فلسفة

كيف عرض فيلم “the substance” هوس المرأة الدائم بجمالها؟

في الفيلم الجديد “The Substance”، تستكشف المخرجة كورالي فارجيت الجانب المظلم لمعايير الجمال والجهود التي يبذلها الناس لتحقيق نسخة مثالية من أنفسهم.

تدور أحداث الفيلم حول إليزابيث سباركل التي كانت نجمة مشهورة في هوليوود. وفي عيد ميلادها الخمسين، طُردت بشكل غير رسمي من برنامج التمارين الرياضية الذي كانت تستضيفه، حيث ذكر المنتج هارفي أن سبب ذلك هو تقدمها في السن. وقد أصبحت إليزابيث مهووسة بمادة غامضة يمكنها استنساخ جسدها ومحو علامات الشيخوخة.

إن النهج الجريء الذي اتبعته الكاتبة والمخرجة الفرنسية كورالي فارجيت في التعامل مع صناعة التجميل قد أثار الثناء والنقد على حد سواء. حيث تثير فارجيت أسئلة مهمة حول تأثير ثقافة الجمال على هويتنا ونفسيتنا وعلاقاتنا.

فيلم “the substance”

الضغط المستمر لمعايير الجمال

لقد كانت معايير الجمال تتحكم بالنساء لعدة قرون، حيث تملي ما هو مقبول وما هو غير مقبول. إن الضغط من أجل التوافق مع هذه المُثُل التي لا يمكن تحقيقها يشكل قنبلة موقوتة، تنتظر إطلاق العنان لعاصفة من الشك وتدني احترام الذات. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الضغط في عصرنا الحالي، مما أدى إلى خلق دورة من المقارنة والنقد على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

أظهرت الدراسات أن النساء يتعرضن لوابل من الإعلانات بمعدل 5000 إعلان يوميًا، كل منها يروج لرؤية مشوهة للجمال. وتتسرب هذه الرسائل إلى اللاوعي لديهن، وتهمس بأنهن لسن جيديات أو جميلات أو شابات بما فيه الكفاية. والنتيجة هي ثقافة من كراهية الذات، حيث تشعر النساء بأنهن مجبرات على تغيير أجسادهن لتلبية متطلبات معايير الجمال التي لا يمكن تحقيقها.

إن صناعة التجميل، التي تبلغ قيمتها المذهلة 532 مليار دولار، تتغذي على هذه المخاوف، وتبيع الكريمات المضادة للشيخوخة، وعلاجات تفتيح البشرة، والعمليات الجراحية التجميلية. والرسالة واضحة، الشباب يساوي الجمال، والجمال يساوي القيمة. إنها حلقة مفرغة تديم فكرة أن المرأة لا قيمة لها ما لم تتوافق مع نموذج الجمال غير الواقعي.

في هذه البيئة السامة، أصبحت النساء مثل إليزابيث، بطلة فيلم “The Substance”، جاهزات للاستغلال. إن سعيها اليائس لاستعادة مظهرها الشاب هو أحد أعراض مشكلة أعمق، حيث قللت إليزابيث من قيمة نفسها كامرأة على أساس مظهرها الجسدي.

تاريخ موجز لرعب الجسد وهوس الجمال

رعب الجسد (Body horror) هو نوع فرعي من الرعب الذي يعرض عمدًا انتهاكات غريبة أو مزعجة نفسياً لجسد الإنسان أو لجسد مخلوق آخر. كما يستكشف التحول المقلق لجسم الإنسان. كان مفهوم رعب الجسد عنصرًا أساسيًا في الخيال العلمي وسينما الرعب لعقود من الزمن. بدءًا من أعمال ديفيد كروننبرغ المبدعة في الثمانينيات وحتى الأفلام الحديثة مثل “The Fly” و”Tetsuo: The Iron Man”. لقد دفع الرعب الجسدي باستمرار حدود ما هو مقبول وما يعتبر “جميلًا” في المجتمع.

وفي سياق هوس الجمال، يتخذ رعب الجسد طابعًا غريبًا ومثيرًا للتفكير بشكل خاص. إن الرغبة في تحقيق معيار للجمال بعيد المنال دفعت الأفراد إلى الخضوع لتحولات متطرفة وغريبة في كثير من الأحيان، والتضحية بسلامتهم الجسدية والعقلية في هذه العملية.

يستغل فيلم “The Substance” هذه الفكرة بالذات، ويقدم عالمًا ينتقل فيه السعي وراء الجمال إلى مستوى هوس وإدمان مرعب. إن استخدام الفيلم لرعب الجسد كتعليق على الضغط المستمر الذي تمارسه صناعة التجميل للتوافق مع المعايير غير الواقعية هو نقد صادم ومقلق لكل من شاهده.

Related Post

العلم وراء المنشط

في قلب فرضية الفيلم الغريبة يكمن “المنشط” (ACTIVATOR) الغامض، وهو سائل أخضر غامض يثير تفاعلًا خلويًا غريبًا. فعندما يتم حقنها في بيضة، كما رأينا في بداية الفيلم، يرتجف الصفار وينقسم إلى نصفين، وعندما تحقنه إليزابيث في نفسها، فإنه يخلق نسخة أصغر في السن منها وأجمل تُدعى سو. ولكن ما العلم وراء هذه المادة المستقبلية؟

في جوهر الأمر، يبدو أن المنشط يتلاعب بالانقسام الخلوي، وهي عملية طبيعية تنقسم فيها الخلايا لتكوين خلايا جديدة. ومع ذلك، يشير الفيلم إلى أن هذه المادة تأخذ هذه العملية إلى أقصى الحدود، مما يخلق كائنًا جديدًا تمامًا يتمتع بسمات جسدية محسنة. إن الآثار المترتبة على ذلك رائعة ومرعبة في نفس الوقت، وتثير تساؤلات حول حدود العلم وعواقب لعب دور الإله.

قد يكون أحد التفسيرات العلمية المحتملة وراء “المنشط” هو قدرته على تغيير الشفرة اللاجينية للخلية، والتي تحدد كيفية التعبير عن الجينات. ومن خلال إعادة كتابة هذا الرمز، يمكن للمادة، من الناحية النظرية، أن تفتح أسرار الشباب والجمال، وتولد كائنًا جديدًا يتمتع بسمات جسدية محسنة. لكن لا تتوقع أن يخرج الكائن الجديد من داخل الكائن الآخر بهذا الشكل بالطبع، فتلك الطريقة هدفت لإظهار مدى الانسلاخ بين الشخصيتين وتبرر للصراع وليس لها أسس علمية بأي حال.

هوس إليزابيث بجمالها

مع تزايد هوس إليزابيث بجمالها، بدأت قبضتها على الواقع تفلت. حيث يأخذنا الفيلم في رحلة إلى أحلك زوايا عقلها، حيث تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الواقع والوهم. نراها محاصرة في دائرة لا تنتهي من النقد الذاتي، مدفوعة بالضغط للتوافق مع معايير الجمال المجتمعية.

كل نظرة في المرآة هي مواجهة مع جسدها، وكل التجاعيد هي تذكير بشبابها المتلاشي. إن رغبتها اليائسة في التمسك بجمالها تصبح قوة مستهلكة، مما يدفعها إلى عقد صفقة مريبة مع الشركة الغامضة المصنعة للمادة.

إن مشاهد الفيلم السريالية الشبيهة بالحلم، حيث يلتوي جسد إليزابيث وتخرج سو من عمودها الفقري، هي تمثيل مرئي لنفسيتها الممزقة. حيث نرى نفسيتها تتشقق، كما لو أن إحساسها بذاتها قد تمزق بسبب المتطلبات المتضاربة لثقافة الجمال.

ويظل السؤال قائمًا، ما هي التكلفة الحقيقية لسعي إليزابيث إلى الشباب الأبدي؟ هل هو فقدان استقلاليتها، أو هويتها، أو حتى عقلها؟ وهل إليزابيث ضحية أم مذنبة حيال ثقافة الجمال عموما؟ هل لإرادتها الحرة دور في الأمر أم أنها استمتعت بدور الضحية المغلوب على أمرها للحظة الأخيرة؟ وبينما يتجه الفيلم نحو ذروته البشعة، فإننا مجبرون على مواجهة أحلك الآثار المترتبة على الثقافة التي تتطلب من النساء التضحية بكل شيء من أجل الجمال.

تأثير ثقافة الجمال على الهوية والنفسية

إن 60% من النساء يشعرن بعدم الرضا عن أجسادهن. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى رواج مستمر لصناعة التجميل العالمية التي من المتوقع أن تصل قيمتها إلى 750 مليار دولار بحلول عام 2025. وقد أدى السعي الدؤوب لتحقيق نموذج مثالي بعيد المنال إلى خلق ثقافة النقد الذاتي، وتدني احترام الذات، والقلق.

يكشف الفيلم، بطريقته الوحشية، أحلك أركان هذه الظاهرة. إن كراهية إليزابيث لذاتها، ويأسها، واستعدادها لمقايضة إنسانيتها بإحساس عابر بالجمال، كلها أمور مرتبطة بعنف لم تخل منه المشاهد. علاوة على ذلك، فإن تصوير الفيلم لهوية إليزابيث المجزأة وكفاحها للتوفيق بين ماضيها وحاضرها، يتحدث عن التأثير العميق على إحساسنا بالذات. حيث يمكن أن يؤدي عدم إدراكنا للوابل المستمر من مُثُل الجمال إلى الانفصال عن أنفسنا الحقيقية، مما يتركنا مجزأين وضائعين.

في نهاية المطاف، يجبرنا الفيلم على مواجهة الجانب المروع من ثقافة الجمال، حيث يمكن أن يؤدي السعي وراء نموذج غير واقعي إلى خسارة أنفسنا إلى الأبد. وعندما ننظر إلى إليزابيث، فإننا مضطرون إلى أن نسأل أنفسنا، ما هي التكلفة الحقيقية لهوسنا بالجمال، وهل يستحق الأمر التضحية بأنفسنا؟

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

سر الـ “بانينكا”.. فوز علمي خالص!

الانتصار في كرة القدم حليف من يأخذ بالأسباب ويوظف معطيات العلم الحديث بقلم: د. طارق…

3 أيام ago

في محراب المجهول: هل أصبحت “الأطباق الطائرة” أحافير تكنولوجية في أرشيفاتنا السرية؟

بقلم: د. طارق قابيل هل تساءلت يوماً وأنت ترقب النجوم في ليلة صافية، عما إذا…

شهرين ago

حراب الجينوم مقابل “أصنام” نظام الطيبات: هل نأكل وفق “كود” الخالق أم أهواء البشر؟

بقلم: د. طارق قابيل تخيل أنك تقف على ظهر سفينة وسط محيط متلاطم من النصائح…

شهرين ago

وداعاً لرائد عصر الجينوم.. كريج فينتر ملك الجينات الأسطورة التي غيرت المناهج الدراسية والخرائط الجينية للأبد

من المختبر إلى الواقع: رحل فينتر وبقيت "سينثيا" شاهدة على عصر البيولوجيا التخليقية. بقلم: الدكتور…

شهرين ago

التحريف العلمي ومقامرة “الطيبات”: خريطة طريق للتواصل العلمي الرصين في مواجهة زيف الخرافة

بين جلال العلم وغواية السراب في اللحظة التي ينسحب فيها ضوء العقل، تتسلل خفافيش الوهم…

شهرين ago

ثورة التحرير الجيني في مصر: تعزيز القدرات الوطنية من أجل أمن غذائي مستدام

إن التحرير الجيني ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق السيادة الغذائية. ومن…

شهرين ago