Ad

بفضل ورقته البحثية التي نُشرت عام 1927، استطاع جورج ليمتير أن يخلد اسمه في التاريخ كواحد من أكبر المساهمين في فهمنا للكون ونشأته. أحب العلوم والتكنولوجيا. وشهد أحداثًا رائدة في التاريخ خلال الحرب العالمية الأولى وما وبعدها. واليوم في سلسلتنا التي تُنصف العلماء الذين لم تنصفهم نوبل، سنلقي نظرة عن كثب على هذا العالم المميز.

من هو جورج ليمتير؟

لأبوين مسيحيين كاثوليكيين، وُلد جورج جوزيف ليمتير في بلجيكا عام 1894. ولم تتميز طفولته بشيء خارق. كان طفلًا عاديًا ولم يعرف أنه سيصبح واحدًا من أعظم علماء الفلك مساهمةً في تاريخ العلوم. التحق جورج بالجامعة الكاثوليكية بمدينة لويفن البلجيكية عام 1911 آملًا أن يحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة. ولكن لسوء حظه أن العالم دخل في حرب عالمية في عامه الثالث من التحاقه بالجامعة.

تطوع صاحبنا بالجيش وخدم كضابط مدفعية في الجيش البلجيكي. ومُنح وسام الشجاعة وغيره من الأوسمة وذلك عرفانًا بإقدامه وشجاعته. لكن المشكلة الوحيدة أنه كان يكتم بداخله ما يراه من أهوالٍ بما يكفي لتغيير حيوات أشجع الأشخاص. وهذا الأمر غيّر حياته بشكل عميق. وبعدما انتهت الحرب، عاد ليمتير إلى دراسته الجامعية. ولكن هذه المرة تغيرت رغبته الدراسية من الهندسة إلى الرياضيات، والتي برع فيها وتخرج بدرجة في الدكتوراه في العلوم والرياضيات عام 1920 بعدما قدم أطروحة رائعة.

أحب ليمتير الفلك، وأراد أن يربطه بدراسته للرياضيات، فاتجه نحو الرياضيات الفلكية Mathematical Astronomy. ذهب ليدرس في كامبريدج العريقة في إنجلترا، وكان أحد تلامذة الفلكي الكبير آرثر إدنجتون الذي وصفه بالعبقرية، والرؤية الواضحة، والبراعة في الرياضيات. لم يكتف العالم الشاب بهذا وحسب، بل ذهب إلى الجامعة العملاقة الأخرى التي دائمًا ما يرتبط اسمها بكامبريدج؛ ألا وهي جامعة هارفارد، وذلك في عام 1923 وحتى 1924، وكان دائمًا ما يتفقد مرصد ماستشوستس.

بعد هذه الخبرة الكبيرة، عاد صاحبنا إلى بلجيكا في عام 1925، وعُرض عليه أن يصبح محاضرًا بالجامعة التي بدأ فيها دراسته -الجامعة الكاثوليكية- وهذا ما لم يستطع رفضه. وفي الوقت ذاته، لم يتخل عن ماستشوستس ولا عن مرصدها المميز وكان دائم الزيارة هناك، ومُنح درجة الدكتوراه عن أطروحته لمعهد MIT، والتي كانت بعنوان The gravitational field in a fluid submitted عام 1927. [1]

أينشاين يعارض أفكار ليمتير

في الورقة البحثية المذكورة آنفًا، قدم ليمتير حلًا رياضيًا محكمًا لمعادلات النسبية العامة [2] فيما يختص بتوسع الكون. وفي نفس العام، عام 1927، انعقد مؤتمر سولفاي الشهير، الذي شهد حضور كِبار العلماء وقتها، ومن بينهم أينشتاين الذي تحدث مع ليمتير وأخبره بأن أفكاره المُقدمة في هذه الورقة البحثية ذُكرت من قبل عام 1922 بواسطة الفيزيائي الروسي أليكساندر فريدمان، وعلى الرغم من أنها أفكار صحيحة رياضيًا، إلا أنها غير واقعية على المستوى الفيزيائي، قائلًا:

حساباتك صحيحة، لكن فهمك للفيزياء بغيض

أينشتاين إلى ليميتر

لم يكن أينشتاين الوحيد الذي رفض أفكار ليمتير، بل كان معظم الوسط العلمي متشدقًا في معارضة أفكار البلجيكي. باختصار شديد، كانت أفكار ليمتير تدعم توسع الكون، وكان أينشتاين والوسط العلمي متمسكين بسكونه. [3]

هابل يُنصف أفكار ليمتير

إلى أن جاء إدوين هابل عام 1929. وقتها قدم من الأدلة العلمية ما يفيد بتوسع الكون معارضًا بذلك فكرة الكون الساكن Static Universe وقتها. فبدأ العلماء يقتنعون شيئًا فشيئا. وفي عام 1927، أرسل ليمتير نسخة من ورقته البحثية إلى أستاذه آرثر إدنجتون، والذي اقتنع بها على الفور ورأى أنها تقدم حلولًا واقعية تثبت تمدد الكون. وهذا ما جعله يترجمها إلى الإنجليزية، وينشرها في دورية Monthly Notices of the Royal Astronomical Society في 1931.

وعلى الرغم من معارضة إدنجتون وغيره من العلماء لبعض أفكار ورقة ليمتير، مثل أن الكون له نقطة بداية؛ إذ أنهم كانوا يصدقون بأن الكون موجود منذ الأزل، ولم يبدأ من نقطة محددة، إلا أن معظم أفكار ورقة ليمتير البحثية بدأت تلاقي قبولًا واسعًا لم تكن لتحظى به من قبل. [2]

الانفجار العظيم أو البيج بانج!

مثّلت ورقة ليمتير البحثية بذور ما نعرفه اليوم باسم نظرية الانفجار العظيم أو Big Bang Theory. وهي النظرية التي تقبلها معظم العلماء، وما زالوا يتقبلونها. ولكن الطريف في الأمر أن هذا المصطلح صُك من قِبَل أشرس المعارضين لها وهو فريد هويل، الذي نعته ا بالـ Big Bang عام 1950 في أحد اللقاءات للسخرية منها.

وبعد أن كان أحد المعارضين الأساسيين للنظرية، انضم أينشتاين لصف جورج ليمتير، وأبدى إعجابه بنظريته.

إنها أجمل وأكثر التفسيرات المُرضية التي سمعتها في حياتي

أينشتاين عن نظرية ليميتر

تعاون العالمان -أينشتاين وليميتير- في إلقاء سلسلة من المحاضرات لشرح النظرية التي ازداد ثِقلها وانتشرت كما النار في الهشيم. وقدم جورج ليمتير أٌسسًا علمية ما زال معترفًا بها حتى يومنا هذا. كما أجاب لنا عن السؤال الأبدي: كيف بدأ الكون؟ ولم يفقد الأمل في أطروحته التي أصر على منطقية ما جاء بها. وبعد أن كان الجميع يعارضه، لم يجدوا بُدًا من الاقتناع بالأطروحة التي أجابت عن السؤال المؤرق. [3]

المصادر

  1. Britannica
  2. American Museum of Natural History
  3. Catholic Education Resource Center

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


سلاسل

User Avatar

Ahmed Safwat Salah Al-Din

طالب كيمياء، محب للعلوم والبحث العلمي، وكذلك الفن بأشكاله٠


عدد مقالات الكاتب : 28
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : abdalla taha

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق