هل نعيد إحياء مفهوم ‘بيت الحكمة’ عبر تأسيس أودية تقنية ومختبرات إقليمية عابرة للحدود تمولها شراكات عربية كبرى قادرة على احتضان هذه العقول الفارة من وطأة الحرب الباردة؟
د. طارق قابيل
هل يمكننا حقاً تسييج العقول؟ أكتب هذه الكلمات وأنا أتذكر تفصيلة صغيرة من عام 2019، عندما كان البروفيسور عمر ياغي—الذي لم يكن قد توّج بنوبل بعد، يحضر مؤتمراً علمياً في جامعة بيركلي العريقة، ولكنه كان يُعامل كملك غير متوّج في كافتيريا القسم. كان يمسك بكوب قهوته الورقي، غارقاً في نقاش كيميائي حاد مع باحث شاب من أصول آسيوية. لم يكن هناك حراس، ولا هويات أمنية معقدة، ولا شكوك. فقط عقول تتلاقح لإنتاج فكرة قد تنقذ البشرية يوماً ما من الجفاف أو الاحتباس الحراري. كان هذا هو سحر العلم المفتوح الذي جعل من أمريكا قبلة للعالم. لكن، يبدو أن هذا السحر يتبخر الآن أمام أعيننا بفعل فوبيا سياسية غريبة.
بصراحة، ما يحدث اليوم في كواليس الأكاديميات الكبرى بين واشنطن وبكين هو أشبه بزلزال صامت، لكن حممه قد تحرق الجميع.
لقد صعق المجتمع العلمي مؤخراً بصدور التوجيه الفيدرالي الجديد من “مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية” (NSF) تحت الرقم (NSF 26-022). التوجيه الصادم ليس مجرد ورقة بيروقراطية عادية، بل هو إعلان صريح لـ “طلاق بائن” يمنع أي باحث أمريكي يتلقى تمويلاً فيديرالياً من التعاون مع أي مؤسسة أو أكاديمي صيني ينتمي لكيانات مدرجة في ‘قوائم الجهات المقيدة’ (Restricted Party Lists) التابعة لوزارات الدفاع والتجارة والخزانة الأمريكية. لنكن منصفين هنا، واشنطن لديها مخاوف مشروعة بشأن الملكية الفكرية وتدفق التكنولوجيا العسكرية. ولكن، هل الحل هو بتر الذراع بالكامل للتخلص من جرح بسيط في الإصبع؟
تخيل معي هذا السيناريو السريالي الذي قد نراه قريباً في نشرات الأخبار: فرقة من الـ FBI تقتحم شقة بروفيسور في كاليفورنيا الثالثة فجراً، بتهمة “التخابر العلمي” لأنه أرسل بريداً إلكترونياً لزميل سابق في بكين يحتوي على معادلة كيميائية بريئة لتصميم قفص جزيئي خارق يمسك برائحة القهوة الصباحية لتظل طازجة! قد تبدو هذه نكتة سمجة، لكن الهوس الأمني الجديد في أمريكا جعل العلماء يشعرون أنهم يسيرون في حقل ألغام.
المصيبة الأكبر هي أن هذا التضييق الأمني يتزامن مع غباء تخطيطي آخر يتمثل في خنق ميزانيات العلوم الأساسية. الكونغرس قرر فجأة تقليص تمويل أبحاث الكيمياء والفيزياء النظرية لصالح أبحاث طبية تجارية سريعة الأثر. وهذا يطرح سؤالاً وجودياً: كيف تتوقع أن تحافظ على صدارتك العلمية وأنت تقطع شريان الحياة المالي عن علمائك، وفي نفس الوقت تغلق في وجوههم أبواب التعاون الدولي؟
هذه البيئة الطاردة، الخانقة بامتياز، هي التي دفعت البروفيسور عمر ياغي — الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 والأب الروحي للكيمياء الشبكية (Reticular\ Chemistry) — إلى أن يتخذ القرار الصعب؛ حزم حقائبه، إغلاق أدراجه، ومغادرة جامعة بيركلي نهائياً ليستقر في الصين كأستاذ متفرغ.
لنتوقف هنا قليلاً ونحاول فهم حجم الكارثة، لأن الكلمة بحد ذاتها تبدو باهتة مقارنة بالواقع الجيوسياسي المخيف. مختبرات ياغي وأبحاثه حول “الأطر المعدنية العضوية (MOFs) ليست مجرد ترف أكاديمي أو معادلات معقدة تُنشر في دوريات مغبرة ليفهمها ثلاثة أشخاص في العالم. نحن نتحدث هنا عن ثورة صناعية واقتصادية حقيقية، عن مواد كيميائية عجيبة أشبه بقطع “ليغو” جزيئي فائق الدقة. تخيل مادة مسامية خارقة، غرام واحد منها فقط يمتلك مساحة سطحية داخلية تصل إلى 7000 متر مربع (ما يعادل مساحة ملعب كرة قدم كامل مضغوط علمياً في مساحيق لا تتعدى حجم حبة البازلاء)!
بصراحة، يبدو الأمر كقصة من قصص الخيال العلمي، لكنه علم خالص يعالج أزمات الوجود البشري. هذه الهياكل الفراغية العجيبة تمتلك قدرة اصطفائية مرعبة على التقاط جزيئات معينة وتخزينها بكفاءة لا تصدق. هل تعاني منطقتنا العربية والعالم من الجفاف وتغير المناخ؟ أبحاث ياغي قدمت الحل الفعلي عبر أجهزة تحصد الرطوبة من هواء الصحراء القاحل وتحولها إلى قطرات ماء زلال صالح للشرب دون الحاجة لمصادر طاقة تقليدية معقدة. هل نبحث عن مستقبل الهيدروجين الأخضر كبديل للنفط؟ هذه الأطر هي “الخزان المثالي الخارق” لذرات الهيدروجين التي طالما استعصى تخزينها بأمان وسهولة. بل إنها السلاح الأمثل لـ “اصطياد” غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي لإيقاف جنون الاحتباس الحراري.
عندما يغادر عالم بهذا الوزن النوعي، فإن أمريكا لا تفقد مجرد أستاذ يلقي محاضرات على طلاب البكالوريوس، بل هي تخسر حرفياً “منجم ذهب” تكنولوجي واقتصادي لا يعوض، وتفرط في براءات اختراع كانت ستشكل عصب صناعات الـ Deep-Tech (التقنية العميقة) بمليارات الدولارات. للأمانة، عندما أتخيل مختبره القديم في بيركلي اليوم، لا أرى سوى مقاعد فارغة، ومعدات يكسوها الغبار، وربما بضعة أكواب قهوة ورقية منسية، في حين أن مختبره الجديد في بكين يضج بالحياة، والأموال، ويتحرك بسرعة تقترب من سرعة الضوء. هل هناك حماقة استراتيجية تفوق هذا؟
أتذكر بريداً إلكترونياً تلقيته قبل أشهر من صديق أكاديمي في بكين، كان يصف لي بحماس لا ينتهي البيئة المعرفية هناك. يقول لي إنهم لا يريدون اسم البروفيسور ياغي للوجاهة الاجتماعية أو “البرستيج” الشرفي — كما فعلت بعض الدول العربية التي سارعت بمنحه جنسيتها كقيمة مضافة لسيرتها الذاتية دون استثمار حقيقي لعلمه — بل إن الصين تستثمر في “عقليته” عبر عملية استنساخ تكنولوجي مرعبة.
بكين سلمت ياغي قيادة معهد AIMATRY المتقدم المخصص لدمج الكيمياء بالذكاء الاصطناعي الفائق، ووفرت له ميزانيات مفتوحة ونماذج رقمية خارقة مثل ScienceOne\ 100 و BAI-Chem\ 2.0لتسريع البحث العلمي بمعدل 10 أضعاف. الفكرة الصينية بسيطة وذكية: دمج طريقة تفكير ياغي في خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتوريثها لجيل كامل من الباحثين الصينيين الشباب، بحيث لو غادر ياغي غداً، يظل خط الإنتاج المعرفي يعمل بنفس الكفاءة العبقرية.
أليست هذه العقلية هي التي تصنع الفارق؟
تاريخياً، لم تنهض حضارة إنسانية واحدة بالانعزال. عندما بنى المأمون “بيت الحكمة” في بغداد، لم يسأل عن جنسية المترجم أو انتمائه السياسي قبل أن يزن له ذهباً مقابل ترجمة علوم اليونان والهنود. والمنهج العلمي الحديث نفسه قام على فكرة التدفق الحر للأفكار. واليوم، حين تقرر واشنطن بناء جدار عازل حول مختبراتها، فإنها لا تخنق الصين، بل تطلق رصاصة الرحمة على قدميها وتنهي ريادتها لـ “العلوم المفتوحة”.
النزيف البشري لا يتوقف عند ياغي. القائمة تطول لتشمل عمالقة غادروا هارفارد وستانفورد وبراون متوجهين إلى جامعات بكين وشنغهاي، مثل عالم النانو الشهير تشارلز ليبر وهواجيان غاو. بكين ضخت حوالي 3.61 تريليون يوان على البحث والتطوير في عام 2024 وحده، بينما واشنطن منشغلة بملاحقة علمائها البارزين والتحقيق في بريدهم الإلكتروني.
في النهاية، يبدو أن المغناطيس الأمريكي القديم الذي جذب عقول العالم طوال 40 عاماً قد أصابه العطل بفعل البيروقراطية والأمن السقيم. ويبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كعرب: في ظل هذا التفكك الجيوسياسي لعرى التحالف العلمي بين الشرق والغرب، ألم يحن الوقت بعد لنلعب دور “الملاذ الآمن” لتلك العقول المهاجرة؟ ألا يمكننا أن نعيد إحياء مفهوم ‘بيت الحكمة’ عبر تأسيس أودية تقنية ومختبرات إقليمية عابرة للحدود تمولها شراكات عربية كبرى قادرة على احتضان هذه العقول الفارة من وطأة الحرب الباردة، بدلاً من البقاء في مقاعد المتفرجين نراقب قطار المستقبل وهو يغادر المحطة مسرعاً صوب الشرق؟
الانتصار في كرة القدم حليف من يأخذ بالأسباب ويوظف معطيات العلم الحديث بقلم: د. طارق…
بقلم: د. طارق قابيل هل تساءلت يوماً وأنت ترقب النجوم في ليلة صافية، عما إذا…
بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…
من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…
بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…
إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…