
حكاية «ميكروبايتس».. عندما تحوّل التكنولوجيا الحيوية نفايات البلاستيك والمخلفات الزراعية إلى مكونات غذائية
د. طارق قابيل
تخيل أنك تفتح علبة صغيرة من الطعام، فتجد بداخلها كعكة ذهبية صغيرة تفوح منها رائحة الفانيليا، ثم تكتشف أن جزءًا من الكربون الذي ساهم في تكوينها كان يومًا داخل زجاجة مياه بلاستيكية ألقيت في سلة المهملات. قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى مشهد من فيلم عن المستقبل، أو إلى واحدة من أفكار الخيال العلمي التي لم يحن وقتها بعد، لكنها أصبحت اليوم موضوعًا لبحث علمي حقيقي قدمه فريق من جامعة جنوب إلينوي كاربونديل في اجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية «ACS Fall 2026» الذي انعقد في شيكاغو خلال الفترة من 23 إلى 27 أغسطس الجاري. المشروع يحمل اسم «µBites»، وتقوم فكرته على استخدام الكائنات الدقيقة المهندسة لتحويل مركبات مشتقة من البلاستيك والمخلفات الزراعية إلى مكونات غذائية، ثم تشكيلها في صورة كعكات صغيرة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
لكن قبل أن ننجرف وراء العنوان المثير ونقول إن العلماء أصبحوا «يطعمون البشر البلاستيك»، علينا أن نتوقف عند الحقيقة العلمية. ما يحدث في هذا المشروع ليس طحن زجاجة بلاستيكية ووضعها في عجينة ثم خبزها، وإنما سلسلة معقدة من العمليات الكيميائية والحيوية يجري خلالها تفكيك المادة البلاستيكية إلى مركبات أصغر، ثم استخدام الكائنات الدقيقة بوصفها مصانع حيوية لإعادة بناء هذه المركبات في صورة جزيئات ومكونات جديدة يمكن أن تدخل في تركيب الغذاء. ولذلك فإن القصة الحقيقية ليست «كعكة مصنوعة من البلاستيك» بقدر ما هي محاولة جريئة لاستعادة الكربون الموجود في النفايات وإعادته إلى دورة إنتاجية جديدة.
مشكلة متفاقمة
تأتي هذه الفكرة في وقت تواجه فيه البشرية مشكلة متفاقمة في إدارة البلاستيك. فالعالم ينتج نحو 430 مليون طن من البلاستيك سنويًا، ويتحول جزء كبير منه بعد فترة قصيرة إلى نفايات، بينما تتسرب كميات ضخمة إلى البيئة وتؤثر في النظم البيئية وصحة الإنسان والمناخ. ولهذا لم يعد السؤال البيئي مقتصرًا على كيفية التخلص من البلاستيك بعد استخدامه، وإنما أصبح يتجه بصورة متزايدة إلى كيفية إعادة تصميم دورة حياته بالكامل، بدءًا من إنتاجه واستخدامه وحتى إعادة استخدام مواده أو استرداد قيمتها.
من هنا تبدأ قصة «µBites». فقد اختار الباحثون مادة البولي إيثيلين تيرفثالات، المعروفة اختصارًا باسم PET، وهي المادة الشائعة في تصنيع زجاجات المياه والمشروبات وغيرها من العبوات البلاستيكية. وتمثل هذه المادة بالنسبة للباحثين مصدرًا غنيًا بالكربون، وهو العنصر الأساسي الذي تشترك فيه المواد البلاستيكية مع الكائنات الحية والغذاء.
وكما يوضح لاهيرو جاياكودي، الأستاذ المشارك في جامعة جنوب إلينوي، فإن الفكرة انطلقت من سؤال بسيط لكنه عميق: إذا كان البلاستيك والغذاء يحتويان على الكربون، فلماذا لا نحاول استعادة الكربون الموجود في البلاستيك وتحويله إلى غذاء ذي قيمة أعلى؟
«المصانع الخلوية»
لتحقيق ذلك، يستخدم الفريق عملية أطلق عليها اسم «التحلل المائي التأكسدي الحراري»، أو Oxidative Hydrothermal Dissolution، وهي تقنية تعتمد على الماء والأكسجين تحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة لتفكيك المواد الصعبة، ومنها البلاستيك وبعض المخلفات النباتية، وتحويلها إلى مركبات أصغر وأكثر قابلية للوصول إليها من جانب الكائنات الدقيقة. وبذلك تصبح المادة التي كانت في البداية بوليمرًا معقدًا وغير صالح للاستخدام الحيوي المباشر، مصدرًا لمركبات يمكن أن تدخل في عملية التخمير الحيوي.
وهنا تظهر الخميرة، ذلك الكائن المجهري الذي يعرفه الإنسان منذ آلاف السنين بسبب دوره في صناعة الخبز والمشروبات المخمرة. غير أن الخميرة في المختبر الحديث لم تعد مجرد كائن يستخدم لصناعة الخبز؛ فقد أصبحت واحدة من أهم «المصانع الخلوية» التي يستطيع العلماء إعادة برمجتها وراثيًا لإنتاج جزيئات محددة.
وفي مشروع «µBites»، قام الباحثون بتطوير عدة أنواع من الخمائر، من بينها خميرة الخَبز، بحيث تستطيع استخدام مركبات مشتقة من البلاستيك والمخلفات الزراعية لإنتاج مجموعة من المكونات، تشمل البروتينات والدهون والأحماض ومركبات أخرى يمكن الاستفادة منها في إنتاج الغذاء.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل المشروع أكثر إثارة من مجرد تجربة لإعادة تدوير البلاستيك. فالباحثون لا يحاولون فقط تفكيك النفايات، وإنما يسعون إلى استخدام القدرات الأيضية للكائنات الدقيقة لإعادة بناء المادة. الميكروب هنا يتحول إلى مصنع حيوي صغير، يستقبل مواد خام كانت في الماضي نفايات، ثم يعيد ترتيب ذراتها داخل مسارات أيضية لإنتاج مواد جديدة. إنها فلسفة مختلفة جذريًا عن مفهوم التخلص من المخلفات، لأنها تسعى إلى استعادة قيمتها وتحويلها إلى مورد.
ولم يتوقف الباحثون عند إنتاج البروتين والكتلة الحيوية، إذ حاولوا أيضًا معالجة واحدة من أكثر المشكلات حساسية في أي غذاء جديد، وهي الطعم والرائحة والمظهر. ولهذا طوّر الفريق خميرة قادرة على إنتاج الفانيلين، وهو المركب المسؤول بصورة أساسية عن رائحة ونكهة الفانيليا، باستخدام مركبات موجودة في الكتلة الحيوية النباتية. كما طوّروا سلالة أخرى قادرة على تحويل الإيثيلين جليكول، الناتج من تفكيك PET، إلى بيتا-كاروتين، وهو مركب يستطيع الجسم تحويله إلى فيتامين (أ). وهكذا لم تعد الخميرة مجرد وسيلة لإنتاج البروتين، وإنما أصبحت أداة يمكن توظيفها لإنتاج المكونات التي تجعل الغذاء أكثر قبولًا من الناحية الحسية والتغذوية.
«ميكروبايتس»
بعد ذلك تأتي مرحلة مختلفة تمامًا، وهي مرحلة تصنيع الغذاء نفسه. إذ تُضاف إلى المكونات المنتجة بواسطة الخمائر مواد أخرى مثل الألياف والنشا والمحليات، ثم يجري تشكيل الخليط باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج قطع غذائية صغيرة أطلق عليها الفريق اسم «µBites»، أي «ميكروبايتس». وهنا تتكامل التكنولوجيا الحيوية مع تكنولوجيا التصنيع الرقمي، بحيث لا يكون المصنع مجرد مفاعل حيوي ينتج مادة خام، وإنما منظومة يمكنها في النهاية إنتاج شكل غذائي محدد ومناسب للاستهلاك.
وقد يكون أكثر ما يثير الجدل في هذه القصة هو سؤال السلامة. هل يمكن بالفعل تناول مادة بدأت حياتها كبلاستيك؟ والإجابة العلمية الدقيقة هي أن الباحثين لا يقدمون المنتج باعتباره بلاستيكًا يؤكل، وإنما باعتباره غذاءً نتج بعد سلسلة من عمليات التفكيك وإعادة البناء الحيوي. ومع ذلك، فإن هذا التمييز لا يعني أن جميع الأسئلة الصحية قد أغلقت. فكل غذاء جديد مشتق من مواد غير تقليدية يحتاج إلى اختبارات دقيقة للتأكد من خلوه من الملوثات والمركبات غير المرغوبة، وتحديد قيمته الغذائية، وقابليته للهضم، وسلامته على المدى الطويل، فضلًا عن خضوعه للأطر التنظيمية الخاصة بالأغذية الجديدة.
وتؤكد الجمعية الكيميائية الأمريكية أن بيانات الفريق تشير إلى أن «µBites» آمنة في الاختبارات التي أجريت حتى الآن، لكن الباحثين ما زالوا في انتظار الموافقة المؤسسية لإجراء اختبارات التذوق على البشر. وبعبارة أخرى، لم نصل بعد إلى مرحلة يستطيع فيها العلماء أن يقولوا إن هذا الغذاء أصبح جاهزًا للاستهلاك الجماهيري. وحتى الآن، كان التقييم الحسي الأولي إيجابيًا فيما يتعلق بالرائحة، لكن الانتقال من نتائج المختبر إلى غذاء يستهلكه الإنسان على نطاق واسع يحتاج إلى مسار طويل من التحقق العلمي والتنظيمي.
من زجاجة مياه إلى كعكة
هنا يجب أن نكون أكثر حذرًا مع العناوين الصحفية التي تقول إن العلماء «حولوا زجاجة مياه إلى كعكة». فهذا التعبير صحيح من حيث الفكرة العامة، لكنه قد يكون مضللًا إذا فهمناه حرفيًا. الكعكة ليست زجاجة بلاستيكية مطحونة، والبلاستيك لا ينتقل إلى جسم الإنسان كما هو. الذي يحدث هو إعادة توظيف للكربون الموجود في مادة بلاستيكية بعد تفكيكها، ثم إعادة بناء هذا الكربون بواسطة الكائنات الدقيقة في صورة مركبات جديدة. وهذا فارق علمي مهم جدًا، لأن الصحافة العلمية الجيدة لا تكتفي بإثارة الدهشة، وإنما تشرح ما الذي حدث بالفعل.
وقد يكون الهدف الأكثر إثارة للمشروع بعيدًا عن موائدنا اليومية تمامًا. فالبحث جاء في إطار مشروع تقوده وكالة ناسا لتطوير تقنيات لإنتاج الغذاء في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد، ومن بينها الرحلات الفضائية طويلة المدى. وفي الفضاء، تصبح كل قطعة غذاء وكل كيلوغرام من المواد التي تحملها المركبة مسألة لها تكلفة كبيرة، كما تصبح القدرة على إعادة تدوير المخلفات وإنتاج بعض الاحتياجات داخل المنظومة نفسها عنصرًا مهمًا في تصميم بعثات طويلة إلى القمر أو المريخ. ومن هذه الزاوية، فإن إنتاج غذاء من الكربون الموجود في المخلفات قد يبدو أقل غرابة بكثير مما يبدو عليه عندما نتخيله في مطبخ منزل على الأرض.
ولا تقتصر الفكرة على الفضاء. فالمنظومة التي يتخيلها الباحثون يمكن أن تجد تطبيقات مستقبلية في البيئات التي يصعب فيها توفير الغذاء بصورة منتظمة، مثل الغواصات أو بعض المناطق المتضررة من الكوارث أو البيئات شديدة العزلة. وإذا تمكن العلماء في المستقبل من تصغير هذه الأنظمة وجعلها أكثر كفاءة واقتصادية، فقد يصبح من الممكن إنتاج بعض المكونات الغذائية محليًا باستخدام مصادر الكربون المتاحة في المكان بدلًا من الاعتماد الكامل على سلاسل الإمداد الخارجية.
ليست حلًا سحريًا للأزمات
لكن من الخطأ أيضًا أن نقدم هذه التقنية بوصفها حلًا سحريًا لأزمة الجوع أو التلوث البلاستيكي. فالبشرية لن تتخلص من مشكلة البلاستيك بمجرد تحويل جزء منه إلى غذاء، كما أن إعادة تدوير البلاستيك لا يمكن أن تكون بديلًا عن تقليل إنتاج البلاستيك غير الضروري وتحسين أنظمة الجمع وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير. وتؤكد المقاربة التي يتبناها برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن معالجة التلوث البلاستيكي تتطلب النظر إلى دورة حياة البلاستيك بأكملها، وليس انتظار تحوله إلى نفايات ثم البحث عن طريقة للتخلص منها.
ومع ذلك، فإن أهمية «µBites» تكمن في أنه يفتح نافذة على مفهوم أوسع وأكثر أهمية، هو إعادة التدوير الحيوي الأعلى، أو Bio-upcycling. ففي الاقتصاد التقليدي ننظر إلى النفايات باعتبارها نهاية دورة المنتج، بينما يحاول الاقتصاد الحيوي الدائري تحويل هذه النهاية إلى بداية دورة جديدة. وهنا يمكن للميكروبات أن تلعب دورًا مركزيًا، لأنها تستطيع تحويل مركبات منخفضة القيمة إلى بروتينات وإنزيمات وأحماض عضوية ونكهات ومواد أخرى ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
وهذه الفكرة تحمل أهمية خاصة للعالم العربي. فلدينا كميات هائلة من المخلفات الزراعية التي لا تزال في كثير من الأحيان تُعامل باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، في الوقت الذي يمكن فيه، من خلال التخمير الدقيق والهندسة الميكروبية، تحويل بعض مكوناتها إلى مواد ذات قيمة. مخلفات نخيل التمر في الخليج، ومخلفات الذرة وقصب السكر والحبوب في مصر والمنطقة العربية، وغيرها من الكتلة الحيوية الزراعية، يمكن أن تصبح في المستقبل جزءًا من منظومات تصنيع حيوي تنتج البروتينات والمكونات الغذائية والمواد الكيميائية الحيوية بدلًا من أن تنتهي إلى الحرق أو الطمر.
وهنا أعتقد أن الدرس الحقيقي الذي تقدمه تجربة «µBites» ليس أننا سنأكل البلاستيك في المستقبل، وإنما أن حدود مفهوم «النفايات» نفسها بدأت تتغير. فما نعتبره اليوم مادة عديمة القيمة قد يصبح غدًا مادة خامًا لمصنع حيوي. وما نراه بقايا نهائية من عملية إنتاجية قد يصبح، إذا فهمنا كيمياءه وبيولوجيته جيدًا، بداية لسلسلة إنتاج جديدة.
إن الثورة الحقيقية في هذه القصة ليست الكعكة، وإنما الطريقة الجديدة في النظر إلى المادة. فالبلاستيك، في نهاية المطاف، ليس كائنًا غريبًا عن الطبيعة من ناحية عناصره الأساسية؛ إنه مادة غنية بالكربون، والمشكلة تكمن في البنية الكيميائية التي صنعها الإنسان وفي الطريقة التي ندير بها دورة حياته. وعندما تتقدم الهندسة الكيميائية والتكنولوجيا الحيوية إلى الحد الذي يسمح بتفكيك هذه البنية وإعادة استخدام الكربون بكفاءة وأمان، فإننا نكون قد اقتربنا من نموذج جديد للاقتصاد لا يقوم على استخراج الموارد ثم التخلص منها، وإنما على استردادها وإعادة تدويرها بصورة أكثر ذكاءً.
وربما لهذا السبب تستحق كعكة «µBites» اهتمامنا، حتى لو لم نرها يومًا على أرفف المتاجر. فهي تذكرنا بأن الابتكار العلمي لا يبدأ دائمًا من سؤال «كيف نصنع شيئًا جديدًا؟»، وإنما قد يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو استطعنا أن نجعل الأشياء التي نظن أنها انتهت من حياتها تبدأ حياة جديدة؟
قد لا يأكل الإنسان غدًا كعكة مصنوعة من زجاجة المياه التي ألقاها اليوم في القمامة، وقد تبقى الطريق إلى منتج غذائي تجاري طويلًا ومليئًا بالتحديات العلمية والاقتصادية والتنظيمية. لكن الفكرة التي تقف وراء «µBites» تستحق أن نتوقف أمامها؛ لأنها تمثل واحدًا من الاتجاهات التي قد تشكل اقتصاد المستقبل: استخدام الميكروبات لإعادة تدوير الكربون، وتحويل المخلفات إلى موارد، ودمج التكنولوجيا الحيوية مع التصنيع الرقمي لإنتاج الغذاء في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على النظم التقليدية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل سنأكل البلاستيك؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو: هل سنتعلم أخيرًا كيف لا نسمح للنفايات بأن تظل نفايات؟
فبين زجاجة مياه مهملة وكعكة صغيرة تحمل الرمز اليوناني «µ» توجد قصة أكبر بكثير؛ قصة عن مستقبل قد تتغير فيه الحدود بين النفايات والغذاء، وبين المختبر والمصنع، وبين الكائنات الدقيقة والهندسة، وربما بين الأرض والفضاء. وهذه، في حد ذاتها، قد تكون واحدة من أكثر القصص إثارة التي ترويها لنا التكنولوجيا الحيوية عن المستقبل.
سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


التعليقات :