Ad

يسلط تقرير شامل جديد بعنوان “الميزانية العالمية لأكسيد النيتروز (1980-2020)” الضوء على الارتفاع المثير للقلق في انبعاثات أكسيد النيتروز (nitrous-oxide) الناتجة عن الأنشطة البشرية والمصادر الطبيعية. بقيادة باحثين من كلية بوسطن في الولايات المتحدة، كشف الفريق الدولي المكون من 58 عالمًا من 55 منظمة في 15 دولة أن انبعاثات أكسيد النيتروز الناتجة عن الأنشطة البشرية زادت بنسبة 40٪ (3 ملايين طن متري من أكسيد النيتروز سنويًا) في العقود الأربعة الماضية. ويتوج ذلك بتراكم متسارع لهذا الغاز في الغلاف الجوي. ويسلط التقرير الضوء على أن معدلات زيادة أكسيد النيتروز في الغلاف الجوي المرصودة خلال السنوات الثلاث الماضية (2020-2022) كانت أعلى من أي سنة مسجلة سابقة منذ عام 1980، عندما بدأت القياسات الموثوقة. وتعد هذه الزيادة السريعة إشارة واضحة إلى أن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من انبعاثات أكسيد النيتروز والتخفيف من تأثيرها المدمر على البيئة.

تأثير أكسيد النيتروز على طبقة الأوزون

إن أكسيد النيتروز (المعروف باسم غاز الضحك) لديه قدرة على إحداث الاحتباس الحراري أعلى بـ 298 مرة من ثاني أكسيد الكربون على مدى إطار زمني مدته 100 عام. بالإضافة إلى مساهمته في تغير المناخ، يلعب أكسيد النيتروز أيضًا دورًا مهمًا في تدمير طبقة الأوزون الستراتوسفيرية، التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة للشمس.
تخيل طبقة الأوزون كدرع يحمي كوكبنا من أشعة الشمس القاسية. ويعمل أكسيد النيتروز، إلى جانب المواد الأخرى التي تضر بالأوزون، كنوع من “آكل الأوزون”، حيث يكسر ببطء هذا الدرع الحيوي. ونتيجة لذلك، تصبح طبقة الأوزون أرق، مما يسمح لمزيد من الأشعة فوق البنفسجية بالوصول إلى سطح الأرض، وهذا يؤدي إلى زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الجلد، وإعتام عدسة العين، والإضرار بالمحاصيل والنظم البيئية.
عندما نتعمق أكثر في عالم أكسيد النيتروز، يصبح من الواضح أن هذا “القاتل الصامت” أكثر خطورة بكثير مما قد يوحي به مظهره غير المؤذي. وقد أثارت عواقبه البعيدة المدى حاجة ملحة إلى استراتيجيات فعالة لخفض الانبعاثات للتخفيف من آثاره المدمرة.

تاريخ أكسيد النيتروز

يتمتع أكسيد النيتروز، الذي غالبًا ما يتم تجاهله في محادثات المناخ، بتاريخ غني يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر. لقد ظل العلماء يدرسونه لأكثر من قرنين من الزمان، إلا أن مساهماته في تغير المناخ لم تتصدر الواجهة إلا مؤخرًا. لفهم أهمية الزيادة الأخيرة، يجب علينا أن نتعمق في التاريخ المذهل لهذا الغاز.
في القرن التاسع عشر، اكتشف الكيميائيون لأول مرة أكسيد النيتروز كمنتج ثانوي للأنشطة الميكروبية في التربة. وفي وقت لاحق، في أوائل القرن العشرين، أدرك الباحثون أن أكسيد النيتروز كان مكونًا طبيعيًا في الغلاف الجوي للأرض. ومع ذلك، لم يبدأ العلماء في الشك في أن الأنشطة البشرية، وخاصة الزراعة، كانت تغير التوازن الطبيعي لانبعاثاته إلا في السبعينيات.
لننتقل سريعًا إلى الثمانينيات، عندما تم إنشاء مشروع الكربون العالمي لتتبع وفهم تأثير النشاط البشري على انبعاثات الغازات الدفيئة. جمع هذا الجهد التعاوني باحثين دوليين لدراسة التفاعلات المعقدة بين الأنشطة البشرية والأنظمة الطبيعية والغلاف الجوي. وقد مكن النهج الشامل للمشروع العلماء من تحديد مصادر ومصارف أكسيد النيتروز، ورسم صورة أوضح لدوره في تغير المناخ.

الكشف عن مصادر الانبعاثات

إن انبعاثات أكسيد النيتروز الناتجة عن الأنشطة البشرية آخذة في الارتفاع، والمساهم الأكبر في هذه الزيادة هو الإنتاج الزراعي. وقد أدى استخدام الأسمدة النيتروجينية التجارية والنفايات الحيوانية في الأراضي الزراعية إلى انبعاثات كبيرة منه. وفي الواقع، وصلت الانبعاثات الزراعية من أكسيد النيتروز إلى 8 ملايين طن متري في عام 2020، وهو ما يمثل 74% من إجمالي انبعاثات أكسيد النيتروز الناتجة عن الأنشطة البشرية في العقد الماضي.
ولكن لماذا تساهم الزراعة بشكل كبير في الانبعاثات؟ كل ذلك يعود إلى دورة النيتروجين. عندما يتم تطبيق الأسمدة النيتروجينية على المحاصيل، فإنها تتحلل إلى مركبات مختلفة، بما في ذلك أكسيد النيتروز. وتتسارع هذه العملية عندما تتلامس هذه الأسمدة مع الأكسجين، مما يؤدي إلى تكوين أكسيد النيتروز (N2O).
علاوة على ذلك، ساهم الاستخدام المتزايد للنفايات الحيوانية في الأراضي الزراعية أيضًا في ارتفاع انبعاثات هذا الغاز. عندما تتحلل النفايات الحيوانية، فإنها تطلق أكسيد النيتروز في الغلاف الجوي. وهذا لا يلوث الهواء فحسب، بل يلوث مصادر المياه أيضًا، حيث يمكن أن يتسرب جريان المياه السطحية من حقول المزارع والمراعي إلى الأنهار والبحيرات والنظم البيئية الساحلية، مما يؤدي إلى تشكيل “مناطق ميتة” حيث لا يمكن للحياة المائية أن تزدهر. وهذا بدوره يؤثر على النظم البيئية بأكملها والسلاسل الغذائية التي تدعمها. كما يساهم إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وكذلك زراعة المحاصيل المثبتة للنيتروجين، في انبعاثات غازات الدفيئة.
بينما يتصارع العالم مع التهديد المتزايد لتغير المناخ، فإن فهم مصادر انبعاثات أكسيد النيتروز أمر بالغ الأهمية. ومن خلال تسليط الضوء على دور الزراعة والأنشطة البشرية في تحفيز الانبعاثات، يمكننا أن نتخذ الخطوة الأولى نحو الحد من هذه الانبعاثات وتخفيف أسوأ آثار تغير المناخ.

استراتيجيات تقليل انبعاثات أكسيد النيتروز وإنقاذ الكوكب

مع استمرار الارتفاع المثير للقلق في انبعاثات أكسيد النيتروز في تهديد الكوكب، فمن الواضح أن اتخاذ إجراءات فورية ضروري للتخفيف من الأضرار. والخبر السار هو أن الحد من انبعاثات أكسيد النيتروز أصبح في متناول أيدينا، ويبدأ بإجراء تغييرات كبيرة في القطاع الزراعي.
ومن خلال تبني ممارسات محسنة في الزراعة، مثل الاستخدام الفعال للأسمدة النيتروجينية والسماد الحيواني، يمكننا تقليل انبعاثات أكسيد النيتروز وتلوث المياه بشكل كبير. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الزراعة الدقيقة (Precision agriculture)، والتي تنطوي على استخدام التقنيات المتقدمة مثل الطائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار والتصوير عبر الأقمار الصناعية لتحسين إنتاجية المحاصيل وتقليل النفايات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تنفيذ السياسات واللوائح التي تعزز ممارسات الزراعة المستدامة، مثل الزراعة العضوية والحراجة الزراعية (Agroforestry)، يمكن أن يساعد في تقليل انبعاثات أكسيد النيتروز. ويمكن للحكومات والمنظمات الدولية أيضًا تقديم الحوافز والإعانات للمزارعين الذين يتبنون ممارسات صديقة للبيئة.
علاوة على ذلك، فإن الحد من هدر الطعام وتغيير سلوك المستهلك يمكن أن يلعب أيضًا دورًا حاسمًا في التخفيف من انبعاثات أكسيد النيتروز. ومن خلال خفض الطلب على الإنتاج الغذائي الذي يعتمد على استخدام الموارد بكثافة، يصبح بوسعنا خفض كمية الأسمدة النيتروجينية المستخدمة، وبالتالي خفض انبعاثات أكسيد النيتروز.

المصادر:

Significant increase in nitrous-oxide emissions from human activities, jeopardizing climate goals / science daily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


بيئة

User Avatar


عدد مقالات الكاتب : 148
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *