من طربوش “مشرفة” إلى ثورة الذكاء الاصطناعي: كيف صاغت الكلية عقولاً غيرت وجه العلم والحياة طوال قرن؟
قصة مئة عام من العطاء العلمي في جامعة القاهرة ورؤية لقيادة قاطرة التحديث في القرن الثاني
د. طارق قابيل
بين النبضة والنبضة في قلب الكون الفسيح، يكمن لغز عظيم لا تكاد تفسره الأرقام الصامتة، لكن العقول المتأملة تراه بوضوح. هل تساءلت يوماً وأنت تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم: كيف لهذا الكون الشاسع، الذي يمتد لملايين السنوات الضوئية، أن ينضبط بمعادلة رياضية شديدة الدقة يكتبها قلم بشري على قطعة ورق صغيرة؟ كيف تتطابق لغة العقل الإنساني مع لغة الوجود؟
إنها المفارقة العلمية الكبرى؛ فالأرقام ليست مجرد حبر، والفيزياء ليست مجرد قياسات للمادة والطاقة، بل هي في جوهرها تسبيح صامت، وسعي حثيث لفك شفرات الصنعة الإلهية البديعة. فعندما ندلف إلى محراب العلم، فإننا لا نكتشف حقائق مادية فحسب، بل نكتشف تجليات الحكمة الإلهية التي أودعت في ذرات الرمل أسرار الجيولوجيا، وفي خلايا النبات الأخضر معجزة الحياة (التمثيل الضوئي)، وفي حركة الإلكترونات أسرار النور والوجود.
ومن هنا، من فوق أرض الجيزة التاريخية، يرتفع بناء شامخ ليس مجرد جدران خرسانية، بل هو “محراب للضوء” يسعى قاصدوه منذ قرن كامل لفهم هندسة هذا الكون البديع؛ إنها كلية العلوم بجامعة القاهرة التي تحتفي بمئويتها الذهبية .
في ردهات “الزعفراني”.. حينما تصنع المصادفة أمة!
دعنا نركب آلة الزمن الافتراضية ونعود إلى صباح يوم خريفي بارد من عام 1925. تخيل معي شاباً مصرياً نحيلاً، يرتدي طربوشاً مائلاً بعض الشيء، ويحمل في يده دفتراً بسيطاً اشتراه ببضعة مليمات، واقفاً بوجل في ردهات “قصر الزعفراني” بالعباسية، المقر المؤقت لتلك التجربة الغريبة المسماة “كلية العلوم.
الجو مشبع برائحة غاز “كبريتيد الهيدروجين” الكريهة المميزة لمختبرات الكيمياء (والتي تشبه البيض الفاسد بجدارة لا ينافسها فيها شيء)، بينما يمر بجانبه بروفيسور سويدي صامت يبرطم بكلمات غير مفهومة حول فصائل النباتات في الصحراء الشرقية. الطالب المسكين يتساءل بمرارة وسخرية ذاتية:
“ما الذي جلبني إلى هنا؟ أكان يجب أن أستمع لنصيحة خالتي وألتحق بمدرسة الحقوق لأصبح مأمور مركز يرتجف منه الجميع، بدلاً من الوقوف هنا لأشرح عيون العقارب وأدرس انكسار الضوء في منشور زجاجي تافه؟“
لكن هذا الطالب نفسه، الذي ربما دخل الكلية هرباً من روتين الوظائف الميري، هو من سيقف بعد عشرين عاماً ليشرح لعلماء لندن وباريس كيف تتحول المادة إلى طاقة! نعم، هكذا بدأت الملحمة؛ بمجموعة من الهواة الحالمين، وعدد قليل من الأساتذة الأجانب الذين جلبوا معهم تقاليد العلم الأوروبية الجافة وصبّوها في تربة مصرية شديدة الخصوبة. لقد كانت الأجهزة متواضعة، والمكتبات تفتقر لآخر الدوريات، لكن العزيمة كانت من النوع الذي يفتت الصخور.
نهوض أمة من رماد التبعية
إذا أردنا قراءة تاريخ كلية العلوم بجامعة القاهرة بمشرط التحليل الأكاديمي النقدي، فلا يمكننا أبداً فصل ولادتها عن السياق الجيوسياسي والوطني لمصر في الربع الأول من القرن العشرين. ففي أعقاب ثورة 1919 العظيمة، التي هزت أركان الاحتلال البريطاني، أدركت النخبة الوطنية المصرية برئاسة رجالات الفكر والسياسة أن الاستقلال السياسي للدولة ليس سوى قشرة خارجية هشّة ما لم يدعمه استقلال معرفي وعلمي حقيقي.
كيف لأمة أن تبني مصانعها، وتستكشف باطن أرضها، وتحمي صحة أبنائها وهي تعتمد بالكامل على عقول مستوردة؟
لقد كان قرار تحويل الجامعة الأهلية (المؤسسة عام 1908) إلى جامعة حكومية عام 1925، بمرسوم ملكي في 11 مارس، خطوة استراتيجية فائقة الأهمية. وضمت الجامعة وقتئذ أربع كليات رئيسية: الآداب، والطب، والحقوق، والعلوم. ويؤكد التاريخ أن اختيار العلوم الأساسية كركيزة أولى للجامعة لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان قراراً سيادياً لبناء الكوادر الوطنية.
معضلة التأسيس واستقطاب العقول
واجه واضعو حجر الأساس للكلية عقبة: أين هم العلماء المصريون حاملو درجة الدكتوراه في العلوم الدقيقة؟ لم تكن البلاد تمتلك سوى نزر يسير منهم. وهنا تجلت المنهجية العلمية الحكيمة؛ حيث تم تبني خطة “الترسير والتمصير” التدريجي عبر خطوتين.
وقد آتت هذه السياسة ثمارها سريعاً؛ فبحلول عام 1936، انتُخب الدكتور علي مصطفى مشرفة كأول عميد مصري للكلية، ليطلق شعلة الريادة الوطنية.
الرواد الكبار: عقول أضاءت ليل البشرية
في مسيرة كلية العلوم، برزت قامات تخطت حدود المحلية لتسجل أسماءها في أنصع صفحات العلم العالمي. نستعرض هنا سيرتهم برؤية تجمع بين التحليل العلمي الإنساني والدراما الواقعية الشائقة.
لقب بـ “أينشتاين العرب”، وهو لم يكن مجرد فيزيائي رياضي بارع، بل كان فيلسوفاً يرى الموسيقى في المعادلات الرياضية. حصل مشرفة على دكتوراه العلوم (D.Sc.) من جامعة لندن عام 1924 (وهي أرفع درجة علمية تمنحها الجامعة وكان الحادي عشر عالمياً الذي يحقق هذا الإنجاز التاريخي .
أضاف مشرفة إسهامات جوهرية في أبحاث الإشعاع والمادة، ونظرية الكم (Quantum Theory)، والنسبية الخاصة والعامة. وكان يراسل ألبرت أينشتاين باستمرار لمناقشة معادلات المادة والطاقة. ومن الطريف والجميل أنه نشر بالتعاون مع تلميذه الدكتور محمود مختار ورقة بحثية فريدة في مجلة Nature المرموقة عام 1937 حول الفيزيقا الموسيقية للمقامات الشرقية، مبرهناً على أن العقل العلمي الحقيقي لا ينفصل عن الإحساس الجمالي بالكون.
كانت سميرة موسى قصة ملهمة تفيض بالأمل، فبعد أن فقدت والدتها بسبب مرض السرطان الخبيث، أقسمت هذه الفتاة الصغيرة أن تكرس حياتها لهزيمة هذا المرض الأسود باستخدام الفيزياء النووية. تخرجت في قسم الفيزياء بترتيب الأولى على الكلية بفضل دعم أستاذها مشرفة، لتصبح أول امرأة تعين في الهيئة التدريسية لجامعة القاهرة.
