Ad

في المقال السابق من هذه السلسلة قدّمنا لمفهوم جودة البيئة الحضرية، وكيف أنه مفهوم متعدد الأبعاد لتقييم المدن وجودة المعيشة فيها. التفاعلات البيئية-البشرية تأخذ أشكالًا متعددة ولدى البشر قدرة كبيرة على التأقلم مع بيئاتهم وظروفهم. ولكن التأقلم مع تحديات ومتطلبات البيئة مكلّف على المستوى النفسيّ، والظروف البيئية متدنية الجودة تتطلب أكثر مما قد يحتمل ذهن الفرد. اختلال التوازن بين المتطلبات البيئية وقدرات الإنسان على التجاوب معها هو ما يسمّى في علم النفس البيئي بالإجهاد البيئي. [1]

الضغوطات البيئية، أي العوامل البيئية التي تسبب هذا الإجهاد أو الضغط، يمكن أن تكون حادّة (مثل مستوى التلوث والغبار أثناء العلوق في نفق مروريّ) أو مزمنة (مثل السكن بالقرب من ازدحام مروري)، وهو النوع الأكثر خطرًا على البشر. [2] تميل الضغوط البيئية لأن تكون مزمنة في كثيرٍ من الأحيان لعدم مقدرة الأفراد على التخلص منها أو الابتعاد عنها (قد يكون من الصعب على الساكنين بجانب مطار أو تقاطع مزدحم الانتقال لمسكنٍ آخر على سبيل المثال).

مسببات الإجهاد البيئي

يواجه البشر الضغوطات البيئية (بالمعنى الواسع) على الدوام، وتشهد البيئات المدنية والحضرية ضغوطاتٍ بيئيةٍ أكبر بالطبع. وتعتبر أكثر 5 مُحهدات بيئية دراسةً هي الضوضاء، والازدحام، وتدني جودة المساكن، وتدني جودة الحي، والاكتظاظ السكاني.

الضوضاء

تعرّف الضوضاء بانها أصوات غير مرغوب بها، وتتصف عادةً بكونها صاخبة ومتكررة وطويلة الأمد. يلعب المكوّن النفسي من الصوت (أي كونه غير مرغوب فيها أو خارجًا عن السيطرة مثلًا) دورًا هامًا في اعتباره مصدرًا للضوضاء، كما سبق لنا الحديث في مقال سابق عن جودة البيئة الحضرية.

الضوضاء المزمنة قد تتسبب في التوتر الفسيولوجي وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. كما أنها تؤثر سلبًا على التركيز والتحفيز؛ فطلاب المدارس الواقعة في أماكن صاخبة (بالقرب من المطارات مثلًا) يعانون من مستويات تركيز أضعف ومن فقدان الرغبة في العمل والدراسة.

الاكتظاظ

الاكتظاظ هو حالة نفسية تحدث حين يشعر المرء بأن عدد الناس الموجودين في بيئته أكثر مما يفضّل، وتتباين هذه الكثافة السكانية المفضلة بين الأفراد وتختلف باختلاف السياقات الاجتماعية والمكانية (سياق وجيز أو طويل الأمد، نوعية النشاط الحاصل، أو مدى عمومية المكان). يحدّ الاكتظاظ من القدرة على إدارة التفاعلات الاجتماعية.

بالإضافة إلى الآثار الفسيولوجية مثل ارتفاع الضغط والقصور الاجتماعي، فإن الاكتظاظ يؤدي إلى الاجهاد النفسي. فالأفراد الذين يشعرون بالاكتظاظ يعانون من القلق والعصبية والتوتر؛ وقد يصل الحال إلى الانعزال المجتمعي «Social Withdrawal»، ومن علاماتها الحدّ من التواصل البصري والتباعد الاجتماعي والعزوف عن اقامة المحادثات.

جودة المسكن

تواجد عوامل الضوضاء والاكتظاظ في البيوت والمساكن يؤثر سلبًا على جودتها. فالعيش وسط بيئة مكتظة سكانيًا ومليئة بالضوضاء كان له نفس التأثير الفسيولوجي من ارتفاع في نسب الضغط وأمراض القلب. ولكن انخفاض جودة المسكن يؤثر أيضًا على النمو العاطفي والسلوكي والذهني للأطفال كما للبالغين.

تحسين ظروف المعيشة والسكن بالمقابل تؤثر إيجابًا على مستويات السعادة والرضا المعيشي بين السكان. وفي المقال التالي سنعود إلى هذا التأثير أثناء حديثنا عن الارتباط المكانيّ.

جودة الأحياء السكنية

هناك العديد من العوامل المكانية التي تؤثر على جودة الأحياء السكنية وقد تتسبب في الإجهاد؛ مثل جودة الخدمات المتوفرة، وفرص التنزه، والازدحامات المرورية، وتوافر المواصلات، وانعدام الصيانة، وانعدام المراقبة البصرية (توافر أعين لترى وتلاحظ ما يجري بالشارع). تؤثر جودة الحي على شعور السكان بالرضا المعيشي والسعادة كما قد تؤثر عليهم بدنيًا وصحيًا. ومن المنطقي اعتبار الارتفاع الملاحظ في نسب التوتر والإجهاد لدى سكان الأحياء الفقيرة ناجمًا عن تعرضهم للمزيد من الضغوطات والموتّرات البيئية.

الازدحام المروري

تتسبب الازدحامات المرورية في نفس الآثار النفسية والصحيّة. كما أن دراسة سلوكيات السائقين تشير إلى أنه كلما ازداد وقت الازدحامات المرورية وزمن الوصول إلى الهدف، كلما ساءت التفاعلات والعلاقات الاجتماعية مع الأهل في البيت. وهذا ما يسمى بتأثير الامتداد «Spill-over Effect»، والذي أشرنا له سابقًا حيث يتسبب تراكم الموتّرات البيئية في سياقٍ ما بآثارٍ سلبية على سلوك وصحة الفرد في سياقٍ مختلف. يتسع الآن مدار البحث والدراسة بخصوص المرور والازدحامات مع توسع المدن ونموها حول العالم، ولأن الأوقات المقضية في المواصلات تزداد عالميًا. ففي أمريكا مثلًا يقضي المرء في المتوسط زمنًا في المواصلات أكثر مما يقضيه في الإجازات.

الآثار غير المباشرة للضغوطات البيئية

قد تتسبب الضغوطات البيئية بآثار صحية ونفسية أخرى بطرقٍ غير مباشرة. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي ضعف الخدمات وانخفاض جودة الإدارة المحلية إلى عدم توافر محلات غذائية كبيرة توفّر منتجات طازجة وصحية للسكان ما يخل بنظامهم الغذائي والصحيّ. كما أن عدم توافر الخدمات المطلوبة في مسافة قريبة تجعل من الضروري الذهاب إلى أحياء ومناطق أبعد لإنجاز المهمات المنزلية الضرورية، ما يعني المزيد من الجهد والتوتر على المدى البعيد.

الإجهاد البيئي مفهوم مركب، من شقٍ مكانيّ فيزيائي وشقٍ اجتماعي\إداري؛ فتواجد متنزهات أو مرافق عامة لسكان حيٍ ما لا يعني بالضرورة قدرتهم على الاستفادة بها لممارسة الرياضة أو التسوق على سبيل المثال. فعوامل مثل انعدام الصيانة أو غياب الأمن قد تنفّر السكان من استخدام المرافق المتاحة حتى في حال تواجدها. في المقال التالي نتحدث عن البيئات العلاجية وشروط تحققها، وكيف يمكنها أن تحد من أضرار الموتّرات البيئية.

المصادر:
[1] Environmental Stress, in Environmental Psychology: an introduction; Lina Steg and Judith I. M. De Groot.
[2] للمزيد حول آثار التوتر والقلق المزمنين أنصح بكتاب Why Zebras Don't Get Ulcers، أو حوار روبرت سابولسكي حول الموضوع.

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم نفس عمارة

User Avatar

زياد حسنين

كاتب ومعماري، مهتم بالدين والفكر والتاريخ وأشياء كثيرة أخرى.


عدد مقالات الكاتب : 13
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق