Ad

رغم فداحة كارثة تشيرنوبل، فقد ساهمت في معرفة كيفية تسمم الوقود النووي. ذاك أن الجهل بأثر أحد المسممات على المفاعل، أدى إلى تقدير خاطئ في التعامل مع المفاعل، مما أدى إلى تلك الكارثة التي لا تزال تنفث سمومها حتى الآن. فكيف يتسمم الوقود النووي؟ وما الذي علينا فعله لنتجاوز آثار هذا التسمم؟

تسمم الوقود النووي

يتسمم الوقود النووي عندما تتراكم فيه نواتج الانشطار. ذاك أن هذه الأخيرة، تعمل على إيقاف الانشطار التسلسلي الذي يبقي المفاعل حيًّا: فبسبب قدرتها الهائلة على امتصاص النيوترونات، لا يبقى في قلب المفاعل العدد الكافي الذي يسمح باستمرار التفاعل، فيصير المفاعل في الحالة دون الحرجة. وهذا يعني أن المفاعل لن يعمل مجددًا إلا اختفت هذه النواتج من قلب المفاعل أو، على الأقل، إذا نقُصت كميتها. وتظهر نواتج الانشطار السامة في المفاعلات عبر ثلاثة سبل: فإما أنها تَنتج مباشرة عن الانشطار النووي، أو تَنتج عن الانحلال الإشعاعي لأحد نواتج الانشطار، أو أن أحد نواتج الانشطار المباشر يقتنص نيوترونًا فيتحول إلى ناتج سام. وتختفي هذه النواتج السامة سواء عن طريق الانحلال الإشعاعي أوعن طريق اقتناص نيوترون فتتحول إلى نظير غير سام. ومن أبرز المسممات نجد الزينون و الساماريوم [1].

تسميم الزينون

يعتبر «تسميم الزينون -Xenon Poisoning » أخطر أنواع التسممات في المفاعلات، ذاك أن نسبته  تتضاعف بشكل هائل في غضون أجزاء من الثانية عند إيقاف المفاعل. و يمكن أن ينتج الزينون-135 (135Xe) عن الانشطار المباشر للوقود النووي لكنه يتشكل أساسًا من تحلل اليود-135 (135I) الذي يأتي من انشطار الوقود النووي. ويختفي إما بتحوله للزينون-136 (136Xe) غير السام عن طريق اقتناص نيوترون أو عن طريق تحلله إلى عنصر السيزيوم-135 (135Cs) [1].

عند إشعال المفاعل، ينشطر الوقود النووي فينتج اليود-135 الذي تبدأ كميته في التزايد. وفي نفس الوقت، يبدأ اليود بالتحلل إلى الزينون-135 الذي ما إن يظهر حتى يبدأ بالاختفاء بدوره. وبما أن سرعة انحلال 135I أكبر من تلك التي لدى 135Xe، فإن هذا الأخير يظل يتزايد إلى أن نصل إلى حالة من التوازن تبقى فيها كميات 135I و 135Xe مستقرة مع مرور الزمن [1].

أما عند إيقاف المفاعل، فإن عملية الانشطار الانشطار تتوقف. وهكذا يتوقف منبع اليود الذي يستمر في الانحلال إلى أن يختفي نهائيا. بالنسبة ل 135Xe، فإنه يتوقف عن الاختفاء عن طريق اقتناص نيوترون (بسبب توقف دفق النيوترونات). بينما تستمر عملية إنتاجه من خلال انحلال اليود. وهكذا، تبدأ كميته بالتزايد رغم تحلله إلى 135Cs (بسبب الاختلاف في سرعة التفاعل بين  135I و 135Xe)، ثم تعود للتناقص بعد نفاذ كمية اليود (الشكل 1) [1].

الشكل 1: تغير نسبة الزينون بعد إيقاف المفاعل

وتأثر نسبة ارتفاع الزينون بشكل مباشر على تفاعلية المفاعل، حيث قد تصل هذه الأخيرة إلى نسبة يستحيل معها إعادة تشغيل المفاعل إلا بعد أن يختفي الزينون أي بعد يومين من إيقاف المفاعل. وفي حال أردنا أن نشغل المفاعل بعد الإيقاف مباشرة، فيجب أن نفعل ذلك في غضون عشر دقائق قبل أن يصل مستوى الزينون إلى حالته القصوى فيستحيل تشغيله حينها [2].

تسميم الساماريوم

يتميز «تسميم الساماريوم-Samarium Poisoning» بكون نظير الساماريوم-149 (149Sm) مستقرًا، أي أنه لا يخضع للانحلال الإشعاعي. وبالتالي، لا يمكن التخلص منه بل يظل تراكم مع الزمن في كل تشغيل للمفاعل إلى أن يتوقف المفاعل نهائيا عن العمل. وحينها يجب استبدال الوقود بآخر جديد.  وينتج  عن انحلال أحد نواتج الانشطار وهو البروميثيوم-149 (149Pm). ويختفي باقتناص نيوترون فيتحول إلى الساماريوم-150 (150Sm) [1].

عند تشغيل المفاعل، يبدأ إنتاج  فتتزايد كميته، ثم يبدأ بالانحلال إلى الذي يبدأ بالتحول بدوره إلى 150Sm. في النهاية، نصل إلى حالة من التوازن حيث تستقر كلتا الكميتين بعد أن يتكافئ عدد النويات الذي يظهر مع تلك التي تختفي [1].

أما بعد إيقاف المفاعل، يختفي  بتحلله إلى الساماريوم السام. بينما يتوقف اقتناص هذا الأخير للنيوترونات فيظل يتزايد إلى أن ينفذ  149Pm. وهكذا فإن الساماريوم السام (149Sm)،  يظل في قلب المفاعل دون أن يختفي لأنه نظير مستقر. وكلما تم إيقاف المفاعل، يتراكم القليل من 149Sm، وتقل معه تفاعلية المفاعل (القدرة على الاستمرارية الانشطار) إلى أن يصبح الوقود النووي غير ذي جدوى [1].

ويعتبر الساماريوم أقل سوءا ما الزينون لأن احتمالية امتصاصه للنيوترونات التي تسهم في الانشطار أقل بكثير من احتمالية امتصاص الزينون. إذ نجد أن احتمالية امتصاص الساماريوم قد تصل إلى 41000 barn، بينما تتجاوزها عند الزينون إلى 270000 barn. ومع ذلك فيجب أخذ هذا التسميم بعين الاعتبار من أجل التحكم بدقة في قدرة المفاعل [2].

المصادر

[1] NUCLEAR REACTOR PHYSICS AND ENGINEERING

[2] Physique des Réacteurs Nucléaires Table de matières

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تقنية فيزياء

User Avatar

مريم بلحساوية


عدد مقالات الكاتب : 17
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق