طب

دراسة جديدة تبرأ الطفرات الجينية من تهمة الاختلال المعرفي في الفصام

في دراسة رائدة، قام كل من مايكل أوين ومايكل أودونوفان من مركز علم الوراثة العصبية والنفسية وعلم الجينوم بجامعة كارديف، باكتشاف حول الاختلال المعرفي (cognitive impairment) في مرض الفصام (schizophrenia). حيث تكشف مراجعتهم الشاملة، التي نشرت في المجلة الطبية المرموقة (Genomic Psychiatry)، أن الاختلال المعرفي السابق للمرض (Premorbid cognitive impairment)، وهو سمة شائعة لدى الأشخاص المصابين بالفصام، ينجم إلى حد كبير عن عوامل ليس لها علاقة بالاختلافات الجينية الموروثة (inherited common genetic variants). هذا العمل الرائد يتحدى الافتراض السائد منذ فترة طويلة بأن الاختلال المعرفي السابق للمرض ينجم بشكل مباشر عن نفس العوامل الوراثية التي تزيد من خطر الإصابة بالفصام.

يشير تحليلهم، المستند إلى مراجعة شاملة للدراسات الجينية والسكانية الحديثة، إلى أن اضطرابات النمو العصبي (neurodevelopmental disturbance)، التي تتأثر بالمتغيرات الجينية النادرة وعوامل الخطر البيئية، هي المسؤولة عن كل من الاختلال المعرفي وزيادة خطر الإصابة بالفصام. هذا الاكتشاف المذهل له آثار مهمة على فهمنا لمرض انفصام الشخصية والضعف الإدراكي، ويمهد الطريق لتطوير استراتيجيات جديدة للوقاية والعلاج.

الاختلال المعرفي

يعد الاختلال المعرفي (القصور الإدراكي) من العلامات المميزة لمرض الفصام. لسنوات عديدة، ناضل الباحثون لفهم السبب الذي يجعل الأشخاص المصابين بالفصام يواجهون في كثير من الأحيان صعوبات في الذاكرة والانتباه وحل المشكلات.

الاختلال المعرفي لا يقتصر على مرض الفصام. ويمكن أن يحدث أيضًا لدى الأفراد الذين لا يعانون من هذا الاضطراب. ومع ذلك، عند الأشخاص المصابين بالفصام، غالبًا ما يكون هذا العجز أكثر حدة وانتشارًا. وقد دفع هذا الباحثين إلى التساؤل: هل العجز المعرفي سبب أم نتيجة لمرض انفصام الشخصية؟

تشير اضطرابات النمو العصبي إلى المشكلات التي تحدث أثناء نمو الدماغ، غالبًا في الرحم أو في مرحلة الطفولة المبكرة. يمكن أن تؤثر هذه الاضطرابات على كيفية نمو خلايا الدماغ واتصالها وتواصلها مع بعضها البعض، مما يؤدي إلى قصور إدراكي وزيادة خطر الإصابة بالفصام.

تاريخ أبحاث الفصام

لأكثر من قرن من الزمان، ظل الباحثون يحاولون فك شيفرة مرض الفصام، وهو اضطراب معقد وغامض يؤثر على الملايين في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من التقدم الكبير في العلوم الطبية، ظلت الأسباب الكامنة وراءه يكتنفها الغموض. وكان سائدًا أن الاختلال المعرفي المبكر، وانخفاض معدل الذكاء وغيره من أشكال العجز الإدراكي التي كانت موجودة قبل بداية الذهان، كانت ناجمة بشكل مباشر عن نفس العوامل الوراثية التي تزيد من خطر الإصابة بالفصام.