توصلت سميرة موسى خلال دراستها في بريطانيا إلى معادلة رياضية مذهلة تتيح تفتيت ذرات المعادن الرخيصة (مثل النحاس) لإنتاج طاقة نووية رخيصة الثمن. كانت تحلم بتسخير الذرة لخدمة البشرية وصياغة شعار “الذرة من أجل السلام“، وكانت تقول بيقين دافئ: “أتمنى أن يصبح علاج السرطان بالطاقة النووية متاحاً للجميع بثمن الأسبرين“.
لكن رياح السياسة العالمية كانت تجري بما لا تشتهي السفن الطاهرة؛ فقُبيل عودتها إلى مصر عام 1952، وأثناء زيارتها لمنشآت ذرية سرية في الولايات المتحدة الأمريكية، تهاوت سيارتها فجأة في منحدر سحيق بولاية وايومنج في حادث غامض يكتنفه الكثير من علامات الاستفهام التي تشير بأصابع الاتهام لجهات اغتالت هذا العقل العربي الواعد.
من يصدق أن عالماً شاباً يتخرج في قسم النبات بمرتبة الشرف الأولى عام 1943 ويحصل على الدكتوراه في أمراض النبات من إمبريال كوليدج لندن، سيتحول يوماً ما إلى “العملاق الأخضر” الذي يرتجف منه أباطرة الصناعة في العالم؟
قاد الدكتور طلبة برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) لمدة 17 عاماً. وكان إنجازه التاريخي الأكبر هو التخطيط وقيادة المفاوضات الشاقة لبروتوكول مونتريال التاريخي عام 1987 لحماية طبقة الأوزون. لقد استطاع هذا العالم الأكاديمي، بذكائه الدبلوماسي ومنهجه العلمي الصارم، إقناع الدول الصناعية الكبرى بالتخلي عن مركبات الكلوروفلوروكربون الضارة بالبيئة، منقذاً بذلك غلاف الأرض الجوي من كارثة محققة.
رائد علم البيئة التطبيقي وصاحب النظريات الأبرز في مكافحة التصحر (Desertification). عاش القصاص حياته متأملاً في كيفية تكيف النباتات مع البيئات الجافة، وصاغ سياسات بيئية عالمية حمت ملايين البشر في أفريقيا والوطن العربي من ويلات الجفاف.
التصنيفات العالمية والقياسات البحثية لعام 2026
لكيلا نقع في فخ الفخر العاطفي بالماضي، دعنا نخضع الحاضر لمشرط الأرقام والإحصائيات الحديثة لعام 2026. كيف تبدو كلية العلوم بجامعة القاهرة اليوم على خريطة البحث العلمي العالمي؟
وفقاً لأحدث قراءات المؤشرات الأكاديمية الموثقة في الكتاب المرجعي لكاتب المقال: “كلية العلوم جامعة القاهرة كتاب المئوية العربي “، تحقق جامعة القاهرة (والتي تعد كلية العلوم محركها البحثي الأساسي بنسبة تقارب 23% من إجمالي النشر الدولي للجامعة) طفرات قوية:
جدول التصنيفات الدولية لجامعة القاهرة (تحديثات 2025 – 2026)
| نظام التصنيف الدولي | الترتيب لعام 2025/2026 | الأهمية والدلالة الأكاديمية |
| تصنيف ليدن الهولندي (CWTS) | 164 عالمياً / الأول أفريقياً | يعتمد على نسبة وجودة الأوراق البحثية المنشورة وتأثيرها. |
| تصنيف شانغهاي (ARWU) | 401 – 500 عالمياً / الأول مصرياً | يعتمد على المعايير البحثية الصرفة وعدد الفائزين بجوائز نوبل. |
| تصنيف كيو إس (QS) | 561 – 570 عالمياً / أفضل 6 أفريقياً | يقيس السمعة الأكاديمية، ونسبة الاستشهاد لكل عضو تدريس. |
| التصنيف العربي للجامعات (Times) | الثامن عربياً / الأول مصرياً | قفزة نوعية لافتة بمقدار 20 مرتبة خلال عام واحد. |
| مؤشر إيدورانك (EduRank) | 529 عالمياً / الأول مصرياً | صنف الجامعة ضمن أفضل 50% في أكثر من 201 تخصص فرعي . |
أداء الكلية في مؤشر نيتشر المرموق (Nature Index):
يعتبر مؤشر نيتشر العالمي بمثابة “الأولمبياد” البحثي للمؤسسات العلمية. وتشير الأرقام الحديثة (المسجلة للفترة من فبراير 2025 إلى يناير 2026) إلى ما يلي :
من أجل علم أكثر إنصافاً لدول الجنوب العالمي
على الرغم من هذا الإنتاج العلمي الغزير والتاريخ العريق، تواجه كلية العلوم — ومثيلاتها في العالم العربي وأفريقيا — معضلة بنيوية كبرى في منظومة النشر والتقييم الأكاديمي الدولي.
تؤكد الدراسات التحليلية الحديثة (المنشورة في دوريات مرموقة مثل Scientometrics لعام 2024) وجود تفاوتات إقليمية وتحيزات واضحة ضد الباحثين في دول الجنوب العالمي. الأبحاث التي ينتجها علماء أفارقة وعرب في مجالات بيئة الصحراء، والطب الشعبي، وموارد المياه المحلية، يقل الاستشهاد بها دولياً بشكل ملحوظ مقارنة بأبحاث مماثلة تصدر من جامعات أمريكا الشمالية أو أوروبا الغربية، حتى وإن تساوت معها تماماً في الرصانة المنهجية.
التحديات الأساسية الهيكلية:
خريطة طريق مقترحة للإنصاف العلمي:
المستقبل الرقمي والأخضر: رؤية الكلية للقرن الثاني (2026 – 2050)
بخطى واعدة مستندة على إرثها الخالد، لا تقف كلية العلوم بجامعة القاهرة مكتوفة الأيدي أمام الثورة الصناعية الرابعة والخامسة. أعلنت الكلية تحت قيادة عميدتها الدكتورة سهير رمضان فهمي استراتيجية طموحة تهدف للتحول الكامل نحو “جامعات الجيل الرابع والخامس” المتكاملة مع البيئة والاقتصاد :
الروح التي لا تموت
في نهاية المطاف، دعونا ندرك أن كلية العلوم بجامعة القاهرة ليست مجرد مبنى، وليست مجرد أوراق بحثية تُحفظ في أدراج الأرشيف الأكاديمي. إنها فكرة.. والفكرة بطبيعتها لا تموت. إنها تجسيد حي للشغف البشري الذي زرعه الخالق في عقولنا لنتأمل، ونبحث، ونعمر الأرض بالعلم والحكمة.
مئة عام مرت كرمشة عين في عمر الزمن الفسيح، لكنها غيرت وجه الحياة في وطننا العربي. مئة عام أثبتت فيها العقول المصرية والعربية أنها قادرة على مجاراة أرقى مختبرات العالم حين تتوفر لها الإرادة الحرة والبيئة الصالحة. والآن، ومع إشراقة شمس القرن الثاني لهذه القلعة العلمية العريقة، ينبض الأمل مجدداً في نفوس أجيال واعدة من الباحثين الشبان، مستحضرين إرث مشرفة وسميرة موسى ليرفعوا راية العلم صلاةً دائمة في محراب الحق والجمال والوجود.
المراجع المعتمدة :
الانتصار في كرة القدم حليف من يأخذ بالأسباب ويوظف معطيات العلم الحديث بقلم: د. طارق…
بقلم: د. طارق قابيل هل تساءلت يوماً وأنت ترقب النجوم في ليلة صافية، عما إذا…
بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…
من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…
بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…
إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…