Ad
هذه المقالة هي الجزء 6 من 9 في سلسلة مدخل إلى فلسفة ما قبل سقراط

بارمنيدس والقفزة الأنطولوجية

بعد أكثر من ألفي عام من قفزة بارمنيدس الأنطولوجية، يتناول هايدغر الوجود كمقولة لم تُفهم قط. إن بارمنيدس يمثل بداية الشك عند هايدغر فيما يخص هوية الوجود، فهي هوية زمانية رغم نفي بارمنيدس لزمانية الوجود. بيد أن تلك القفزة تعد أول مقترب فلسفي نحو تأسيس أصيل للأنطولوجيا. 

لنبي الأنطولوجيا بارمنيدس – بتعبير نيتشه- اقتصاد مثالي ومادي في الوقت ذاته؛ مما يجعل الأساس الفلسفي الملطي في أزمة معرفية. فهو رغم بدايته الفيثاغورية يفتح جبهات مختلفة ضد التراث والأسلاف. في هذا المقال سنسلط الضوء على فلسفة بارمنديس الأنطولوجية وعلاقات الوجود المكثفة مع اللغة والفكر وترسانة المعنى والحقيقة.

عن بارمنيدس

ولد (بارمنيدس- Parmenides) في إيليا في القرن الخامس قبل الميلاد حوالي 451-449 ق.م. يُقال عنه بأنه كان في البداية فيثاغوريًا ومن ثم بعد سنوات طويلة بدأ يثور على فلسفة فيثاغورس, فكون مذهبًا فلسفيًا خاصًا به [1]. بارمنيدز [بارمنيدس] أسس الأنطولوجيا (علم الوجود) عن طريق نظريته عن الوجود الثابت الذي يعبر عنه الفكر[2]. فهو يعد مؤسس المدرسة الإيلية الفلسفية. وفقًا لنيتشه كان بارمنيدس قد عاشر وعرف أناكسيمندرس وتأثر به. ويُقال أيضًا بأنه قد التقى بسقراط وهو في الستين من العمر. في محاورة لأفلاطون يتبين أن سقراط يناقش تلميذ بارمنيدس زينون حول مسألة الكثرة. تعد قصيدة (حول الطبيعة) لبارمنيدس أهم المصادر حول مذهبه الفلسفي الذي يعتبره البعض مذهبًا ماديًا بينما يتهمه آخرون بالمثالية.

المنعطف الإبستمولوجي

يبدو أن التساؤلات الإبستومولوجية كانت حاضرة في الفلسفة الملطية وكذلك عند هيراقليطس وفيثاغورس على نحو أصيل. إن الوجود ما قبل السؤال الفلسفي كان يشترط في معرفته وجود وسيط إلهي؛ وحيًا يُنزل على نبي في حالة التوحيد، أو رمزًا بحاجة لهيرمس في الحالة الوثنية. فالحقيقة كانت محجوبة، لا سبيل إلى معرفتها دون وسيط يقرره إله ما وكأن الوجود غير قابل للفهم بوسيلة إنسانية. الفلسفة الملطية حين أعلنت عن عنصر الوجود ومبدئه كانت بحاجة لبيان طريقتها للوصول إلى ذلك العنصر، وبما أن الدور الإلهي في التفسير كان مستبعدًا من الأساس فكل فيلسوف كان يعول على طريق خاص. منهم من تمسك بوساطة الحواس، ومنهم من ادعى امتلاك العقل للحقيقة والتأويل، أما هيراقليطس فجمع بين الأثنين؛ فالعالم ماثل أمامنا على شكل رموز تدركها الحواس ويفسرها العقل.

رأي بارمنيدس في العقل الوسيلة الوحيد لبلوغ الحقيقة. هذا التطرف العقلاني سينتقل من بعده إلى ديمقريطس ويخيم على معظم التاريخ الفلسفي لفترات طويلة. بين بارمنيدس أنه هناك طريقين لفهم العالم، طريق الحقيقة وطريق الظن. ليمهد الطريق أمام عقلانيته المحضة كان لا بد له من القضاء على مقولات أسلافه الأشهر؛ الحركة، والتغير والصيرورة. إننا نسلم بوجود حركة وصيرورة في الطبيعة/العالم لأننا ندرك العالم بواسطة الحواس. فالتغير والحركة هما أعظم الظواهر التي تظهر أمام الحواس يقينًا، ومن ثَمَّ فإن رفض بارمنيدس للتغير والحركة يعني رفضه للظاهر والمحسوس[3]. فطريق الظن عند بارمنيدس هو المعرفة المظنونة التي تقدمها الحواس.

في المقابل؛ طريق الحقيقة هو طريق العقل في الكشف، فالعقل يتجاوز المحسوس الظاهر الذي نراه يتحرك ويصير نحو الواقع الثابت. إن العقل قادر على إدراك حقيقة الواقع، غير أن حقيقة الواقع الذي يدركه العقل مادية [4]. ومن هناك تكون قفزة بارمنيدس الأنطولوجية في أفق عقلاني صارم.

الوجود عند بارمنيدس

إن مقولة الوجود، كما يقول هايدغر، تأتي في الفلسفة اليونانية على أنها غير قابلة للتعريف، فهي تعني كلية فارغة، أو هي بمعنى الحضور. تحمل هذه المقولة عند بارمنديس طابعًا ميتافيزيقيًا محضًا، فالوجود موجود وحسب، الوجود هو هو، لا معنى لطرح السؤال عن الوجود نفسه في سياق أنطولوجيا بارمنديس. يزعم الفيلسوف الإيلي بأن الوجود لا يكون ولا يفسد، لأنه كلٌ متكامل ووحيد التركيب، ثابت ولا ينتهي.[3]

فهو ينفي عن الوجود كل دلالات الصيرورة والحركة، ذلك لأنه كامل من جميع الجهات مثل كرة مستديرة متساوية الأبعاد من المركز، فهي ليست أكبر أو أصغر من هذا الاتجاه أو ذاك [4]. لذا فإن الوجود ثابت، فهو محدود من حيث المكان. لكن الزمان لا يحده، فهو أزلي، أي كائن على الدوام. كما ينفي الكثرة عن الوجود، على عكس هيراقليطس، فهو يؤمن بوجود واحد لا كثير.

الوجود واللغة والفكر

بالعودة مجددًا إلى فيلسوف الوجود هايدغر. نجد أنه يرفض أن يكون الوجود شيئا زمانيًا بل يربط بين الوجود واللغة. فاللغة بتعبيره هي بيت الوجود وأن اللغة تحدث الوجود. في طرح بارمنيدس الأنطولوجي نجد ذلك الربط الأصيل، فيمثل كلٌ من اللغة والوجود تخومًأ بالنسبة للآخر. يقول بارمنديس: “إنك لا تدري ما ليس بموجود –لأن ذلك مستحيل– بل لا يمكنك أن تنطق به؛ لأنه ما يمكن التفكير فيه وما يجوز وجوده شيء واحد في كلتا الحالتين”، وأيضًا: “إن الشيء الذي يمكن أن يكون موضوعًا للتفكير، هو هو بعينه واحد في كلتا الحالتين, لأنك لن تجد تفكيرًا بغير شيء موجود يدور حوله الكلام”.[5]

فالأسماء/العلامات اللغوية تُطلق على ما هو موجود بالفعل، وما يوجد في اللغة موجود بالضرورة، كما أن المفكر فيه لا يمكن ألا يكون موجودًا. طالما أن الوجود لا ينقسم إلى وحدات زمنية بل يمثل كلية واحدة فلا معنى للماضي أو المستقبل، إذ عندما نتحدث عن شخص ميت فأننا نتحدث عن موجود ما، فالموت لا يلقي بالكائن في اللا وجود/العدم. فكل قول هو قول في الوجود. [6]

اقرأ أيضًا: هيراكليتس واستحالة الهوية

مكانة بارمنيدس

يمثل الفيلسوف الإيلي بارمنيدس مرحلة مهمة في فلسفة ما قبل سقراط، لكونه قد وسع مفهوم وجود العنصر نحو أفق أنطولوجي خاص. يصور الوجود على أنه كروي، واحد ولا يقبل القسمة،كما ينفي عنه صفة الصيرورة والحركة التي سيطرت على التفكير الفلسفي لفترة. يعد بارمنيدس فيلسوفًا شاعرًا، ذلك لأنه قدم فلسفته على شكل قصيدتين؛ قصيدة “حول الطبيعة” وقصيدة “حول التغير”. وهو فيلسوف مادي عقلاني لا يعطي للحواس أي اعتبار معرفي، إنما يربط المعرفة بالتفكير المجرد ويربط الأخير باللغة، لهذا فإن بارمنيدس يمثل القفزة الأنطولوجية الأولى في الفلسفة القديمة.

المصادر

  1. https://www.worldhistory.org/Parmenides/
  2. عبدالغفار مكاوي, لم الفلسفة, ط1, مؤسسة هنداوي, 2020, ص112.
  3. فريدريك كوبلستون, تاريخ الفلسفة المجلد الأول, ترجمة إمام عبدالفتاح إمام, ط1, المشروع القومي للترجمة 2002. ص88.
  4. https://plato.stanford.edu/entries/parmenides/
  5. برتراند راسل, تاريخ الفلسفة الغربية الكتاب الأول, ترجمة زكي نجيب محمود, الهيئة المصرية, 2010, ص99.
  6. https://iep.utm.edu/parmenid/

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


فكر فلسفة

User Avatar

Jaffer Joqy

تجرف الصيرورة كل كينونة وهي على قيد التكوين؛ الهوية غير ممكنة, ولتفادي ملل جريان الحياة البائس أجد في القراءة والترجمة, الشعر على وجه التحديد, بعض الطمأنينة


عدد مقالات الكاتب : 26
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق