منطق

«نصل أوكام-occam’s Razor»: عندما يكون أفضل الطرق أقصرها

● ما هو نصل أوكام؟

يستخدم مبدأ «نصل أوكام-occam’s Razor» المعروف أيضاً ب «مبدأ التقتير-Principle of Parsimony» على نطاق واسع في العلم والفلسفة كوسيلة منطقية للاستدلال على المعرفة، حيث يدل ببساطة على تفضيل النظريات ذات الكينونات والمبادئ الأقل عن غيرها كمنهج تعليلي للظواهر.

تُنسب تسميته إلى الفيلسوف واللاهوتي الانكليزي «ويليام الأوكامي-William of ockham’s»
(1287-1347A.C) ‏الذي نص في كتاباته حرفياً على “ضرورة أن لا تتكاثر أو تتعدد الكينونات دون ضرورة”. [1][5] وبعبارة أخرى كما صاغها واستخدمها ابن خلدون في مقدمته “الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأعوص والأبعد”. [2]

● على أرض الواقع:

هذا ما يتم تطبيقه حقيقةً اليوم في العلم، إذا ما قُورنت نظريتان تفسران نفس الظاهرة بدقة، فإن النظرية التي تعتمد على كينونات أقل لتفسير الموجودات هي التي تُعتمد كتفسير للظاهرة. [1]

لعب هذا المبدأ دوراً هاماً في نجاح وتدعيم التفسير العلمي للطبيعة منذ العصور الوسطى وحتى الآن، إذ أن البساطة الشاملة هي أحد أهم العوامل التي تؤدي إلى تفسيرات أفضل كلما تم تقديم أدلة جديدة حول مشاهدة ما؛ دون الحاجة لافتراض عوامل زائدة التعقيد. [1]

من السهل اختبار صحة نصل أوكام من حيث المبدأ بالتجربة؛ إذ أنه ينص على أن «التفسيرات الأبسط أفضل في العادة من التفسيرات المعقدة طالما كانت جميع العوامل الأخرى متساوية»، عن طريق المقارنة التاريخية بين النظريات التي اعُتمدت و كانت تقدم نتائج صحيحة، نلاحظ عندئذ أن النظريات الأبسط هي الأنجع. [1][5]

● تطبيقات المبدأ:

في العلم:

كتطبيق على هذا في حقل العلم؛ تعتبر ظاهرة تشكل البرق مثالاً جيداً، حيث كان الاعتقاد السائد في الميثيولوجيا الاسكندنافية قبل ظهور التفسيرات الحديثة هو أن «ثور-Thor» إله الرعد يضرب بمطرقته السحب مشكلاً البرق لأنه غاضب، تبين لاحقاً أن الظاهرة تفسر بدقة بتفريغ مفاجئ لمناطق ضمن الغلاف الجوي، كان هذا أبسط من التفسير الاسكندنافي الميتافيزيقي، لأنه لم يحتاج لافتراض وجود آلهة غاضبة أو قرع مطرقة عملاقة في السماء.

Related Post

في الفلسفة:

مع بداية القرن العشرين، اكتسبت التعليلات المعرفية القائمة على الاستقراء، والمنطق، والبراغماتية، وعلم الاحتمالات بصفة خاصة شهرة أكبر في أوساط الفلاسفة فوجب استخدام المبدأ.

لا يوجد خلاف حول جدوى مبدأ نصل أوكام في الفلسفة، لكن غالباً ما يثار الجدل عند تطبيقه، فعلى سبيل المثال: رأى أنصار المذهب السلوكي في فلسفة الذهن أنه يمكن تفسير اللغة والسلوك دون الرجوع إلى الحالات الذهنية التي يختبرها الفرد، كالأفكار والمشاعر والنوايا والأحاسيس، فتطبيق «نصل أوكام-occam’s Razor» ينفي وجود هذه الحالات الذهنية، لأنها لا تقوم بأي دور في تفسير أفعالنا؛ لأنها مجرد نتائج جانبية مصاحبة للعمليات المادية التي تحدث في أدمغتنا، وتجعلنا نتصرف بصورةٍ معينة، لإنكار وجود كينونات أو حالات محددة؛ بل إنه يعمل على التمييز بين الحالات التي تقوم بدور في التفسير والحالات الأخرى التي لا تقوم بدورٍ مماثل، وهنا فإن تطبيق المبدأ يعد أمراً جيداً إذا ما تم التفريق بين ما يعد تفسيراً بسيطاً وتفسيراً تبسيطياً مخلاً. [3]

● كيف نتجنب الخلط؟

يجب التأكيد نهايةً على ضرورة عدم الوقوع في خطأ التشويش بين الحاجة إلى تفسيرات معقدة أحياناً والبساطة الشديدة، لكن من الأجدى تقديم التفسيرات البسيطة قبل التصورات الأكثر تعقيداً لحدث ما؛ قبل إفتراض كينونات إضافية تغطي الظاهرة المدروسة، بصياغة أخرى (النظريات الأبسط تفضَّل دوماً على النظريات الأعقد دون داعِ). [4][5]

المصادر

[1] Stanford Encyclopedia of Philosophy
[2] ابن خلدون – المقدمة
[3] Baggini, Julian. Fosl, Peter. The philosopher’s toolkit: A compendium of philosophical concepts and methods, 2nd ed. New York: Wiley-Blackwell; 2010. 209-210 p.
[4] University of Nottingham. Baron, Sam; Tallant, Jonathan
Do not revise Ockham’s razor without necessity

[5] Technische Universitaet Muenchen
Cognitive Systems, vol. 7, no. 2 (2009) 133-138Arcisstr. 21, D-80333 Muenchen, Germany

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Muhammad Al Khallaf

Share
Published by
Muhammad Al Khallaf

Recent Posts

في محراب المجهول: هل أصبحت “الأطباق الطائرة” أحافير تكنولوجية في أرشيفاتنا السرية؟

بقلم: د. طارق قابيل هل تساءلت يوماً وأنت ترقب النجوم في ليلة صافية، عما إذا…

شهرين ago

حراب الجينوم مقابل “أصنام” نظام الطيبات: هل نأكل وفق “كود” الخالق أم أهواء البشر؟

بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…

شهرين ago

وداعاً لرائد عصر الجينوم.. كريج فينتر ملك الجينات الأسطورة التي غيرت المناهج الدراسية والخرائط الجينية للأبد

من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…

شهرين ago

التحريف العلمي ومقامرة “الطيبات”: خريطة طريق للتواصل العلمي الرصين في مواجهة زيف الخرافة

بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…

شهرين ago

ثورة التحرير الجيني في مصر: تعزيز القدرات الوطنية من أجل أمن غذائي مستدام

إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…

شهرين ago

“كتاب الحياة”: العلم يثبت الاستمرارية البيولوجية للأمة المصرية في ملتقى أكاديمية البحث العلمي

في تظاهرة علمية وثقافية رفيعة المستوى، شهدت أروقة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا حلقة نقاشية استثنائية،…

شهرين ago