جغرافيا

كشف لغز الفوهات في قاع المحيطات

المحيطات قبالة ساحل بيج سور في كاليفورنيا، تقع منطقة طبيعية غامضة من فوهات (pockmark) الكبيرة في الطين والطمي والرمل، مخبأة في الأعماق تحت الأمواج. لعقود من الزمن، كان العلماء مفتونين بهذه الفوهات الغامضة، ولكن لم يكتشف الباحثون في معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء المائية (MBARI) وجامعة ستانفورد تفسيرًا حتى وقت قريب. استخدم الفريق، بقيادة فني الأبحاث إيف لوندستن، تكنولوجيا متقدمة تحت الماء لجمع كمية هائلة من البيانات، والتي كشفت أن الجاذبية، وليس غاز الميثان أو السوائل الساخنة، هي على الأرجح السبب وراء هذه الدوائر الغريبة.

حقل الفوهات الغامض

تخيل منظرًا طبيعيًا مختبئًا تحت الأمواج، حيث تتخلل الفوهات الكبيرة قاع البحر مثل الفوهات الموجودة على القمر. مرحبًا بكم في حقل فوهات بيج سور، وهو عالم غامض يقع قبالة ساحل كاليفورنيا والذي حيّر العلماء لفترة طويلة. يمتد هذا الحقل الغامض على مساحة تعادل مساحة لوس أنجلوس تقريبًا، ويضم أكثر من 5200 تجويفًا، يبلغ متوسط ​​عرض كل منها 175 مترًا وعمقها 5 أمتار. ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه الفوهات تواجدت في قاع البحر لمئات الآلاف من السنين. وبينما يتطلع العالم إلى المحيط كمصدر محتمل للطاقة المتجددة، يصبح فهم أسرار الفوهات أمرًا بالغ الأهمية لاستمرارية مزارع الرياح البحرية (offshore wind farming) والتعدين في قاع البحر.

تعود إحدى أقدم الملاحظات المسجلة عن الفوهات إلى ستينيات القرن العشرين، عندما اكتشف علماء الجيولوجيا البحرية لأول مرة الدوائر الغريبة في بحر الشمال. ومنذ ذلك الحين، حاولت العديد من الدراسات تفسير أصلها، وغالبًا ما أشارت إلى غاز الميثان أو السوائل الساخنة باعتبارها السبب الرئيسي. ومع ذلك، تشير الأبحاث الجديدة إلى أن السبب قد يكون أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد في البداية.

كيف تشكلت هذه الفوهات؟

يدرس الباحثون في معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء المائية (MBARI) وجامعة ستانفورد هذه الظاهرة منذ عقود. وقد ألقت رحلتهم الأخيرة ضوءًا جديدًا على هذا اللغز تحت الماء. وباستخدام الروبوتات المتقدمة تحت الماء، جمع الفريق أدلة قاطعة على أن غاز الميثان أو السوائل الساخنة ليست هي المسبب الرئيسي لهذه الفوهات، كما كان يعتقد سابقًا.

ومن خلال تحليل عينات من قاع البحر ورسم خرائط للمنطقة، يقترح العلماء أن تدفقات الرواسب الضخمة، التي ربما تكون ناجمة عن الزلازل أو انهيار المنحدرات، أسفل المنحدر القاري قد أدت إلى تآكل قاع البحر بشكل متقطع على مدى 280 ألف سنة الماضية، مع وقوع الحدث الرئيسي الأخير قبل 14 ألف سنة فقط. إن لغز الفوهات ينكشف تدريجيًا، وقد يكون للأسرار التي تحملها آثار مهمة على فهمنا للمناظر الطبيعية المخفية للمحيطات.

Related Post

نظرية جديدة تتكشف في الأعماق

تخيل انهيارًا أرضيًا ضخمًا وبطيء الحركة، ينزلق إلى أسفل المنحدر القاري قبالة ساحل كاليفورنيا. ومع تدفق الرواسب، فإنها تشق مسارًا، مما يؤدي إلى إحداث فجوة كبيرة في قاع البحر. هذا لم يحدث لمرة واحدة فقط. إنها عملية تكرر نفسها منذ 280 ألف سنة على الأقل. يعتقد الباحثون في أن تدفق الرواسب بالجاذبية (sediment gravity) هي المفتاح لفهم الفوهات الغامضة التي تنتشر في قاع المحيط.

فكر في الأمر وكأنه انهيار جليدي عملاق تحت الماء. ومع تدفق الرواسب إلى أسفل التل، فإنها تؤدي إلى تآكل مركز كل فوهة، مما يؤدي إلى اتساعها وتعميقها تدريجيًا. يمكن أن تؤثر هذه العملية أيضًا على عدة فوهات، تفصل بينها عشرات الكيلومترات، مما يؤدي إلى إنشاء سلاسل من الفوهات التي نراها اليوم. تشير النتائج التي توصل إليها الفريق إلى أن تدفق الرواسب بالجاذبية هي المحرك الرئيسي وراء تكوين الفوهات، وليس غاز الميثان أو السوائل الساخنة.

الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف كبيرة. وهذا يعني أن هذه الفوهات ليست مجرد سمات جيولوجية رائعة، ولكنها أيضًا مؤشرات مهمة للتاريخ الديناميكي لقاع البحر.

مستقبل الصناعات البحرية

تخيل مزرعة رياح بحرية، تولد طاقة نظيفة لتزويد منازلنا ومجتمعاتنا بالطاقة، مع توفير مصدر مستدام للطاقة لمستقبلنا. لقد مهد البحث الطريق لتطوير مثل هذه البنية التحتية، والتي يمكن أن تكون حاسمة في معركتنا ضد تغير المناخ.

ومن خلال فهم أعمق لأسرار المحيطات، أصبح بوسعنا الآن أن نتخذ قرارات أفضل بشأن كيفية استخدامنا للموارد البحرية، مما يضمن تقليل تأثيرنا على النظام البيئي الدقيق. إن إمكانيات الصناعات البحرية هائلة، من الطاقة المتجددة إلى التعدين في قاع البحر، وقد أخذنا هذا البحث خطوة أخرى نحو إطلاق الإمكانيات الكاملة للمحيطات.

المصادر:

Mysterious Holes on The Ocean Floor Have a New Explanation / science alert

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

أشعة المستقبل تستنطق صمت الماضي: تقنية “عدّاد الفوتونات” تزيح الستار عن أسرار المومياوات الفرعونية

حينما تعانق فيزياء الجسيمات عبق التاريخ بين ردهات المعامل الحديثة ولفائف الكتان العتيقة، تدور معركة…

يوم واحد ago

توطين صناعة الذكاء الاصطناعي المادي في مصر وإطلاق أول شركة لتصنيع الأذرع الروبوتية الذكية

تشهد الخارطة التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط تحولاً جذرياً، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد بضاعة…

يومين ago

هوس “أخبار الكوارث”: لماذا ينجذب دماغنا للمخاوف؟ وكيف يحمينا القلق من خطر وهمي؟

هل تساءلت يوماً لماذا تتوقف أصابعك عن التمرير السريع على شاشة هاتفك بمجرد رؤية خبر…

4 أيام ago

حل لغز الـ 98%: كيف يعيد “الحمض النووي الخردة” كتابة دستور الأنوثة والذكورة؟

ثورة في عالم البيولوجيا لطالما ظننا أن "كتاب الحياة" الذي نحمله في خلايانا، والمعروف بالحمض…

أسبوع واحد ago

العلوم في قلب الابتكار: نحو نهضة مصرية شاملة بالجينوم والاقتصاد الحيوي الدائري

حين تعانق العقول ضفاف النيل.. العلم كبوصلة للمستقبل في أروقة جامعة القاهرة العريقة، حيث يمتزج…

أسبوع واحد ago

مشروع الجينوم المصري: نتائج أضخم دراسة جينية مصرية تمهد الطريق لعصر “الطب الشخصي”

البصمة الوراثية المصرية.. فك شفرة "الأجداد" لرسم مستقبل "الأحفاد" الصحي في لحظة فارقة من تاريخ…

أسبوع واحد ago