Ad

إن نهاية القصة هي أحد أجزائها المفضلة لدينا، وقد نتكبد العناء فقط لتجنب سماع نهاية فيلم لم نشاهده أو كتاب لم نقرأه بعد، ثم ما أن نعرف النهاية حتى نشعر أن تجربتنا قد أفسدت تمامًا. وهذا ما يسمى بـ “حرق الأحداث”.

لذا فإن حارقي الأحداث سيئو السيئة. لكن بحثًا منشورًا في مجلة Psychological Science أظهر أن معرفة نهاية القصة قبل قراءتها/مشاهدتها لا يحد من الاستمتاع بها، بل قد يجعلك أكثر استمتاعًا بالقصة، هذه هي «مفارقة حرق الأحداث-Spoiler Paradox».

أجرى الباحثان نيكولاس كريستنفيلد وجوناثان ليفيت من جامعة كاليفورنيا، قسم علم النفس في سان دييغو، ثلاث تجارب مع اثنتي عشرة قصة قصيرة (من مؤلفين مثل جون أبدايك وأغاثا كريستي وأنتون تشيخوف). تضمنت القصص حبكات رائعة وألغاز وقصص أدبية مثيرة للعواطف. في اثنين من الظروف في التجربة، تخلوا عن نهايات القصص. في أحد هذه الظروف وضعت النهاية كنص مستقل يسبق القصة، وفي الحالة الثانية تم دمج النهاية كفقرة افتتاحية للقصة. وفي ظرف آخر، لم يتم حرق أحداث النهاية.

أشارت نتائج الدراسة إلى أنه في كل نوع من أنواع القصص، فضل المشاركون النسخ المحرقة على غيرها، وفضلوا القصص أكثر عندما تم تضمين الحرق كنص مستقل يسبق القصة. يغير هذا الاكتشاف نظرتنا التقليدية عن حرق القصص ويثير سؤالًا واحدًا كبيرًا:


لماذا؟

في عام 1944، أجرى فريتز هايدر وماري آن سيميل من كلية سميث دراسة بسيطة لكنها ذات تأثير. أظهر الباحثون للمشاركين رسمًا متحركًا لمثلثين ودائرة تتحرك حول مربع. يمكنك مشاهدة الرسوم المتحركة في الفديو أدناه.

عند مشاهدة العرض التوضيحي، من الصعب ألا تضيف حوارك الخاص لشرح ما يجري في المشهد. وجدت الدراسة أن معظم المشاركين وصفوا الدائرة والمثلث الأزرق بأنهم “واقعون في الحب” وأن المثلث الرمادي “الكبير السيئ” “يحاول الوقوف في الطريق”. كان المشاركون يستخدمون السرد لوصف الأفعال ووصف المشهد كما لو كان للأشياء نوايا ودوافع.

توضح هذه الدراسة غريزة الإنسان لسرد القصص، مما يعني أن رواية القصص تحقق أو تسهل وظيفة الإنسان الأساسية. البشر حيوانات اجتماعية والقصص هي أداة مهمة لمساعدتنا على فهم السلوك البشري وإيصال فهمنا للآخرين. هذا له علاقة بما يسميه علماء النفس «نظرية العقل-theory of mind”». إن امتلاك نظرية للعقل يعني أن لدينا القدرة على إسناد أفكار الآخرين ورغباتهم ودوافعهم ونواياهم، ونستخدمها للتنبؤ وشرح أفعال وسلوكيات الآخرين. نظرًا لأننا نمتلك القدرة على إسناد نوايا للآخرين وفهم كيف يمكن أن تسبب هذه النية سلوكًا، فإن القصص مهمة لأنها تسمح لنا بإيصال علاقة السبب والنتيجة. من المهم أن نتذكر هذا لأن هذا يعني أن القصة تعتبر جيدة إذا كانت تؤدي هذه الوظيفة: وهي توصيل المعلومات بشكل فعال للآخرين.

هذا هو السبب في أن حرق الأحداث لقصة يجعلها أكثر جاذبية من القصص التي تتركنا معلقين بنهاية غير معروفة. حرق الأحداث يجعل القصة أسهل في المتابعة والفهم من القصص التي تكون نهايتها غير معروفة. يصف المؤلفون في دراستهم كيف أن “التشويق فيما يتعلق بالنتيجة قد لا يكون ضروريًا، بل يمكن أن ثقلل المتعة نتيجة تشتيت الانتباه عن التفاصيل ذات الصلة والسمات الجمالية”.

ربما تكون قد لاحظت بنفسك كيف أن القصة الجيدة هي قصة يمكن تكرارها مرارًا وتكرارًا بنفس الاستمتاع. القصة التي تُعرف فيها النهاية مسبقًا هي قصة جيدة لأنه يمكن معالجتها بسهولة. فكر في القصص التي صمدت أمام اختبار الزمن، قصص مثل قصة حصان طروادة. على الرغم من أن النهاية معروفة جيدًا (سيختبئ اليونانيون في حصان خشبي ضخم مجوف من أجل الوصول إلى مدينة طروادة المسورة)، فإن هذا لا يقلل من قدر الاستماع إلى القصة. لأنك تشعر براحة أكبر في معالجة المعلومات – ويمكنك أن تركز على فهم أعمق للقصة. هذا مهم لأننا نستخدم القصص لتوصيل الأفكار المعقدة، من المعتقدات الدينية إلى القيم المجتمعية.

ننقل هذه الأيديولوجيات المعقدة من خلال القصص لأنه يمكن معالجتها والاحتفاظ بها بسهولة أكبر من النص المباشر. في الواقع، أظهرت الأبحاث أننا نستجيب للمعلومات بشكل إيجابي عندما تكون في شكل سردي أكثر من نص بسيط. ما يعني أن الأشخاص الذين يلجأون إلى حرق الأحداث ليسوا سيئين على الإطلاق. فهم يأخذون قصة معقدة ويبسطونها، مما يسمح لك بمعالجتها بسهولة. وهذه القدرة على معالجتها بسهولة تجعلك أكثر انخراطًا في القصة وأعمق فهمًا لها.

المصادر: ResearchGate, PsychologyToday, PsychologicalScience

إقرأ أيضًا: ما هو الكذب المرضي؟ وما أسبابه وأعراضه وعلاجه؟

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم الإنسان علم نفس فكر

User Avatar

Hiba Ali

هِبَة هيَ طالبةٌ في المرحلةِ الرابعة مِنْ كُليةِ الطِب. تَقضيْ وقتَها في تحريرِ مواقعِ ويكي، الرَّسم، وأحيانًا قراءةَ أدبِ الأطفال. تَعملُ لدى الأكاديمية بوست كمُترجمة، وتنصب أغلبُ ترجمَتها على المواضيعِ الطبية، وأحيانًا التِقَنية.


عدد مقالات الكاتب : 59
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق