Ad

الانتحار السبب الأكثر شيوعًا للوفاة من بعد الحوادث. ويجادل العديد من العلماء في كونه ظاهرة فردية أم اجتماعية. والحقيقة أن ظاهرة الانتحار تتأثر بكلا العوامل الفردية والاجتماعية. لكن يبقى السؤال عن دور الإعلام الذي يؤثر في كافة جوانب حياتنا، فكيف يكون تأثيره في الترويج لظاهرة مثل ظاهرة الانتحار؟

تأثير فيرتر
حقوق الصورة: medium

ما هو تأثير فيرتر؟

تأثير فيرتر هو محاكاة للانتحار بعد انتحار تم الترويج له إعلاميًا، ويؤدي لموجة انتحارات جماعية. يعود أصل المصطلح إلى رواية غوته أحزان الشاب فيرتر التي سميت تيمناً بما حدث بعد انتشار الكتاب من محاكاة للشباب لسلوك شخصية فيرتر.
أول من استخدم مصطلح التأثير هذا علميًا هو ديفيد فيلبس عام 1974، بعد قيامه بدراسة تعد من الدراسات الرائدة حول الانتحار بالمحاكاة. وأثبت أن للإعلام دور كبير في زيادة معدلات الانتحار، ولهذا السبب نشرت منظمة الصحة العالمية مبادئ توجيهية لتحدد لوسائل الإعلام الطريقة الصحيحة للإبلاغ عن الانتحارات حتى لا يكون لها نفس الأثر. [1]

أحزان الشاب فيرتر

عام 1774 نشر الأديب الألماني غوته روايته الرومانسية “أحزان الشاب فيرتر”، التي تروي عبر عدة رسائل كتبها بطل القصة فيرتر. وهو فنان شاب حساس وعاطفي في مقتبل العمر يعشق فتاةً لم تبادله الحب. فيرتر الذي لم يتمكن من إيقاف قلبه عن عشق الفتاة التي كانت مخطوبة لشخص آخر، طور صداقته معها ومع خطيبها. لكن تعلقه الشديد بها لم يمكنه من مواصلة حياته ولم يرَ سبيلًا سوى الانتحار. فقام بإطلاق النار على نفسه ومات تاركًا وراءه خطاب وداع وجد بعد وفاته. [1]

أول انتشار للظاهرة بعد نشر الكتاب:

بعد نشر الكتاب عام 1774 وشيوعه لوحظت أول ظاهرة للانتحار بالمحاكاة. فقام العديد من الشبان بمحاكاة سلوك فيرتر، في الملبس والتفكير، وانتهى الأمر بانتحار العديد منهم بنفس الطريقة. إطلاق النار على نفسهم عند المرور بعلاقات فاشلة كتعبير عن اليأس من الحياة.
أدى هذا الأمر لمنع الكتاب في العديد من البلدان ولأعوام عديدة. ومنها نشأ مفهوم “تأثير فيرتر” في الأدبيات المعاصرة لوصف حالات الانتحار بالمحاكاة بعد الترويج للانتحار إعلاميًا. [1]

الانتحار بالمحاكاة:

المحاكاة أو التقليد نوع من أنواع التعلم الاجتماعي ويعرف بأنه عبارة عن نسخ لسلوك آخر، ومحاكاةً لسلوكه بشكل مباشر أو غير مباشر. والانتحار سلوك قابل للمحاكاة كأي سلوك آخر يمكن محاكاته إذا تم تحفيز الفرد للقيام به. وفي غياب عوامل الحماية فإن الفئات الأكثر هشاشة عاطفيًا هي الأكثر عرضة لمخاطر عدوى الانتحار. وينتشر السلوك خلال نظام مدرسي أو مجتمع ما، أو من حيث موجة انتحار تعقب وفاة المشاهير. أبرز الأمثلة التي ألهمت الناس للانتحار هي حادثة انتحار الموسيقي الأميريكي كورت كوبين والموسيقي الياباني هايد. وتسمى هذه الموجة الانتحارية التي تلي الانتحار المحفز للبقية باسم “العنقود الانتحاري”. [2]

العوامل الديموغرافية والزمنية للانتشار:

بالرغم من أن معظم الأدلة على أن للإعلام دورًا كبيرًا في تشكيل الانتحارات العنقودية “تأثير فيرتر” غير مرضية تمامًا. فمن الصعب المعرفة إن كان المنتحر على دراية بقصة الانتحار المحفز وإن كان هذا ما ألهمه أم هي عوامل أخرى يصعب استنتاجها. لكن يبقى هناك العديد من الأدلة التي يمكن قبولها لرواج هذه الظاهرة. [3]
تحدث هذه الظاهرة غالبًا بعد أيام أو أسابيع من الترويج لخبر الانتحار كموت أحد المشاهير، وفي حالات نادرة قد تستمر أكثر من ذلك. وبحسب نظرية التأثيرات التفاضلية، يميل الأشخاص الذين يقومون بفعل المحاكاة لأن يكونوا من نفس عمر وجنس الشخص الذي قام بالفعل. [4]


معيار العمر في انتشار الظاهرة:

تستجيب الجماهير الشابة مثل المراهقين، والمتقدمين في السن أكثر في حالات الموجات الانتحارية. وتعد هاتان الفئتان الأكثر هشاشة وعرضة للانتحار بعد الترويج له. يميز التحليل البعدي للدراسات المستندة إلى متغير تابع يقيس مخاطر انتحار الشباب من (10 إلى 34 عام) وخطر الانتحار في منتصف العمر بين 35 و64عام، وخطر الانتحار لدى المسنين فوق 65 عام، وجدت أن الفئتين الأولى والأخيرة هم الأكثر عرضة لمحاكاة هذا السلوك. [3]

دور الإعلام في الترويج للانتحار:

تم تأطير التفسيرات في دور الإعلام في الترويج للانتحار من منظور نظرية التعلم الاجتماعي. فيتعلم العديد من الناس أن الانتحار هو وسيلة للتخلص من المشاكل ويقلدون هذا السلوك. وعلاوة على ذلك فإن وجود اضطراب نفسي لدى الشخص يزيد من مخاطر تقليده للسلوك عند سماعه للخبر.
هناك تفسيرات تدور حول عملية التعلم الخاصة بنظرية التعريف التفاضلي. فالناس الذين يشعرون بأنهم معنيون بالقصة وحادثة الانتحار، أو بإمكانهم تخيل نفسه في نفس الظروف يميلون أكثر لمحاكاة السلوك. وهناك مجموعة ثالثة من التفسيرات لا ترتبط بخصائص القصة تحديدًا، وإنما بالعوامل النفسية للجمهور، مثل ارتفاع معدلات الطلاق أو البطالة التي تؤثر على المزاج العام للجماهير وتحفزهم للهروب من واقعهم. [3]

تأثير “باباغينو” المضاد لتأثير فيرتر:

تأثير باباغينو هو التأثير الذي يعاكس تأثير فيرتر. وذلك بقيام وسائل الإعلام بتسليط الضوء على خبر الانتحار ولكن دون تجميله وتحميله المعاني العاطفية، بل بطرح حلول وجعل الخبر توعويًا أكثر من أن يكون محفزًا للانتحار. وباباغينو شخصية من أوبرا القرن الثامن عشر “الفلوت السحري”. عانى من حب من طرف واحد مثل فيرتر، وفكر بالانتحار حتى ساعدته شخصيات أخرى في القصة وقدمت له حلولًا بديلة عن الانتحار. أي حتى لو تضمن الخبر أفكار إيذاء النفس لكنه يمكن أن يكون توعويًا بدلًا من أن يكون تشجيعيًا. [4]
حددت المنظمات العالمية مثل منظمة الصحة العالمية، إرشادات لوسائل الإعلام في طريقة نشر الخبر، تؤكد الإرشادات هذه على اعتبارات مثل الحد من مقدار تغطية الخبر، وتجنب الإثارة في التغطية وحذف المعلومات التفصيلية عن طريقة الانتحار. وكما هو متوقع من نظرية التعلم الاجتماعي فكلما زادت التغطية للخبر كلما ارتفع معدل الانتحارات. [3]
تم تأكيد صحة تأثير باباغينو تجريبيًا لأول مرة عام 2010 من قبل مجموع نمساوية برئاسة توماس نيدركروتينثالر. وأشارت نتائج هذه الدراسة بشكل واضح إلى أن منع انتشار السلوك الانتحاري أمر ممكن وقابل للتطبيق من قبل الإعلام، وذلك عن طريق تقديم طرق لمواجهة أزمات كهذه، توعية حول الأمراض النفسية، أهمية مراجعة طبيب نفسي وما إلى هنالك من أمور تساعد الشخص الذي قد يفكر بالانتحار. [1]

الانتحار كان وما زال من أكثر المواضيع الشائكة والمعقدة، ولكنه من دون شك أكثرها خطرًا. وازدياد سرعة انتشار الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، توعوي من جهة ولكنه قد يكون تحفيزيًأ من جهة أخرى. الأفضل للحفاظ على الصحة النفسية الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي في خضم انتشار خبر عن انتحار أحد المشاهير، والتحكم بما نتابع من أخبار في أي مكان. فالإعلام دائمًا شره لجذب المتابعين بشتى الطرق، حتى لو كانت هذه الطرق ضارة للمشاهد.

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم نفس

User Avatar

Farah Al Hussain

just a curious syrian sociologist


عدد مقالات الكاتب : 28
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق