ينطلق الإنسان يكشتف، يخترع، يطور، ويصنع. متمتعاً بنواتج تلك العملية حتى يلاحظ فيما بعد بوجود عواقب لم تكن في الحسبان. يُعتبر التلوث من أخطر تلك العواقب منذ القرن الماضي؛ فبالإضافة إلى تأثيراته الصحية المعروفة والخطيرة أصبح هناك قلق حول تأثيره على استمرارية الجنس البشري نفسه بوجود علاقة بين تلوث الهواء وكلاً من نسبة الذكور والخصوبة على مستوى العالم. وأصبح لابد من التعرف على تفاصيل تلك الادعاءات ومدى صحتها؛ لكن قبل ذلك يتطلب الأمر فهم واضح لماهية تلوث الهواء وما يتضمنه من مواد مختلفة.
محتويات المقال :
خليط من مواد غازية، صلبة، وحتى سائلة بنسب أكبر من الطبيعية مؤديةً لمشاكل بيئية وصحية. وينقسم التلوث الهوائي طبقاً لمكان التعرض له إلى نوعين أساسين وهما:
يتضمن التلوث الهوائي العديد من المواد ولكن لطالما حذرت منظمة الصحة العالمية «WHO» من أربع مواد على وجه التحديد نظراً لارتباطهم بمشاكل صحية عديدة خاصة في الجهاز التنفسي قد تصل لسرطان الرئة. وهم:
بعد أن اتضحت الصورة العامة حول تلوث الهواء حان وقت الشروع في إجابة السؤال : هل هناك علاقة بين تلوث الهواء ونسبة الذكور والخصوبة؟
منذ فترة شغل بال الباحثين فكرة غريبة: وهي العلاقة بين تلوث الهواء ونسبة الذكور، فأنطلقت بعض الأبحاث المعدودة تبحث عن علاقة بين تغير نسبة المواليد مع زيادة نسبة بعض الملوثات. حتى عام 2018 نشرت «المجلة الأمريكية لصحة الرجل- American journal of men’s Health » ورقة بحثية بعنوان «تلوث الهواء و النسبة بين نوعي الحيوانات المنوية» كان ذلك البحث هو الأول من نوعه فهو لم يبحث فى نسبة المواليد إنما ذهب لمصدر تحديد الجنس ذاته وهو نوع الحيوان المنوي إذا كان حاملا للكروموسوم X -الجنين أنثى- أو Y -الجنين ذكر -.
تضمنت تلك الدراسة 195 رجل من بين عامي 2008 و 2011 تم جمع بعض المعلومات عنهم مثل العمر، والحالة الاجتماعية، التدخين، مكان السكن، وتم الحصول على عينات من البول، اللعاب، وبالطبع السائل المنوي. تم فحص السائل المنوي بتقنيات ميكروسكوبية خاصة لتحديد نوع الحيوان المنوي X أم Y. و حساب نسبة الملوثات التي تعرض لها المشاركين خلال 90 يوم قبل الحصول على العينات… لماذا 90 يوم تحديداً؟ لأن عملية تصنيع الحيوانات المنوية تستغرق من 64 إلى 74 يوم؛ فتسعين يوماً ستكون فترة كافية حتى تتعرض فيها تلك الدورة إلى الملوثات. تم تحديد نسبة الملوثات اعتماداً على مكان سكن المشاركين -من ضمن البيانات التي تم تحصيلها – واستناداً إلى قاعدة بيانات الهواء الأوروبية المسجل عليها تغيرات المناخ ونسب الملوثات المختلفة في الأماكن المختلفة.
وبعد تحليل البيانات المحصلة جائت النتائج بوجود ترابط عكسي بين زيادة نسبة بعض الملوثات وتحديدا «المواد الدقيقة – particulate matter» بنوعيها، وقلة الحيوانات المنوية الحاملة للكروموسوم Y. لتضيف تلك الورقة البحثية شكوكاً إلى شكوكٍ سابقة بوجود ترابط عكسي بين التلوث الهوائي ونسبة المواليد الذكور. أتفقت تلك الورقة البحثية مع بحث مماثل تم في ساو باولو حول العلاقة بين النسبة بين جنسي المواليد والتلوث الهوائي التي كان من نتائجها أيضاً وجود ترابط عكسي بين المواد الدقيقة الملوثة «pm» وتراجع نسب المواليد الذكور، و اتفق مع كلاهما بحثان في تايوان وسكوتلاند، ولكن اختلف عن كل ما سبق بحثان آخران في تايوان وسكوتلاند أيضاً حيث أكدا عدم وجود دليل علمي مقنع أو نسب كافية تدعم ذلك الترابط المزعوم.
و لنكون أكثر وضوحاً ؛ تلك الأبحاث كانت تدور حول الأرقام والنسب، لم يكن بينهم بحث قوي حول تفسير كيفية حدوث ذلك، إلا أن هناك بعض الاقتراحات أن تلك الملوثات كانت تؤثر على دورة إنتاج الحيوانات المنوية مغيرة النسبة بين X و Y لصالح X. وبذلك خطونا خطوة تشوبها بعض الشكوك حول تأكيد خطر الملوثات الهوائية على مستقبل عدد المواليد الذكور. وهكذا تم الإجابة على الشق الأول من سؤال هل توجد علاقة بين تلوث الهواء وكلاً من نسبة الذكور وخصوبتهم؟
انطلقت ادعاءات قوية عن وجود ترابط بين التلوث الهواء وانخفاض نسبة الخصوبة لدى الذكور، تلك الادعاءات مدعومة ببعض الأبحاث القديمة التي تتصف بكثير من العيوب مثل عدم دقة الأجهزة المستخدمة حينها. ولكن ما جذب الانتباه حقاً؛ هو خفض منظمة الصحة العالمية القيم الطبيعية التي تقيس القدرة الإنتاجية لدى السائل المنوي أو الحيوانات المنوية على وجه التحديد . وكان ذلك الخفض مقروناً بزيادة نسبة ملوثات الهواء. لذلك انطلق الباحثون في ذلك المجال من كل حدبٍ وصوب وتم جمع نتائج 22 دراسة تقريباً من حول العالم حيال ذلك الأمر ونشر ورقة بحثية طويلة بالنتائج في جورنال «Reproductive biology and endocrinology».
اتفقت أغلب الدراسات في كيفية حساب التعرض الملوثات حيث تم جمع البيانات من قواعد البيانات الخاصة بتلوث الهواء خلال التسعين يوم قبل جمع عينات السائل المنوي. أمثلة على تلك النتائج:
والعديد من النتائج المشابهة ظهرت في باقي الدراسات مع اختلافات طفيفة ترجع لاختلاف نسب التعرض للملوثات.
اهتمت دراسة في تركيا بذلك السؤال فجمعوا العينات من 35 عامل بمحطات الوقود – باعتبارهم الأكثر تعرضا لملوثات الهواء- ، وكذلك من 35 موظف مكتب، وكانت النتائج تشير أن المجموعة الأولى أقل من الثانية بكثير في نسب الحيوانات المنوية الطبيعية شكلاً، حركةً، وتركيزاً. تلك الدراسة كانت ضمن الاثنين وعشرين بحث السابق ذكرهم.
ما الذي يتسبب في مثل ذلك الخلل الملحوظ في خصوبة الرجال؟ نجحت القليل من الدراسات أغلبها على الحيونات -الفئران- في الإجابة على ذلك السؤال:
مما سبق يتضح وجود علاقة محتملة بين تلوث الهواء وكلاً من نسبة الذكور والخصوبة؛ مما يجعل الاهتمام بتقليل التلوث أمر واجب النفاذ ولم يعد رفاهية مختارة؛ لأجل مصلحة بقاء واستمرار الجنس البشري.
المصادر:
Air pollution and human sperm sex ratio
Air pollution and male fertility
في عالم الكم، لم تعد قواعد الفيزياء الكلاسيكية قابلة للتطبيق. واحدة من أكثر الحالات الرائعة…
أظهرت دراسة جديدة أن المرضى يجدون الذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفاً وتفهماً من الأطباء النفسيين وخبراء…
باتت التجارب الرقمية أكثر عمقًا وانغماسًا مع دمج الحواس البشرية في البيئات الافتراضية. ويأتي نظام…
في اكتشاف رائد، كشف باحثون من جامعة أتينيو دي مانيلا عن أدلة على وجود شكل…
درس العلماء الأسماك الغضروفية الحديثة، مثل أسماك القرش وأسماك الزلاجات. وقارنوها بنظيراتها عديمة الفك، مثل…
تحول دماغ شاب إلى زجاج منذ ما يقرب من 2000 عام، وهي ظاهرة يعتقد العلماء…