Ad

تخيل أنك قادر على التنقل عبر مكان مألوف في عقلك، دون أن تكون هناك فعليًا. يمكنك تذكر التصميم والمناظر والأصوات، كل ذلك من خلال أفكارك الخاصة. أصبح التنقل العقلي باستخدام الخرائط الإدراكية ممكنًا (Cognitive map)، والتمثيلات العقلية لتجاربنا المخزنة في أدمغتنا. حتى الآن، كان يُعتقد أن هذه الخرائط يتم إنشاؤها فقط عندما نتحرك فعليًا عبر الفضاء. لكن دراسة رائدة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا اكتشفت أن هذه الخرائط يتم إنشاؤها وتنشيطها أيضًا عندما نفكر فقط في تسلسل التجارب، دون أي حركة جسدية أو مدخلات حسية.

ولكن كيف يعمل التنقل العقلي؟ وما هي الآثار المترتبة على فهمنا له؟ في هذا التقرير، سنتعمق في العلوم التي تكمن وراء خرائط الإدراك، ونستكشف تاريخ الذاكرة المكانية، ونفصل النتائج الرائدة لهذه الدراسة. سنقوم أيضًا بدراسة التطبيقات المحتملة لهذا البحث وما يعنيه لفهمنا للدماغ البشري.

التنقل العقلي باستخدام الخرائط الإدراكية

كيف تقوم أدمغتنا بإنشاء الخرائط؟

الخرائط الإدراكية هي تمثيلات ذهنية لمحيطنا وتجاربنا وذكرياتنا. إنها طريقة الدماغ لفهم العالم، مما يسمح لنا بالتنقل والتذكر والتعلم من تجاربنا. ولكن كيف تنشأ هذه الخرائط؟ تشير الأبحاث إلى أن الخرائط الإدراكية يتم إنشاؤها من خلال تفاعل معقد بين النشاط العصبي والمدخلات الحسية والخبرة.

موضوعنا اليوم يبدأ من القشرة الشمية الداخلية (entorhinal cortex)، وهي منطقة من الدماغ ترتبط منذ فترة طويلة بالذاكرة المكانية والملاحة. في دراسة رائدة، وجد الباحثون أن القشرة الشمية الداخلية تحتوي على خريطة معرفية للتجارب حتى عندما لا نتحرك جسديًا. ويتم تنشيط هذه الخريطة المعرفية عندما نفكر في تسلسل التجارب، حتى عندما تكون الصور غير مرئية.

تخيل أنك تتصفح سلسلة من الصور باستخدام عصا التحكم. أثناء تنقلك عبر الصور، يقوم دماغك بإنشاء خريطة إدراكية للتسلسل. ولكن ماذا لو كنت لا تتحرك جسديًا، وكنت تفكر ببساطة في التسلسل؟ هل سيستمر دماغك في إنشاء خريطة؟ الجواب نعم. ووجد الباحثون أن القشرة الشمية الداخلية تنشط عندما نتنقل عقليًا عبر التسلسل، حتى بدون أي مدخلات حسية. وهذا يعني أن أدمغتنا قادرة على محاكاة التجارب دون أي حركة جسدية. لذلك، في المرة القادمة التي تحلم فيها بأحلام اليقظة أو تعيد التفكير في ذكرى ما، تذكر أن القشرة الشمية الداخلية لديك تعمل بجد، مما يخلق خريطة إدراكية لتجاربك.

تاريخ موجز للذاكرة المكانية والخرائط الإدراكية

لمفهوم الخرائط الإدراكية تاريخ غني في مجال علم الأعصاب، يعود تاريخه إلى أوائل القرن العشرين. فكرة أن أدمغتنا تخلق تمثيلات ذهنية للمساحات المادية تم اقتراحها لأول مرة من قبل عالم النفس إدوارد تولمان في عام 1948. وقد أرسى عمل تولمان الأساس لفهم كيفية تنقل أدمغتنا عبر المساحات، وكيف نشكل الخرائط الإدراكية لبيئتنا.

في السبعينيات، توصل عالم الأعصاب جون أوكيف وفريقه إلى اكتشاف رائد من شأنه أن يغير مسار أبحاث الخرائط الإدراكية. ووجدوا أن خلايا معينة في الحصين (hippocampus)، وهي منطقة من الدماغ تشارك في تكوين الذاكرة، كانت مسؤولة عن إنشاء خرائط إدراكية للمساحات المادية. ومنذ ذلك الحين، سلطت العديد من الدراسات الضوء على الآليات العصبية الكامنة وراء الذاكرة المكانية والخرائط الإدراكية.

مستقبل التنقل العقلي

بالنسبة للأفراد الذين يعانون من إعاقات حركية، يمكن أن يؤدي هذا البحث إلى تطوير تقنيات مساعدة تمكنهم من التنقل والتفاعل مع بيئتهم بطرق جديدة. تخيل أنك قادر على استكشاف المساحات الافتراضية أو التحكم في الروبوتات بمجرد الأفكار، فاحتمال زيادة الاستقلالية وجودة الحياة هائل.

علاوة على ذلك، يمكن لهذا الاكتشاف أن يحدث ثورة في الطريقة التي نتعلم بها ونتذكر المعلومات. ومن خلال تسخير قوة الخرائط الإدراكية، يمكن تصميم المنصات التعليمية لجعل التعلم أكثر جاذبية وفعالية. يمكن للطلاب التنقل عقليًا عبر خطط الدروس الافتراضية، مما يعزز فهمهم للمفاهيم المعقدة والاحتفاظ بالمعلومات بشكل أكثر فعالية.

وفي مجال الرياضة والأداء، يمكن تحسين تقنيات التدريب العقلي لتعزيز مهارات الرياضيين وقدراتهم على اتخاذ القرار. يمكن للمدربين تصميم تمارين تنقل ذهنية مخصصة لمساعدة اللاعبين على تصور سيناريوهات لعبة معينة والاستعداد لها، مما يمنحهم ميزة تنافسية.

تمتد الاحتمالات إلى عالم علم النفس والصحة العقلية أيضًا. يمكن استخدام الخرائط المعرفية لمساعدة الأفراد على التغلب على الرهاب أو اضطرابات القلق من خلال التنقل العقلي عبر البيئات المحاكاة التي تثير مخاوفهم. وهذا يمكن أن يؤدي إلى علاجات أكثر فعالية وتحسين الصحة العقلية.

المصادر:

Just thinking about a location activates mental maps in the brain / science daily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


طب

User Avatar


عدد مقالات الكاتب : 148
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *