Ad

ازدهار الممالك الصغيرة

انهارت الدولة السومرية حوالي عام 2004ق.م، فاجتاحت المنطقة فترة فوضى واستمرت ما يقارب القرن. وبدأت إثر ذلك مدن الدول والممالك الصغيرة في شمال البلاد بالتطور والتوسع.[1]

وتميزت تلك الفترة بالصراع المستمر بين الآشوريين والبابليين، وتناوبوا على فرض سيطرتهم. فعرف البابليون مرحلتي ازدهار بينما عرف الآشوريون ثلاث مراحل ازدهار، المرحلة القديمة والوسطى والحديثة. وعلى الرغم من تشابه النمط المعماري بين السومريين والآشوريين ولكننا نستطيع التمييز بينهما. حيث أضاف الآشوريون أساليب جديدة ولمستهم الخاصة على العمارة.

من هم الآشوريون ؟ 4000-612 ق.م

انحدر الآشوريون من الساميين الذين عاشوا في المناطق الشمالية من بلاد الرافدين منذ عام 5000 ق.م تقريبًا. [1]

وسيطرت الإمبراطورية الآشورية على بلاد الرافدين وكل الشرق الأدنى تقريبًا في النصف الأول من الألفية الأولى ق.م. بقيادة سلسلة من الملوك المحاربين الطموحين، ووُصفت الدولة الآشورية بأنها كانت عسكرية وعدوانية للغاية. [2]

انتقلت العواصم الآشورية على التوالي من «آشور-assur» إلى «كالح-kaleh» و«دور شاروكين-dur scharrukin» و«نينوى-niniveh».

عمارة مدينة آشور

تقع آشور على الضفة الغربية لنهر دجلة في شمال العراق. وقد سُكن الموقع الأصلي حوالي عام 2500 ق.م. وتعتبر آشور من الناحية الاستراتيجية أصغر حجمًا وأقل مكانةً من كالح أو نينوى. واستمرت رغم ذلك أهميتها الدينية حتى عام 614ق.م. [3]

واتبع الآشوريون التضاريس الجغرافية عند بناء مدنهم، وهذا يفسر الشكل غير التقليدي لمدينة آشور، حيث كانت على شكل مثلث. [4]

حصّن الآشوريون مدنهم جيدًا كونهم دولة عسكرية، فبنوا سور بطول 4 كم لحماية الجزء الشرقي من المدينة. واعتمدوا على التضاريس الطبيعية في الشمال للحماية حيث الجرف المرتفع وبنوا الميناء. [3]

ووقعت جميع المباني العامة في سلسلة على طول الحافة الشمالية للمدينة. وبني قصر الملك بجانب المعابد والزيقورات كونه الكاهن الرئيسي للإله. وحدّت المباني العامة بأكملها من الجنوب أحياء سكنية، ولم يوجد جدار يفصل بينهم. [4] ويشير تخطيط المدينة إلى الاحترام الصارم لحقوق الملكية وحيازة الأراضي. [3]

عمارة مدينة كالح

تطور التخطيط الحضري لمدينة كالح خلال أكثر من 150عام، وكانت هذه فترة حياتها الكاملة كمركز سياسي للإمبراطورية الآشورية. وتعرف أيضَا باسم نمرود أو كالخو. واعتمد الآشوريون على المنحدر الطبيعي للتضاريس في الجهة الجنوبية من المدينة، وبنوا أبنيتهم العامة فوق المصاطب المرتفعة.

يُعتقد أن أول القلاع تعود للحثيين، ومع ذلك أصبحت القلاع في القرن التاسع ق.م فصاعدًا سمة مميزة للمدن الآشورية. وكانت قلعة كالح متصلة بأسوار المدينة، وأصبح ذلك النمط السائد.

كما اهتم الآشوريون عند تخطيط مدنهم بالمنظر العام الذي يراه الزائرين من بعيد. حيث استطاع الزائر رؤية سلسلة المباني العامة من المعابد والزيقورات بجانب القصر والقلعة. وبرزت أكثر لأنها بنيت بمقاييس أكبر من مباني السومريين إضافةً إلى بنائها على المصاطب.

وتم إدخال بعض الميزات الجديدة في كالح ومنها أول حديقة ملكية حضرية وحديقة حيوان. واحتوت هذه الحدائق على نباتات وحيوانات جلبوها من البلدان المحتلة. وصنع الملك «تغلث فلاسر الأول» أول الحدائق الملكية في نينوى ولكن نسخت في كالح على نطاق أوسع فأخذت أهمية أكبر. [4]

عمارة مدينة دور شاروكين

تأسست مدينة دور شاروكين عام 712 ق.م ولكنها لم تكتمِل عندما مات مؤسسها «سركون الثاني» عام 705 ق.م. فانتقل ابنه «سنحريب» إلى نينوى وهُجرت المدينة، وربما لم تُسكن أبدًا حتى. [5]

وتعرف الآن باسم خورسباد وبنيت على شكل مربع تقريبًا 1766*1675 م وبجدران سميكة 14م وبارتفاع 12 م مما أعطاها هيئة الحصن. وضم السور سبعة أبواب وبُني على جانبي كل باب ثيران مجنحة ذات رؤوس بشرية، وخصص كل باب لإله آشوري. [6] [7]

رسم المختصون شبكة الشوارع من خلال دراسة تموضع البوابات والأحياء السكنية والآثار المتبقية، وكانت الشوارع مستقيمة ومنتظمة. وهيمن القصر أكثر من المعبد في الجزء الشمالي من المدينة وبنيت قلعة وقصر ثانوي في الجزء الجنوبي من المدينة. [4]

رسم منظوري لقصر ومعبد وزيقورة دور شاروكين

القصور الآشورية

قسّم الآشوريين قصورهم إلى قسمين أساسين بواسطة الأفنية. فجَرَت الشؤون العامة في القاعات والفراغات حول الفناء الخارجي والذي عرِف باسم «بابانو». وخصصوا الفناء الداخلي «بيتانو» للوظائف الخاصة، وفصَلَت غرفة العرش بين الفناءين.

وبنيت القصور الآشورية عادة بطابق واحد، ولكن وجِدت بعض الأدلة على قيام الملك ببعض الطقوس الدينية على السطح. وشيدوا القصور عادةً بمحاور منكسرة بينما تحولت في المراحل اللاحقة إلى محاور مباشرة، ويعتقد سبب ذلك هو تأثرها بالقصور البابلية. وفي حالات كثيرة وضِع صفان متوازيان من الحجارة على أرضية غرفة العرش. ويتم دحرجة أداة ذات عجلات فوقها لكي توفر مصدر حرارة للملك. [8]

ومن أبرز القصور قصر دورشاروكين الذي يعرف باسم «قصر من دون منافس». فبُني بأكثر من 200 غرفة و30 قاعة وثلاثة أفنية. [6] وكانت غرفة العرش أكبر الغرف، وارتفع العرش في أحد أطرافها على منصة حجرية. ووجِد في الطرف الآخر غرفة انتظار ودرج حلزوني يؤدي إلى السطح. وغطيّت الجدران الداخلية لغرف القصور الملكية بحجارة عادةً ما تكون منحوتة بمشاهد. وتعد المنحوتات الآشورية أدلة قيمة تساعد على معرفة مظهر المباني حيث عادةً ما تبقى الأجزاء السفلية من الجدران فقط. [8]

ثيران مجنحة وألواح حجرية منحوتة من دور شاروكين. وتتواجد حاليًا في متحف اللوفر

وعثر علماء الآثار في قصر الملك سنحريب في نينوى على جميع مداخل الأفنية. وأحيطت المداخل بثيران مجنحة، ووجدت مشاهد منحوتة على الحجارة حولها. وجاور غرفة العرش حمام مرصوف بالحجارة، واحتوت قاعة الانتظار الكبيرة على ما لا يقل عن 40 شخصًا منحوتًا. [9]

المعابد الآشورية

بنيت المعابد في الفترة الآشورية المتأخرة غالبًا كمعابد ذات فناء مع غرفة هيكل طويلة مع نهج المحور المباشر. وتعتبر غرفة الهيكل طويلة وتحديدًا عندما يقع المذبح في منتصف أحد الجوانب القصيرة من الهيكل. ويتشكل المحور المباشر حينما يوضع المدخل الرئيسي للهيكل على خط مباشر مع المذبح. [8]

الزيقورات بين الآشوريين والبابليين

تغيرت نسب الزيقورات في عهد الآشوريين والبابليين فأصبحت أكثر ارتفاعًا وميلًا ولكن بقي المبدأ نفسه.

وبنيت قاعدة زيقورة مدينة دور شاروكين مربعة الشكل 42×42 م. وتكونت من سبع مصاطب ارتفاعها الفردي 6.1م مما يجعل ارتفاعها الإجمالي 42.7 م، وتناقصت مساحات المصاطب كلما ارتفعنا إلى القمة. وبنوا أدراج حلزونية جانبية. وطُليت المصاطب بالألوان وكانت ألوان المصاطب الأربعة الأولى بيضاء، وسوداء، ووردية، وزرقاء على التوالي. ولا يعرف ألوان المصاطب الأخرى بسبب دمارها. [7]

رسم تصوري لزيقورة مدينة دور شاروكين

المقابر الملكية الآشورية

عثر على مقابر الملوك الآشوريين في غرف تحت الأرض في قصر شمشي أداد في آشور. بينما عثر على مقابر الملكات الآشوريات في الجزء الجنوبي من القصر الشمالي الغربي في كالح. وصنعت القبور بالطوب المشوي وكان لدى البعض أبواب حجرية، وعلى الرغم من دفنهم لثروة هائلة من الذهب والمجوهرات في القبور، كانت غرف القبور نفسها صغيرة ومجهزة فقط بالقليل من الكوات. [8]

بعض سمات العمارة الآشورية

أصبح استخدام الحجر في أساس وبناء المباني شائعًا جدًا بسبب استيراده من المناطق الجبلية في الشمال. واستخدموا الحجر الجيري والمرمر لتغطية الجدران الضخمة ولبناء قواعد الأعمدة وسواكف الأبواب وكذلك لرصف قاعات المباني المهمة.

استخدموا الصخور الصلبة مثل الديوريت والبازلت وغيرها لنحت التماثيل والألواح والمشاهد البارزة. وشيدوا الأعمدة حتى ارتفاع 4 م بالحجر الجيري ووضعوا التاج الحلزوني في نهايتها. وكان مقطع الأعمدة إما مربع أو دائري وبعض الأعمدة مضلعة إما بستة أو ثمانية أضلاع، ونحتوا في القاعدة تماثيل حيوانية. كما حفروا نفق بعمق 25م تحت الأرض لجمع المياه الجوفية. وصنعوا فتحات تهوية فيه على مسافة 42م استخدمت للصيانة ولتنظيف القناة. [7] واستخدموا الشرافات كنهايات علوية للمباني.

وأظهر الآشوريون قدرتهم على تحويل الأراضي الجافة إلى مناطق خصبة. وحققوا ذلك من خلال أعمال البستنة وإنشاء الحدائق النباتية والحيوانية المثيرة للإعجاب. فهكذا كانت العمارة الآشورية وهكذا تميزت عن غيرها، وتركت لنا مدنًا وآثارًا شاهدة على عظمتها.

المصادر

  1. History file
  2. Khan academy
  3. Britannica
  4. Research gate
  5. University of Chicago
  6. Cultural property training resource
  7. Research gate
  8. Silo.tips
  9. Britannica

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تاريخ عمارة

User Avatar

Julie Youssef

مهندسة معمارية، أحب الرسم والقراءة


عدد مقالات الكاتب : 18
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق