Ad

سلسلة (التطور) – مقال (2): الأدلة العملية على الانتقاء الطبيعي

ما الذي يتطلبه الانتقاء الطبيعي ليحدث؟

تحدثنا في المقال السابق عن التطور البيولوجي، وآليه حدوثه بواسطة ما يعرف بالانتقاء أو الإنتخاب الطبيعي، وفي الحقيقة فالأمر بسيط جدًا كما أوضحنا، ما أن تتوفر الشروط الثلاثة التي تحدثنا عنها، ألا وهي: التنوع، والإختيار، وإمكانية توريث هذه الصفة، فإن الإنتخاب الطبيعي يحدث بالفعل وتتطور الكائنات. ولكن قد لا يزال الأمر غامضًا بعض الشئ، وبالتالي فسيكون من الأفضل، أن نقدم مثالًا لحدوث التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي، مثال سهل يمكننا ملاحظته حولنا بسهولة، واحد من الأدلة العملية على الانتقاء الطبيعي.

حلزون الحدائق

من منا لا يعرف الحلزون ؟ هو ذلك الكائن الذي يمكنك ملاحظته يزحف على الجدار ببطء شديد في حديقة منزلك، أو ربما بالقرب من بعض البحيرات. وتعرف بعض تلك الأنواع ب”حلزون الحدائق”، ولعل أشهرها هو الحلزون المعروف «Capea Nemoralis».

ويتميز هذا النوع من الحلزون بتعدد ألوان الدرع الخارجي له، فيمكن أن يكون ورديًا، أصفرًا، أو حتى بنيًا، وبالتالي نكون قد حققنا الشرط الأول لحدوث الانتقاء الطبيعي، هل تتذكره ؟ إنه التنوع. لننتقل مباشرةً إلى الشرط الثالث، ألا وهو إمكانية توريث تلك الصفة أو إنتقالها عبر الأجيال، ويخبرنا علماء الأحياء أن هذه صفة لون الدرع الخارجي للحلزون يتم بالفعل توريثها للأجيال القادمة من كائن الحلزون، وبالتالي فتلك الصفة موجودة في جينات هذا الكائن، وهذه الجينات مسئولة عن ظهور تلك الصفة في كائن الحلزون.

هل يمكن أن يعد حلزون الحدائق مثالًا حيًا على التطور ؟

ويكون بذلك قد تحقق شرطان من الشروط الأساسية لحدوث التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي، ولكن هل يتحقق الشرط الثالث في تلك الحالة؟ هل هناك سبب ما يمكن أن يتسبب في اختيار وإنتقاء لون معين من ألوان الحلزون دونًا عن غيرها من الألوان؟ هل يمكن أن يتحقق الشرط المتبقي ألا وهو الاختيار؟

يقودنا هذا إلى السؤال الأفضل في تلك الحالة، هل يمكن للون الدرع الخارجي للحلزون أن يتسبب في نجاته في بعض الظروف ؟ وهل يمكن أن تكون بعض الألوان أكثر أهمية من غيرها في مسألة حياة الحلزون أو موته ؟

هل يمكن للون الدرع الخارجي للحلزون أحيانًا أن يكون الفارق بين الحياة والموت؟

“بالطبع”. هكذا يجيبنا «Menno schilthuizen»، أستاذ البيولوجيا بجامعة ليدن، “لسببين، أولهما هي درجات الحرارة العالية، ففي موسم الصيف، يمكن للحلزون أن يقضي فترات طويلة فوق النباتات تحت أشعة الشمس والتي يمكن أن تتسبب في رفع درجة حرارته بشكل مضر له.

كذلك فإن الحلزون صاحب الدرع الخارجي ذو اللون الأصفر يمكنه مقاومة الحرارة بشكل أفضل، لأن درعه يقوم بعكس أشعة الشمس الضارة أكثر من نظيره صاحب الدرع ذو اللون البني. ويمكن لذلك أن يكون الفارق بين الحياة والموت للحلزون !”

ولكن، إن كان حقًا اللون الأصفر ذو فائدة عظيمة للحلزون ويمكنه أن يمنح الحلزون فرصة أكبر في الحياة، لم لا ينقرض الحلزون صاحب الدرع ذو اللون البني ؟ أو اللون الوردي؟ لما توجد هذه الأنواع من حلزونات الحدائق طالما أنها تتعرض لا تستطيع عكس حرارة الشمس أو أشعتها الضارة؟

يتبادر هذا السؤال تقريبًا إلى أذهان كل من يقرأون عن نظرية التطور، والسبب أن هذه الألوان أيضًا (البني والوردي) تعد ذات فائدة عظيمة للحلزون ويمكنها أحيانًا أن تنقذ حياته، السر هنا يكمن في كلمة واحدة ألا وهي ( التخفي )!

يتغذى طائر «السماني المغرد-The Song Thrush» على هذا النوع من الحلزونات، فإذا ما رأى هذا الطائر الحلزون فهو يصطاده على الفور ويأكله، وبعض الحلزونات ذات الألوان المميزة يمكنها أن تتخفى بطريقة أفضل من غيرها وبالتالي تتجنب تعرضها للاصطياد، ولكن يعتمد الأمر في النهاية على مكان وجود هذه الحلزونات. ففي الحقول مثلًا أو الأراضي الزراعية ذات الغطاء النباتي الأخضر والأصفر أحيانًا، تتمتع الحلزونات صاحبة الدروع الخارجية، ذات اللون الأصفر بفرصة أكبر في النجاة، بينما تتمتع الحلزونات بنية اللون والوردية بفرصة أكبر في النجاة داخل الغابات الكثيفة والتي تكثر فيها الألوان.

هل يحدث ذلك على بالفعل على أرض الواقع؟

حسنًا، ولكن هل يحدث ذلك بالفعل على أرض الواقع ؟ هل نتوقع أن نعثر على الحلزونات الصفراء بأعداد أكبر في العشب والأراضي الزراعية، بينما سنجد أن الحلزونات البنية والوردية توجد بأعداد كبيرة في الغابات ؟ هل يعتبر ضمن الأدلة العملية على الانتقاء الطبيعي؟

نعم، هذا ما يجب أن تجده بالفعل. وعندما تجد هذه الحلزونات عزيزي القارئ، فيمكنك ساعتها أن ترى الانتقاء الطبيعي يحدث أمام عينيك، لا يتطلب الأمر السفر لآلاف الأميال أو الإنتظار لملايين السنوات حتى ترى آثار الانتقاء الطبيعي، لربما تطلب الأمر التنقل بضع خطوات بين بيئتين مختلفتين والبحث عن بعض أفراد الحلزون لدقائق.

ولكن قد لا يتوفر لدى الجميع ذلك التنوع البيئي أو العديد من أفراد الحلزون ليلاحظ مدى الفرق بينهم، ولنوفر عليك عناء البحث، فقد قام مينو وزميله دكتور «ماورين فان دير زي- Maurijn Van Der Zee» بجامعة ليدن بالبحث بأنفسهم أمام أعيننا في المساق الممتع المقدم على منصة (Coursera) المعروف بـ( Evolution Today) والذي يمكنك مشاهدته بنفسك مجانًا على الموقع، بالبحث عن أفراد الحلزون في العشب وفي الغابات، وما وجدوه كان حقًا مذهلًا، ففي العشب كان أغلب أفراد الحلزون من النوع الأصفر، بينما في الغابات يظهر أفراد الحلزون البنية والوردية بشكل أكبر.

هل يظهر الانتقاء الطبيعي بذلك الوضوح فقط في حيوان الحلزون؟

لا يقتصر الأمر على الحلزون فقط، بل يمكنك مشاهدة أثار التطور، و الكثير من الأدلة العملية على الانتقاء الطبيعي في بيئتك، يمكنك ملاحظة الكائنات التي تغير سلوكها، وبنيتها الجسدية لتتكيف مع طبيعتها وتحافظ على بقائها. ففي المقال القادم، سنحاول عرض المزيد من الأمثلة الحية على الانتقاء الطبيعي والتطور كما أننا سنبين كيف استغل الإنسان هذه الظاهرة لصالحه وأنتج لنا العقاقير والمبيدات وغيرها من الأدوية التي اعتمدت على التطور والانتقاء الطبيعي.

المصادر

Coursera
Whyfiles
انظر أيضًا ما هو الانتقاء الطبيعي؟

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


أحياء حياة

User Avatar

Taher Ismael


عدد مقالات الكاتب : 7
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق