Ad

قد لا تصدّق في أيامنا هذه فكرة قدرة جيش غير منظم على هزيمة جيشٍ نظامي بكامل عتاده الحربي. وخاصة مع تطوّر الأسلحة والاستراتيجيات والتكتيكات العسكرية. لكنّ أهل مكة أدرى بشعابها. والشعوب المقاومة والتي تحمل عقيدة النضال قادرة على دحر أعتى الجيوش وإلحاق أشدّ الخسائر بها، عبر استخدامها لتكتيكات حرب العصابات وهو ما سنتعرف عليه في مقالتنا هذه.

تعريف حرب العصابات؟

نوع من الحروب تخوضها قوّات غير نظامية. عبر قيامها بعمليات سريعة على نطاق ضيق ضدّ القوّات المسلحة التقليدية والشرطة، وفي بعض الأحيان ضدّ قوّات متمردة منافسة. إمّا بشكل مستقل أو بالتزامن مع استراتيجية سياسية – عسكرية أكبر.[1]

يتميز هذا النوع من الحروب بالكمائن والغارات المفاجئة والأساليب غير النظامية للقتال. وتصبح وحشية وفوضوية وغير منظمة في كثير من الأحيان.[2]

ولها دور كبير في تغيير مجريات الأحداث والمعارك. فتمركزها في الأرياف والمناطق المحيطة في المدن منحها هالة من الرعب النفسي للخصوم. فكانت تكتيكًا مهمًا في الحروب النفسية. ورغم ما قد تكتنفه من عيوب إلّا أنّها تحولت إلى مظهر رئيسي في الصراعات وخاصة بعد قيام الحرب الباردة.

تأخذ هذه الحرب طابعًا عقائديًا وأيديولوجيًا. فأغلب الحروب قامت بغرض التحرير والاستقلال ولذلك تنال شهرة واسعة وشعبية كبيرة. وتتلقى كل أشكال الدعم من الرأي العام سواء أكان دعمًا ماديًا أو دعمًا بالعنصر البشري. [1]

واستخدم مصطلح حرب العصابات لأول مرة في القرن الـ19 لوصف المعارك التي خاضها الجنود الأسبان والبرتغاليون غير المنظمين ضد جيش نابليون. وأخذت شهرتها منذ ذلك الحين لتمكن أولئك القروين من هزيمة جيش بذلك الحجم وإخراجه من شبه الجزيرة الإيبيرية. وتزايد دورها بشكل كبير خلال الحرب العالمية الثانية. [1]

ورغم حداثة المصطلح إلا أنّ حرب العصابات قديمة قدم التاريخ وهناك الكثير من الأمثلة التاريخية عليها.

أمثلة عن حرب العصابات

حرب العصابات في العصور القديمة

في عام 512 قبل الميلاد، انحنى الملك المحارب الفارسي داريوس الأول، والذي حكم أكبر إمبراطورية وقاد أفضل جيش في العالم، لتكتيكات الكر والفر التي اتبعها البدو الرحل. مما دفعه لمغادرة أراضيهم وراء نهر الدانوب.

كما واجه الملك المقدوني الإسكندر الأكبر (356-323 قبل الميلاد) معارضة حرب العصابات الجادة. وتغلب عليها عبر تعديل تكتيكاته وكسب قبائل مهمة إلى جانبه.

كما تم استخدام عمليات حرب العصابات وشبه حرب العصابات لأهداف عدوانية في القرون التالية من قبل الفايكنج، الذين اجتاحوا أيرلندا وإنجلترا وفرنسا. واستخدمها المغول الذين غزوا الصين وأرعبوا وسط أوروبا.

وفي القرن الثاني عشر، تعرقل الغزو الصليبي للعرب أحيانًا بسبب تكتيكات حرب العصابات التي اتبعها السلاجقة. [1]

حرب العصابات في العصور الحديثة

أصبحت حرب العصابات حديثًا عاملًا مساعدًا مفيدًا للاستراتيجيات السياسية والعسكرية المهمة والتقليدية داخل أراضي العدو وفي المناطق التي يحتلها. فبعد هزيمة الفرنسيين على يد الثوار الإسبان بقرنين ازدهرت حرب العصابات. حيث حاول الثوار والمناضلون مجابهة الاستعمار عبثًا في كل من الهند والجزائر والمغرب وبورما (ميانمار) ونيوزيلندا والبلقان.
كما استخدمت القبائل العربية بقيادة الأمير فيصل الأول تكتيكات حرب العصابات لإخراج العثمانيين من أراضيهم خلال فترة الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1927 رفع الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ علم التمرد الريفي الذي استمر لمدة 22 عامًا.[1] والذي طوّر من تكتيكات الحرب ووسائلها حتى وصل إلى النصر الذي صنع الصين التي نعرفها اليوم.

وخلال فترة الحرب العالمية الثانية أصبحت الأيديولوجية السياسية عاملًا أكثر وضوحًا في حملات حرب العصابات العديدة. حيث استخدمها الشيوعيون المحليّون في معظم البلدان التي غزتها ألمانيا وإيطاليا واليابان. وخلال الحرب الباردة، دعم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة سلسلة من حركات التمرد والتمرد المضّاد في حروب بالوكالة. [1] والتي كانت حرب العصابات تكتيكها الحربي الرئيسي.

بعد عام 1948 واجه الكيان الصهيوني حرب عصابات شنّها الفدائيون الفلسطينيون. وهو صراع طويل الأمد وما زال مستمرًا إلى اليوم. [1]

غيّرت حرب العصابات مصائر الكثير من الشعوب وحررتها من الاستعمار. حيث أخرج الثوار الجزائريون الاحتلال الفرنسي من أراضيهم. وأنهت الحكم البريطاني في كينيا وقبرص. وأطاح فيديل كاسترو في كوبا بنظام باتيستا المترنّح والفاسد والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1959. [1] وتختلف الدوافع والأهداف وراء قيام هذه الحرب.

الدوافع من قيام حروب العصابات

قد لا يخفى على البعض السمعة السيئة لهذا النوع من الحروب. ويعود ذلك إلى أنّ الحكومات والجيوش المنظمة التي تواجهها تروّج لها على أنّها عمل همجي تخريبي. وبسبب غياب التنظيم ووضوح الرؤية السياسية في أغلبها والذي يؤدي أحيانًا إلى فشلها في النهاية وزعزعة الاستقرار فحسب. لكنّ الحقيقة أنّها قد تحمل في طياتها أهدافًا نضالية نبيلة. وغالبًا ما يكون هدفها تحقيق العدالة وكسب الحقوق. كمقارعة الاحتلال والتحرر من العبودية أو مواجهة الدكتاتوريات الشمولية.

قد تحمل في العصور الحديثة دوافع وأهداف مختلفة وخاصة لدى الأصوليين المتطرفين. كالقاعدة وداعش وغيرها. أو دوافع سياسية وأيديولوجية أو قومية انفصالية. [1] ولكن على الرغم من الفوضى التي قد تنضوي عليها، ذلك لا يعني غياب الاستراتيجيات والتكتيكات التي تعد أبرز مظاهرها.

الاستراتيجيات والتكيتكات

تتمثل الاستراتيجية العريضة التي تقوم عليها حرب العصابات الناجحة بالمضايقات المطولة معتمدة تكتيكات دقيقة ومرنة ومصممة لإرهاق العدو. تجسّد هذه الاستراتيجية العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي يخضع لها العنصر العسكري في كثير من الأحيان. ولكن دون التقليل من الأهمية القصوى للدور العسكري.

ومن الأمثلة الهامة على هذه الاستراتيجية كان الاستراتيجية التي وضعها لورنس العرب 1916-1918 في الجزيرة العربية. والتي كان الغرض الأساسي منها بناء القيادة العربية المتماسكة المتمثلة بالأمير فيصل. إضافة إلى إحداث خسارة نفسية في صفوف العثمانيين عبر قطع خطوط الإمداد، عبر تدمير سكة الحجاز.

لجأ ماو تسي تونغ إلى استراتيجية حرب العصابات لتحقيق غاية استيلاء الشيوعيين على الصين. حيث أدرك أنّ ذلك يتطلب حربًا طويلة الأمد ضد الجيش التقليدي. وأكدت حملة حرب العصابات التي شنها ماو على مدى أكثر من عقدين على التكتيكات المرنة القائمة على عنصري المفاجأة والخداع، والهجوم في العمق، وتوجيه الضربات الخاطفة، والمواجهة فقط في حالة النصر المضمون أو الانسحاب من الأرض.

كسب الدعم الشعبي من الاستراتيجيات الهامة أيضًا. فهو مصدر للتمويل والسلاح والمؤن والقوة البشرية، عبر الترهيب أو نشر الفكر عبر وسائل الإعلام.

إضافة إلى ما سبق، يعد كسب الدعم الخارجي من الاستراتيجيات الهامة أيضًا، وتوحيد الصفوف والتنظيم وإيجاد الهدف السياسي الواضح.[3] واستراتيجية الترهيب المنظم عبر الاغتيالات المنظمة لقادة ومرؤوسي العدو. أو ارتكاب مجازر جماعية، بهدف الترهيب واستمرار الولاء والتمويل والحماية لهم. أو لإجبار الحكومات على الدخول في مفاوضات، رغم أنّ المفاوضات غالبًا ما تفضي لحدوث انشقاقات داخلية.

من المهم لقائد المجموعات تطوير أساليبه وتكتيكاته بشكل مستمر، لأنّ هذه الحروب طويلة الأمد.[3] ومن التكتيكات الهامة المستخدمة: تكتيك الهروب الوهمي، وعمليات الوحدات الصغيرة، والتشكيلات الفضفاضة، واللباس غير الرسمي، والحركة السريعة، والانضباط في إطلاق النار، واستخدام الرعب والكمين والهجوم المفاجئ. [3]

تظهر حرب العصابات أهمية وجود عقلية عسكرية فذة لتنظيم الهجمات. ولكنّ نوع السلاح المستخدم يلعب دورًا هامًا أيضًا في حسم الصراع أو توجيهه في كثير من الأحيان.

الأسلحة المستخدمة

بداية كانت العصابات تلجأ لاستخدام السلاح الأبيض، ثم تحوّلت إلى سرقة سلاح العدو وتنظيم هجمات منظمة على مستودعات الذخيرة. وكثيرًا ما استخدمت بنادق محلية الصنع. وقنابل يدوية وشراك خداعية وألغام. إضافة إلى قنابل المولوتوف والقنابل البلاستيكية (المتفجرة البلاستيكية) رخيصة الثمن والفعالة للغاية في ظل ظروف معينة.

و أضاف الانتشار العالمي للأسلحة خلال عقود الحرب الباردة بعدًا جديدًا لقدرات حرب العصابات. حيث قدمت القوى العظمى والدول الأخرى بنادق هجومية حديثة ومدافع رشاشة ومدافع هاون. وأسلحة متطورة مثل القذائف الصاروخية والصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ المضادة للطائرات. كما أدى انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول بعض جمهورياته إلى دول مستقلة إلى بيع المزيد من الأسلحة.[1]

وفي الختام، أطلق على ممارسي حرب العصابات اسم المتمردين أو المرتزقة على مر القرون. حيث دأب القادة العسكريون المحبطون على تسميتهم بالإرهابيين والخارجين عن القانون. في حين وصفهم آخرون بالمحاربين الوطنيين وقادة الحروب الثورية الصغيرة. و بغض النظر عن المصطلحات، تباينت أهمية حرب العصابات بشكل كبير عبر التاريخ.

تقليديًا، كانت سلاح احتجاج يستخدم لتصحيح الأخطاء الحقيقية أو المتخيلة التي تُفرض على شعب إما من قبل حكومة حاكمة أو من قبل محتل أجنبي. لذا يمكننا القول أنّها حققت نجاحات ملحوظة أحيانًا وعانت من هزائم كارثية في أحيان أخرى.

المصادر:

1- Britannica
2- Battlefields
3- Britannica

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تاريخ سياسة علوم عسكرية

User Avatar

Zeinab Afifeh


عدد مقالات الكاتب : 11
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : abdalla taha

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق