مملكة غرناطة
إنَّ الحضارة الأندلسيَّة تميَّزت دائماً ببصمتها الخاصَّة وكونيَّتها وتفرُّدها، وقد شهد العالم كلُّه ذلك من خلال الآثار الباقية؛ سواءٌ المادِّيَّة منها أم السلوكيَّة، والتي ما زالت راسخةً في أذهان وعادات الشعوب التي تماسَّت مع حضارة الأندلس. وفي المقال التالي نحن بصدد التعرف على أحد أهم ممالك الأندلس وهي مملكة غرناطة الأندلسية.
محتويات المقال :
تقع مملكة غرناطة في جنوب مدينة مدريد (عاصمة أسبانيا حالياً). وهي إحدى ولايات الجنوب الأسباني وتطل على البحر المتوسط من الجنوب وتطل على نهر شنيل وبساتين قصور الحمراء وتلها العالي. وكما أنها تعلو قرابة (669) متر فوق سطح البحر مما جعل مناخها غاية في اللطف والجمال. ومنه اشتق اسمها، حيث تعني كلمة غرناطة عند عجم الأندلس “رمتنة” وذلك لحسنها وجمالها.
تأسست مملكة غرناطة في موضع مدينة رومانية صغيرة تعرف باسم أليبيري. وطوال التاريخ الروماني بأسره لم يكن لهذه المدينة ذكر كبير. فقد يرجع ازدهار المدينة وعظمتها إلى أسرة بني الأحمر بعد أن دخلها محمد بن يوسف بن نصر استجابة لدعوة أهلها عام 635هـ / 1238 م لحمايتهم من الصليبيين ومنذ ذلك الحين أصبحت غرناطة عاصمة لمملكة بني الأحمر.[1]
تمتعت غرناطة بمجتمع متنوع ومتعدد الثقافات والأديان، بما في ذلك مسلمين ومسيحيين ويهود. ولذلك كانت تعد من أهم المدن الأندلسية التي تميزت بالتسامح والتعايش السلمي بين الأديان المختلفة. كما بوجه عام تبدو من الخارج بسيطة متشابهة ويغلب على جدرانها اللون الأبيض.[2]
ولكنها بالمقابل غنية من الداخل إذ يظهر السخاء في زخرفة السقوف، واهتمام الأندلسيين بتزيين البيوت يعبّر عن ميلهم إلى الزخرفة الدقيقة، فمنذ القرن الثالث عشر للميلاد/السابع الهجري بدأوا يرصفون البيوت بالخزف، والمربعات الخزفية حلت في عهد بني الأحمر مكان الرخام في زخرفة البيوت.[3]
وجد العديد من الملوك الذين حكموا مملكة غرناطة نستعرض فيما يلي أشهرهم وهو عبد الرحمن الداخل الذي تلقب بـ الناصر، فقد دخل الأندلس وهي تتأجج بالنزاعات القبلية والتمردات على الولاة حيث قضى عبد الرحمن في فترة حكمه، التي استمرت 33 عامًا، في إخماد الثورات المتكررة على حكمه في شتى أرجاء الأندلس، تاركاً لخلفائه إمارة استمرت لنحو ثلاثة قرون.
ويأتي بعده عبد الرحمن الناصر الذي حكم من عام 912 إلى عام 961، يمثل عهده النهضة التي وصلتها الدولة الاموية. وبهذا حافظ على حدود الدولة الخارجية عن طريق تحقيق انتصارات عسكرية على الممالك المسيحية المجاورة في الشمال. وأخيراً أبو عبد الله محمد الصغير الذي كان آخر ملوك غرناطة، وحكم من عام 1482 إلى عام 1492، وشهد حكمه سقوط غرناطة بيد الملوك الكاثوليك الإسبان.[5]
تمتعت الحياة الاقتصادية في مملكة غرناطة بالتقدم والازدهار حيث تعدد المُنتجات الزراعية والصناعية وطرق وأساليب الري والعلاقات التجارية الناجحة مع البلدان القريبة والبعيدة. والتي أدت بدورها إلى نشاطات اقتصادية مُتشابكة كانت بحاجة إلى ضبط القوانين وتنظيم العلاقات وتعيين الحقوق والواجبات.
فقد كان على مملكة غرناطة إبرام العديد من المُعاهدات التي تضمنت في بنودها النشاط الاقتصادي مع الممالك والدول. وكان من بين هذه المعاهدات تلك التي كانت بين غرناطة وأرغون . كما عقدت مملكة غرناطة مع نظيراتها بعض الجمهوريات التجارية والإمارات الإيطالية مثل جنوة وفلورنسا لأجل الحصول على مُنتجات الشمال الأفريقي. وخاصةً الأصباغ والأصواق والحبوب، فيما كانوا يبيعون بالمقابل الحرير الأندلسي والخشب.[4]
تميزت مملكة غرناطة بأبرز آثار العهد الإسلامي، ومن بينهم قصر الحمراء الذي بني في عهد محمد الأول بن يوسف بن نصر “الأحمر” الملقب بالغالب بالله، إذ اندرج ضمن مواقع التراث العالمي من قبل اليونسكو عام 1984 متضمنة حدائق ملحقة بالقصر. وهي مكان استجمام وراحة أمراء غرناطة المسلمين عندما كانوا يريدون الفرار من ملل الحياة الرسمية في القصر.[2]
وبهذا كانت تقع في موقع يسمح برؤيتها من جميع أنحاء المدينة. حيث تم بناء القصر والحدائق على طراز بنو الأحمر في عهد محمد الثالث، وتم إعادة تصميمها بعد فترة وجيزة من قبل أبو الوليد إسماعيل. وهي الآن من أكثر الأماكن جذبًا للسياح في غرناطة. بالإضافة إلى ذلك يضم القصر في مملكة غرناطة العديد من الأقسام والصالات والمآذن والقباب، ومن أهم هذه الأقسام:
بهو البركة وهو القسم الرئيسي في القصر، ويتميز بوجود بركة ماء وسطه، ويحيط به العديد من الأروقة والصالات والمعالم الأخرى. وإلى جانبه قاعة الأختين وتقع في شرق بهو البركة، وعرفت بهذا الاسم لأن أرضها تحتوي على قطعتين من الرخام متساويتين وضخمتين.
وبالإضافة إلى ذلك قاعة الملوك وهي القاعة الرئيسية في القصر، وتتميز بجدرانها الزخرفية والملونة والتي تحتوي على العديد من النقوش والرسومات الإسلامية. وأخيراً لدينا قصر الخليفة وهو الجزء الأكثر خصوصية في القصر. ويضم العديد من الغرف والصالات والمعالم الأخرى، ويتميز بتصميمه الفريد والزخارف الجميلة. [3]
بُنيت كاتدرائية غرناطة فوق مسجد غرناطة الشهير الذي بناه بنو الأحمر وسط المدينة. حيث بدأت أعمال البناء فيه أثناء عصر النهضة الإسباني في أوائل القرن السادس عشر. وبعد فترة وجيزة من سقوط غرناطة بيد الملكان الكاثوليكيان (فرناندو الثاني وإيزابيلا) تم تكليف خوان جيل دي هونتانون وإنريكي إيجاس بأعمال البناء.[5]
تميزت زخارف قصر الحمراء بالتنوع والتعقيد، وتشمل العديد من الأشكال والرموز الإسلامية والعربية. وتتضمن هذه الزخارف النقوش الخطية بأنواعها، مثل الخط النسخ والخط الكوفي، والتي تم نسخها بأسلوب المرآة المعكوسة، بمعنى أن الكلمة نفسها كتبت تارةً من اليمين وأخرى من اليسار.
فقد تم نقش العديد من القصائد الشعرية على جدران القصر، بما في ذلك قصائد لشعراء كانوا حُجّاب للملك ورؤساء وزراءه، فقد كانت تعبر هذه القصائد عن الحياة الاجتماعية والثقافية في الأندلس، وكان هناك ثلالة شعراء يمثلون (القصيدة المنقوشة وهم : ابن الجيّاب، وابن الخطيب، وابن زمرك وهو أهمّهم وقد شغل الثلاثة جميعُهم منصب الوزير الأعظم ، وكانوا كتّاباً كباراً للبلاط الملكي، إذ كانوا يشرفون بأنفسهم على تزويق وتنميق المباني، كما كانوا يشرفون على وضع القصائد والزيادة فيها، أوالنقصان منها حتى تتلاءم والحيّز المكاني المخصّص لها فى القصر.
وهنالك نموذج لهذا الشّعرالمنقوش على جدران الحمراء نقدّم الأبيات التالية لابن زُمرك التي خطّت على حاشية من مَرْمرٍ مَسْنُون، وَذَهَبٍ مَوْضُون ببهو الأسود،إنه يقول فيها :
يذوبُ لجين سال بين جواهر /غدا مثله فى الحُسن أبيضَ صافيَا
تشابه جار للعيون بجامدٍ / فلمْ ندرِ أيّاً منهما كان جاريَا
ألمْ ترَ أنّ الماءَ يجرى بصفحها / ولكنّها سدّت عليه المجاريَا
كمثلِ مُحبٍّ فاضَ بالدّمع جفنُه / وغصّ بذاك الدّمعُ إذ خافَ واشيَا.[3]
كان سقوط غرناطة المعقل الوحيد للمسلمين في الأندلس في الثاني من يناير من عام 1942م، بعد أن استسلمت وسلُّمت بإتفاقية وقعها أخر حكام المملكة( أبو عبد الله الصغير) مع كل من فرديناند، وإيزابيلا من الطائفة الكاثوليكية. وقد كان هذا السقوط نتيجة حتمية بعد حروب شنّها الصليبيون على دويلات المسلمين في الأندلس طوال أربعة قرون. حيث عرفت تلك الحروب الصليبية ب حروب الإسترداد.
ولذلك كان من الأسباب التي أدت إلى سقوط غرناطة وتتمثل في الترف وحب الدنيا وكثرة المعاصي والإسراف فيها وموالاة أعداء المسلمين وتنازع ملوك المسلمين وغيرها من الأسباب وبذلك يمثل سقوط غرناطة نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس، وكان لهذا الحدث تأثير كبير على تاريخ إسبانيا وأوروبا بشكل عام.[2]
المراجع
1. Britannica.co
2.University of cambridge
3. Civitates granada
4. Historical introduction
5. History.com
عندما يتعلق الأمر بحماية بشرتنا من التأثيرات القاسية لأشعة الشمس، فإن استخدام واقي الشمس أمر…
اكتشف فريق من علماء الآثار 13 مومياء قديمة. وتتميز هذه المومياوات بألسنة وأظافر ذهبية،وتم العثور…
ركز العلماء على الخرسانة الرومانية القديمة كمصدر غير متوقع للإلهام في سعيهم لإنشاء منازل صالحة…
من المعروف أن الجاذبية الصغرى تغير العضلات والعظام وجهاز المناعة والإدراك، ولكن لا يُعرف سوى…
الويب 3.0، الذي يشار إليه غالبًا باسم "الويب اللامركزي"، هو الإصدار التالي للإنترنت. وهو يقوم…
لطالما فتنت المستعرات العظمى علماء الفلك بانفجاراتها القوية التي تضيء الكون. ولكن ما الذي يسبب…