علم نفس

نقد علم النفس التطوري: أبرز الانتقادات والاعتراضات

هذه المقالة هي الجزء 8 من 10 في سلسلة 9 موضوعات في علم النفس التطوري

فرضت نظرية التطور نفسها على صعيد مختلف علوم الأحياء والطب، فدُرست الأعضاء البشرية بحسب وظيفتها التطورية، وقارن الباحثون بين البنية الجسدية البشرية وبنية باقي الثدييات والحيوانات، وقد أضافت هذه الأبحاث الكثير من التفسيرات لفهم وظائف الأجهزة وأمراضها. إلا أن نظرية التطور بقيت خارج دائرة علم النفس طويلًا، حتى نشأ مجال علم النفس التطوري في أواخر الثمانينيات.

يعتبر علم النفس التطوري علمًا حديثًا نسبيًا، وهو يهدف إلى تفسير السلوكيات والقدرات المعرفية البشرية من منظور تطوّري. لكنّه واجه وما زال يواجه الكثير من الانتقادات والاعتراضات من باحثين في مجالات علمية من جهة، ومن ناشطين سياسيين واجتماعيين ودينيين من جهة أخرى. فما هي أبرز الحجج في نقد علم النفس التطوري ؟

صعوبة اختبار نظريات علم النفس التطوري

بحسب علم النفس التطوري، يشكّل العصر الحجري القسم الأكبر من التاريخ التطوري للبشر، وبالتالي فإن دماغنا الحالي ناتج عن مجموعة من عمليات التطور في ذاك العصر. عاش أسلافنا في قبائل صيد في السافانا لزمن طويل، ويعتبر الباحثون في علم النفس التطوري أن هذه البيئة هي بيئة التكيف التطورية التي تطور دماغنا ليحل مشاكل الحياة فيها. لكن إلى أي مدى يمكن دراسة تفاصيل الحياة البشرية في هذه البيئة وهذا العصر؟

غالبًا ما يعتمد علماء النفس التطوري دلائل علوم الآثار والتاريخ لفهم طبيعة بيئة التكيّف، وهم يطرحون نظرياتهم بناءً على هذه الدلائل. لكن الصعوبة تكمن في فهم الخصائص العقلية الحالية في ضوء البيئة التطورية، خصوصًا أنه من المستحيل محاكاتها. ومن هنا، يصبح طرح النظريات حول الأصول التطورية للوظائف العقلية صعب وغير متين، وتكون هذه النظريات غير قابلة دائمًا للاختبار. بالإضافة إلى ذلك، عندما يقود علماء النفس التطوري دراسات ميدانية وتكون النتائج غير مثبتة لنظرياتهم، يعتبرون أن الدراسات الميدانية غير كافية لدحض النظريات، وذلك بسبب الفروقات الكبيرة بين البيئة التطورية والبيئة الحالية، في حين يستخدمون نتائج الدراسات الميدانية كدليل حين تتوافق مع النظريات.

في المقابل، يرد علماء النفس التطوري على هذه الاعتراضات بأنهم مُعترفين بصعوبة اختبار النظريات، لكنها ليست مهمة مستحيلة. فهم يعتمدون فقط الدلائل المؤكدة من بيئة العصر الحجري ويبنون النظريات على أساسها. كما أنهم يؤكدون أن اختبار نظريات علم النفس التطوري يمر بالمراحل نفسها التي تُجرى لاختبار نظريات علم النفس في مجالاته المختلفة.

النهج الاختزالي في علم النفس التطوري

واجهت العديد من العلوم الاجتماعية والنفسية الاعتراضات بسبب اعتبارها اختزالية، أي أنها تفسّر عمليات شديدة التعقيد بشكل مختزل. رغم أن الاختزال (Reductionism) هو استراتيجية ضرورية لفهم الظواهر المعقّدة في معظم الحقول العلمية، إلا أن الاعتراض على علم النفس التطوري يقوم على اعتباره يدرس التطوّر كسبب وحيد لمعظم السلوكيات البشرية, وهو بالتالي يُهمل تأثير عوامل أخرى كالتنشئة الاجتماعية والتراكمات الثقافية وغيرها.

التمركز حول النوع البشري

رغم أهمية الدراسات النفسية التطورية في النوع البشري، إلا أننا نشترك أسلافًا مع حيوانات أخرى خصوصًا القردة العليا والثدييات. ويعتبر العديد من الباحثين أن بعض سلوكياتنا مشتركة بيننا وبين حيوانات أخرى. لذلك فإن الدراسات النفسية المتمحورة حول حيوانات أخرى قد تكون مفيدة للغاية لفهم الفروقات بين الدماغ البشري وأدمغة غيره من الحيوانات، وبالتالي فهم الأصول التطورية للخصائص العقلية بشكل أعمق.

ما زالت أبحاث علم النفس التطور مُتمحورة بشكل أساسي على البشر، ممّا قد يعيق فهمنا للكثير من الأصول النفسية التطورية ويخفف من إنتاجية هذا المجال.

Related Post

نمطية العقل الشاملة

تبنّى علماء النفس التطوري نظرية “نمطية العقل الشاملة – Massive modularity of mind” وهي النظرية التي تعتبر أن الدماغ يتألف من وحدات دماغية مختلفة، ولكل منها وظيفة معينة طوّرتها استجابةً لضغوط الانتخاب.

في المقابل، تتعارض هذه النظرية مع نظريات علم النفس التعليمي والعديد من العلوم العصبية التي تعتبر الدماغ كجهاز قابل للاستخدام العام (General purpose learning device) نتيجةً للمرونة العصبية التي يتميز بها. بحسب الباحثة في العلوم المعرفية العصبية “كارميلوف سميث -Karmiloff Smith”، الدراسات الميدانية لا تتفق مع نظرية النمطية الشاملة، وتعتبر أن تخصّص الوحدات الدماغية قد يكون ناتجًا عن نمو الطفل وتحفيزه لقدرات معينة.

رغم الانتقادات العلمية المشروعة لنظريات واستراتيجيات علم النفس التطوري، إلا أن هذا المجال العلمي فتح آفاقًا كبيرة ومهمة لدراسة القدرات المعرفية والاضطرابات النفسية والسلوكيات البشرية من منظور تطوري. ويتفق الباحثون في هذا المجال، حتى المعترضين منهم، أنه ليس من الممكن إهمال الأصول التطورية للظواهر النفسية.

Author: Riham Hamadeh

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Riham Hamadeh

Share
Published by
Riham Hamadeh

Recent Posts

ثورة المعرفة في مصر 2025: كيف جعل بنك المعرفة المصري “اقتصاد المعرفة” حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟

بنك المعرفة المصري يتحول إلى "منصة دولية" ويقود قاطرة البحث العلمي العربي. في قلب التحولات…

3 أيام ago

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

أسبوع واحد ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

أسبوع واحد ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

أسبوعين ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

أسبوعين ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوعين ago