أحياء

نجاح علماء في تخزين الجينوم البشري في بلورة خماسية الأبعاد!

في إنجاز رائد، نجح العلماء في مركز أبحاث الإلكترونيات الضوئية بجامعة ساوثهامبتون في تخزين الجينوم البشري بأكمله في “بلورة ذاكرة خماسية الأبعاد” (5D memory crystal). يمكن أن يكون هذا الاختراع الرائع بمثابة مخطط لإحياء البشرية في حالة انقراضها. حيث أن البلورة قادرة على استيعاب ما يصل إلى 360 تيرابايت من المعلومات لمليارات السنين.

كما يمكنها تحمل الظروف القاسية مثل التجمد والحرائق والصدمات المباشرة والإشعاع الكوني ودرجات حرارة تصل إلى 1000 درجة مئوية. وقد فتح الفريق بقيادة البروفيسور بيتر كازانسكي، إمكانيات جديدة للحفاظ على المعلومات الجينومية للكائنات المعقدة مثل النباتات والحيوانات. ولكن كيف حققوا هذا الإنجاز الرائع، وما هي الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف؟

تتميز البلورة بمفتاح بصري يهدف إلى شرح ما تحتويه لمن يجدها. مصدر الصورة: https://www.southampton.ac.uk/news/2024/09/human-genome-stored-on-everlasting-memory-crystal-.page

فهم الجينوم البشري

الجينوم البشري هو لغز معقد يحتوي على أكثر من 3 مليارات قطعة تشكل المخطط المعقد للحياة. حيث يحتوي هذا المخطط على تعليمات خلق الحياة والحفاظ عليها، ويتكون من الحمض النووي، وهو جزيء مزدوج يلتف في الكروموسومات. إن الجينوم البشري يشبه مكتبة ضخمة تضم أكثر من 20 ألف جين، ولكل منها مجموعة التعليمات الخاصة به.

لفهم الموضوع بشكل أوضح، إذا قمت بكشف الحمض النووي في خلية بشرية واحدة، فسوف يمتد طوله حوالي 183سم، لكنه معبأ في نواة صغيرة يبلغ قطرها حوالي 0.0004 بوصة فقط. هذا الهيكل المعقد هو ما يجعلنا ما نحن عليه، فهو يتحكم في كل شيء بدءًا من لون أعيننا وحتى قابليتنا للإصابة بأمراض معينة.

يعد فهم الجينوم البشري أمرًا بالغ الأهمية لتطوير الأبحاث الطبية وعلاج الأمراض. ومع التقدم في تسلسل الحمض النووي وتحليله، تمكن العلماء من فك الشفرة الوراثية، مما سمح لنا بفهم تعقيدات البيولوجيا البشرية بشكل أفضل. وقد أدى هذا إلى اكتشافات في مجالات مثل الهندسة الوراثية، والعلاج الجيني، وحتى البيولوجيا الاصطناعية.

ومع ذلك، فإن الجينوم البشري ليس مجرد مجموعة ثابتة من التعليمات؛ حيث أنه كيان ديناميكي عرضة للتغيرات والطفرات. ويمكن أن يكون لهذه التغييرات عواقب وخيمة، بدءًا من التأثير على استجابتنا للعوامل البيئية وحتى زيادة خطر الإصابة بأمراض معينة.

بلورة الذاكرة خماسية الأبعاد

استخدم العلماء في مركز أبحاث الإلكترونيات الضوئية بجامعة ساوثهامبتون أشعة ليزر فائقة السرعة لتسجيل بيانات الجينوم البشري في فراغات صغيرة يصل حجمها إلى 20 نانومتر على البلورة. ولكن ما الذي يجعل هذه البلورة مميزة جدًا؟ تكمن الإجابة في خصائصها الفريدة التي تمكنها من تخزين كميات هائلة من البيانات في خمسة أبعاد مختلفة لبنيتها النانوية، الارتفاع والطول والعرض والاتجاه والموضع.

Related Post
عملية تصنيع البلورة خماسية الأبعاد


لنقل أن هناك رقعة شطرنج ثلاثية الأبعاد حيث تمثل كل قطعة جزء واحد من البيانات. الآن، تخيل بُعدًا رابعًا حيث يمكن لكل قطعة أن تتحرك وتغير شكلها، وبعدًا خامسًا حيث يمكن التلاعب برقعة الشطرنج بأكملها وإعادة ترتيبها. وهذا هو ما تفعله بلورة الذاكرة خماسية الأبعاد، مما يسمح لها بتخزين كمية هائلة من البيانات في مساحة صغيرة بشكل ملحوظ.

يسمح هيكل البلورة بتخزين ما يصل إلى 360 تيرابايت من المعلومات، أي ما يعادل سعة تخزين حوالي 200000 قرص DVD. وهذا يعني أن الجينوم البشري بأكمله، الذي يضم أكثر من 3.2 مليار زوج أساسي من الحمض النووي، يمكن تخزينه على بلورة واحدة. علاوة على ذلك، تضمن متانة البلورة بقاء البيانات سليمة لمليارات السنين، حتى في الظروف القاسية. في الواقع، لقد تم منحها موسوعة غينيس للأرقام القياسية عن “مواد التخزين الرقمية الأكثر متانة” في عام 2014.

التأثير المحتمل لبلورات الذاكرة خماسية الأبعاد

يمكن أن يتم تخزين الجينوم البشري بأكمله، جنبًا إلى جنب مع مخططات الأنواع الأخرى، بأمان في بلورة يمكنها تحمل اختبار الزمن والظروف القاسية. وهذا قد يعني أنه حتى لو واجهت البشرية خطر الانقراض، فإن إمكانية إحياء جنسنا البشري أو إعادة بناء النظم البيئية من الصفر يمكن أن تصبح حقيقة واقعة.

الآثار عميقة. باستخدام هذه التكنولوجيا، يمكننا إنشاء “بوليصة تأمين” لبقاء الحياة على الأرض. ومن خلال تخزين المعلومات الجينية للأنواع المهددة بالانقراض، يمكننا إعادتها إلى الحياة في المستقبل، والحفاظ على التنوع البيولوجي الغني لكوكبنا.

علاوة على ذلك، يمكن أن تكون بلورة الذاكرة خماسية الأبعاد أيضًا بمثابة كبسولة زمنية، مما يسمح للأجيال القادمة بالتعلم من ماضينا، وربما حتى التواصل مع حضارات من عوالم أخرى. المفتاح المرئي المنقوش على البلورة، والذي يوفر دليلاً لقراءة البيانات، يمكن أن يصبح بمثابة حجر رشيد لفهم لغة الماضي.

وفي حين لا تزال هناك العديد من الأسئلة التي يتعين الإجابة عليها، مثل كيفية قراءة البلورة في المستقبل، فإن إمكانات هذه التكنولوجيا مثيرة بلا شك.

المصدر

Scientists store entire human genome on ‘memory crystal’ that could survive billions of years | cnn

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

قراءة علمية في ألغاز الاختفاء الغامض: لماذا تختفي ألمع العقول في المختبرات الحيوية الأمريكية؟

هل أصبحت أبحاث "الأجسام الطائرة" والذكاء غير البشري لعنة على أصحابها؟ لطالما كان العلماء هم…

11 ساعة ago

زلزال في محراب البيولوجيا التطورية.. كيف كشف باحثون خدعة إحصائية تعيد النظر في قواعد “التطور الجنيني”

تصحيح مسار التاريخ البيولوجي.. كيف كشف "الخلل الرياضي" أسرار نمو الكائنات؟ منذ أن وضع داروين…

يومين ago

بكتيريا “الزومبي” واختراق حدود المستحيل: هل نجح العلماء في فك شفرة إعادة إحياء الحياة اصطناعياً؟

تراتيل الحياة من بين ركام العدم في غمرة السعي البشري الحثيث لفك طلاسم الوجود، تطل…

5 أيام ago

“مصريبيثيكس موغراينسيس”: ثورة علمية مصرية تعيد رسم شجرة عائلة القردة العليا وتكشف أسرار الماضي السحيق

حينما تستنطق رمال مصر صمت التاريخ في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تلتقي زرقة السماء…

6 أيام ago

نهاية “الخلود” الجيني: دراسة يابانية تفك شفرة الانهيار البيولوجي وتكشف الحدود الحتمية لاستنساخ الثدييات

منذ تلك اللحظة التاريخية في عام 1996، حين أعلن العالم "إيان ويلموت" عن ولادة النعجة…

أسبوع واحد ago

لمحة عن الحضارة الصينية القديمة

تُعد الحضارة الصينية من أقدم وأغنى الحضارات في تاريخ البشرية، اذ تمتد جذورها إلى آلاف…

أسبوع واحد ago