتحول اللقاء بينهما إلى مواجهة بين إنسان يريد جوابا وإنسان لم يعد قادرا على تصديق جوابه.
حين ينتظر توماس عودة يوناس بعد مغادرته، لا أشعر أنه ينتظر شخصا آخر فقط. إنه ينتظر عودة شيء منه هو. ينتظر فرصة أخيرة ليثبت أن وظيفته ما زالت ذات معنى، وأن كلماته قادرة على الوصول إلى شخص آخر، وأنه ما زال يستطيع أن ينقذ أحدا. ولهذا تصبح عودة يوناس، ثم موته، ضربة تتجاوز فقدان شخص إلى انهيار آخر طبقات الدور الذي كان توماس يعيش داخله.
ولا أرى أن الفيلم يسمح لنا باختزال انتحار يوناس في سبب واحد، أو أن نحمله لتوماس وحده. ما يفعله الفيلم أكثر تعقيدا. إنه يضعنا أمام شخصين عاجزين عن الوصول إلى بعضهما في اللحظة التي يحتاج فيها أحدهما إلى الآخر أكثر من أي وقت مضى.
وعندما يقول توماس بعد ذلك: أنا حر الآن، لا تبدو الحرية هنا خلاصا. إنها أقرب إلى تحرر مرير من المسؤولية، من الدور الذي كان يربطه بالآخرين، ومن الوهم بأنه قادر على إنقاذهم. كأن فقدان الآخر يخفف العبء، لكنه في الوقت نفسه يتركه وحيدا تماما.
في الجهة الأخرى تقف مارتا، وقد تبدو في القراءة الأولى امرأة تحب رجلا لا يبادلها الحب بالطريقة التي تريدها، لكن وجودها في الفيلم أعمق من ذلك. مارتا تحاول الوصول إلى توماس الإنسان، لا إلى توماس القس. ولذلك تبدو رسالتها واحدة من أهم لحظات الفيلم، لأنها تزيح الستار عن العلاقة التي عجز الحوار المباشر عن كشفها. قراءة الرسالة تمنح مارتا صوتا أكثر وضوحا من صوتها في اللقاءات العادية، وتكشف المسافة الهائلة بين ما تستطيع قوله وما يستطيع توماس احتماله. [2]
حتى مرضها الجلدي، وحضور جسدها، ومحاولتها الاقتراب منه، كلها تجعل الحب في الفيلم شيئا ماديا ومؤلما. ليست مارتا فكرة عن الحب، وإنما جسد يحاول الاقتراب من جسد آخر، وإنسان يحاول الوصول إلى إنسان آخر عبر اللمس والكلمة والرغبة في البقاء معا.
لكن توماس لا يستطيع استقبال هذا الحب. كأن أزمته مع الله قد جعلته عاجزا عن استقبال أي شكل آخر من أشكال العزاء.
وهنا يتسع الفيلم. ما يبدو في البداية أزمة دينية يصبح أزمة في القدرة على التواصل نفسها. لا يستطيع توماس الوصول إلى الله، ولا يستطيع الوصول إلى يوناس، ولا يستطيع استقبال مارتا. والآخرون قريبون منه طوال الوقت، ومع ذلك يظل الوصول إليهم مستحيلا.
العنوان السويدي للفيلم هو Nattvardsgästerna، ويرتبط بمعنى المشاركين في القربان أو المتقدمين إليه، وقد ترجم إلى الإنجليزية Winter Light. [4] لكن دلالة العنوان السويدي تفتح بابا آخر للقراءة، خصوصا أن الفيلم نفسه يجعل الاتصال بالآخرين أحد أسئلته المركزية.
الكنيسة مكان يجتمع فيه الناس حول طقس يفترض أنه يوحدهم. لكن هؤلاء الناس لا يستطيعون الوصول إلى بعضهم. يتكلمون، ويصلون، ويعترفون، ويحبون، ويطلبون النجدة، ومع ذلك تبقى بينهم مسافة لا تستطيع اللغة عبورها.
وقد قرأ الناقد بيتر كاوي الفيلم من هذه الزاوية، مشيرا إلى مفارقة العنوان وإلى انشغال برغمان بفشل البشر في التواصل مع بعضهم. [5]
لذلك لا تبدو كلمة القربان بعيدة تماما عن كلمة الاتصال في تجربة الفيلم. كلاهما يتعلق بالاقتراب من الآخر، لكن الفيلم يسأل عما يحدث حين يصبح الاقتراب ممكنا من الخارج ومستحيلا من الداخل.
لا يأتي صمت الله في الفيلم على هيئة إجابة سلبية واضحة. برغمان لا يقدم لنا برهانا على غياب الله. ما نراه هو إنسان لم يعد قادرا على الوصول إليه. وهذه مسافة مهمة.
توماس لا يعاني من مشكلة فلسفية مجردة حول وجود الله. إنه يعيش تجربة يصبح فيها الله غير قادر على أداء الوظيفة التي كان يؤديها في حياته. لم يعد الإيمان يمنحه الطمأنينة، ولم تعد الصلاة تفتح له طريقا واضحا، ولم تعد كلماته الدينية قادرة على إنقاذ شخص يأتي إليه طالبا معنى.
وهنا يصبح صمت الله شبيها بصمت الإنسان.
اللافت أن ألغوت، قيّم الكنيسة، يتحدث مع توماس عن آلام المسيح وعجز التلاميذ عن فهمه. [1] لا يأتي ألغوت بحل سهل، ولا يمنح توماس إجابة لاهوتية تغلق أزمته. وجوده أشبه بمرآة أخرى للسؤال: ماذا لو كان الألم نفسه جزءا من التجربة الدينية، وماذا لو لم يكن الإيمان وعدا بإزالة الألم؟
ربما لهذا لا يبدو الفيلم منشغلا فقط بسؤال هل الله موجود؟ وإنما بسؤال أكثر إيلاما: ماذا يفعل الإنسان عندما لا يعود قادرا على الشعور بأن الله يصل إليه؟
تجري أحداث الفيلم خلال يوم شتوي قصير، من خدمة إلى خدمة أخرى، فيما تبدو البداية والنهاية كأنهما تعودان إلى النقطة نفسها. [2] لكن العودة ليست تكرارا بسيطا.
في البداية ندخل الكنيسة مع جماعة من المصلين ونشاهد توماس وهو يؤدي مهمته. وفي النهاية تصبح الكنيسة شبه خالية، ويكون توماس مريضا، فيما تصر الخدمة على الاستمرار. [2] الزمن هنا لا يعمل كخلفية للأحداث. إنه يكشف تحولا داخليا حدث من دون أن تتغير البنية الخارجية كثيرا.
الطقس نفسه تقريبا. الكنيسة نفسها. الكلمات نفسها. لكن شيئا ما تغير في الإنسان الذي ينطق بها وفي الإنسان الذي يسمعها.
وهذه إحدى أكثر أفكار الفيلم إثارة بالنسبة لي: ربما لا يتغير العالم حين يتغير الإنسان. الأشياء تظل في أماكنها، والطقوس تستمر، والأجراس تقرع، لكن المعنى الذي كنا نراه فيها قد يتغير تماما.
حتى عنوان الفيلم لا يبدو لي وصفا للموسم فقط.
«ضوء الشتاء» هو ضوء قاس، واضح، يكشف أكثر مما يخفي، لكنه لا يمنح الدفء. وهذا ما تفعله صورة الفيلم كلها. التصوير بالأبيض والأسود، الذي صوره سفين نيكفيست، يمنح الوجوه والأجساد والأماكن حضورا شديد الصرامة. [2] لا توجد مسافة كبيرة بين الكاميرا والوجه، ولذلك يصبح الوجه نفسه سؤالا.
المثير أن برغمان ونيكفيست لم يكونا راضيين عن جمال اللقطات الأولى داخل الكنيسة، وأعادا تصوير بعض المشاهد لأنهما رأيا أن الضوء كان جميلا أكثر مما ينبغي. [2] كأن الفيلم كان يحتاج إلى ضوء أقل إغراء وأكثر قسوة، ضوء لا يجمّل الألم وإنما يكشفه.
لهذا أشعر أن الشتاء في الفيلم ليس رمزا جاهزا لموت الإيمان. إنه حالة كاملة يعيش فيها الإنسان تحت ضوء لا يمنحه وعدا بالخلاص، لكنه يجبره على رؤية الأشياء كما هي.
في المشهد الأخير، تكون الكنيسة شبه خالية. توماس مريض، ومارتا موجودة، ومع ذلك يصر على إقامة الخدمة. وتستمر الكلمات الدينية رغم كل ما حدث. [2]
هنا يصل الفيلم إلى أكثر نقاطه غموضا.
يمكن النظر إلى النهاية بوصفها مفارقة قاسية: رجل فقد يقينه يستمر في أداء الطقس الذي لم يعد قادرا على تفسيره. ويمكن النظر إليها أيضا بوصفها بداية مختلفة للإيمان، إيمانا لا يقوم على امتلاك الإجابة وإنما على الاستمرار في الفعل رغم غيابها.
واللافت أن برغمان نفسه ربط هذه النهاية بذكرى خدمة كنسية حضرها مع والده، حين أصر الأب على إقامة القداس رغم قلة الحاضرين. ومن تلك التجربة استخلص قاعدة ظل يحتفظ بها: مهما حدث للإنسان في حياته، يستمر في أداء القربان. [2]
لكن قيمة النهاية، في رأيي، تكمن في أنها لا تجبرنا على اختيار تفسير واحد.
ربما لا يعرف توماس نفسه ماذا يفعل. وربما لا يحتاج الفعل إلى أن يكون مصحوبا باليقين حتى يكون له معنى. هنا يصبح الاستمرار نفسه سؤالا فلسفيا: هل يمكن للإنسان أن يفعل ما يؤمن بأنه ينبغي فعله، حتى عندما يعجز عن الشعور بالإيمان الذي يفترض أن يمنحه القوة؟
يبدأ الفيلم بسؤال عن الله، لكنه ينتهي عند الإنسان، الله صامت، وتوماس لا يصل إلى الله. يوناس لا يصل إلى توماس، و مارتا لا تصل إلى توماس كما تريد. والكلمات، رغم كثرتها تفشل مرارا في عبور المسافة بين شخص وآخر.
لذلك لا تكمن المأساة في عدم وجود الآخرين، بل في وجودهم دون القدرة على الوصول إليهم.
وهذا ما يجعل «ضوء الشتاء» بالنسبة لي أكثر من فيلم عن أزمة رجل دين. إنه فيلم عن هشاشة كل الطرق التي نستخدمها للوصول إلى المعنى: الدين، الحب، اللغة، الآخر، وحتى الدور الذي نمنحه لأنفسنا داخل العالم.
ربما لهذا لم أشعر أن السؤال الحقيقي في الفيلم هو هل يؤمن توماس أم لا. السؤال أكثر قسوة: ماذا يبقى من الإنسان حين تفشل الأشياء التي كان يستند إليها في الوصول إلى شيء آخر؟
في النهاية لا يقدم برغمان إجابة مريحة. لا يعيد الله إلى مكانه، ولا يمنح الحب انتصاره، ولا يجعل الكلمات قادرة فجأة على إنقاذ أحد. يترك الإنسان في المسافة نفسها، ثم يطلب منه أن يرى.
وهنا تكمن قوة الفيلم. ليس في أنه يحل أزمة الإيمان، وإنما في أنه يمنح الشك شكله الكامل، ويترك الإنسان واقفا في المسافة بين الإيمان والغياب، بين الرغبة في الوصول واستحالة الوصول.
ربما يكون هذا هو معنى ضوء الشتاء كله. ضوء لا يبدد العتمة، ولا يعدنا بأن ما نراه سيقودنا إلى الخلاص، لكنه يجعلنا نرى أكثر.
[1] أرشيف إنغمار برغمان الرسمي – Winter Light.
[2] أرشيف إنغمار برغمان الرسمي – Winter Light، ويتضمن معلومات عن الفيلم، الشخصيات، النهاية، التصوير، والإنتاج.
[3] أرشيف إنغمار برغمان الرسمي – Winter Light، حول توماس وأزمته الدينية ويوناس ومارتا.
[4] أرشيف إنغمار برغمان الرسمي – Nattvardsgästerna / Winter Light.
[5] Peter Cowie, “Winter Light,” The Criterion Collection.
رسالة اللون الذي عبر آلاف السنين.. من أسرار الفراعنة إلى علم آثار جديد د. طارق…
أسنان متحجرة تعيد رسم ملامح بحر تيثس القديم في أبو طرطور د. طارق قابيل في…
حكاية «ميكروبايتس».. عندما تحوّل التكنولوجيا الحيوية نفايات البلاستيك والمخلفات الزراعية إلى مكونات غذائية د. طارق…
هل نشأت الحياة الخلوية مرتين؟.. شفرة وراثية واحدة ونشأتان للحياة د. طارق قابيل قف معي…
لأول مرة في التاريخ الذكاء الاصطناعي يكتب الشفرة الوراثية الكاملة لـ16 فيروساً اصطناعياً ويثير قلق…
ثورة زراعة بروتين اللحم داخل الخس والتبغ.. هل تصبح النباتات مصانع بروتين لإنقاذ كوكب الأرض؟…