ولكن، تم تحدي هذا الافتراض من خلال أحدث الأبحاث، التي تشير إلى أن هذا المفهوم قد لا يكون أكثر من مجرد فكرة خاطئة عمرها قرن من الزمان. يتميز تاريخ أبحاث الفصام بسلسلة من الإنجازات والنكسات والأدلة الكاذبة والمفاهيم الخاطئة. من العمل الرائد ليوجين بلولر، الذي صاغ مصطلح “الفصام” في عام 1911، إلى تطوير الأدوية المضادة للذهان في منتصف القرن العشرين، يحاول الباحثون فهم تعقيدات هذا الاضطراب الغامض.

وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن موضوع أسباب الفصام ظلت دون إجابة. قاد البحث عن الإجابات الباحثين إلى سلسلة من الطرق المسدودة، مع التركيز على كيمياء الدماغ، والسموم البيئية، وحتى الاستحواذ الشيطاني. ولم يبدأ الباحثون في كشف الخيوط المتشابكة لهذا الاضطراب المعقد إلا بعد اكتشاف المتغيرات الجينية المرتبطة بالفصام. ومع ذلك، حتى مع هذا التقدم، ظلت العلاقة بين الضعف الإدراكي المبكر وخطر الإصابة بالفصام غير واضحة، حتى الآن.

كشف سر الاختلال المعرفي السابق للمرض

لنقل أنك تبني برج من المكعبات، حيث تمثل كل كتلة خطوة حاسمة في نمو الدماغ. إذا كانت واحدة أو أكثر من هذه الكتل معيبة، فقد يكون البرج بأكمله معرضًا لخطر الانهيار. وهذا ما يحدث تقريبًا في مرض الفصام، حيث تزيد الاضطرابات أثناء النمو العصبي من خطر الإصابة به. ولكن ما هي هذه الاضطرابات بالضبط، وكيف تساهم في الإصابة بالفصام؟

تكشف مراجعة البروفيسور أوين وأودونوفان أن الاختلال المعرفي السابق للمرض، وهي الظاهرة التي يظهر فيها الأفراد المصابون بالفصام انخفاض معدل الذكاء والعجز المعرفي قبل ظهور الذهان، لا ينتج بشكل مباشر عن نفس العوامل الوراثية التي تزيد من خطر الإصابة بالفصام. وبدلا من ذلك، فإن اضطرابات النمو العصبي التي تحدث في وقت مبكر، والتي غالبا ما تكون بسبب المتغيرات الجينية النادرة أو العوامل البيئية، هي التي تمهد الطريق لكل من الاختلال المعرفي وخطر الفصام.

فكر في الأمر وكأنه طريق سريع مكون من مسارين، حيث يمثل أحد المسارين التطور المعرفي والآخر يمثل خطر الإصابة بالفصام. في حين أن هذه الممرات منفصلة، ​​إلا أنها تنبع من نفس اضطرابات النمو العصبي الأساسية. وهذا يعني أن العجز المعرفي الذي لوحظ لدى الأفراد المصابين بالفصام ليس نتيجة مباشرة لنفس العوامل الوراثية التي تسبب هذا الاضطراب، بل هو نتيجة لاضطراب النمو العصبي الأساسي.

Related Post

أمل جديد للوقاية والعلاج

إن هذا الاكتشاف الرائد يفتح آفاقًا جديدة للوقاية من مرض انفصام الشخصية وعلاجه. ومن خلال فهم اضطرابات النمو العصبي التي تساهم في كل من الاختلال المعرفي وزيادة خطر الإصابة بالفصام، يستطيع الباحثون الآن التركيز على تطوير تدخلات مستهدفة للتخفيف من هذه الاضطرابات.

علاوة على ذلك، فإن هذا الإنجاز يبشر أيضًا بتحسين الوظيفة الإدراكية لدى الأفراد الذين تم تشخيص إصابتهم بالفعل بالفصام. ومن خلال معالجة اضطرابات النمو العصبي الأساسية، قد يتمكن الباحثون من تطوير علاجات جديدة لا تخفف الأعراض فحسب، بل تعزز أيضًا القدرات المعرفية.

يمتد التأثير المحتمل لهذا الاكتشاف إلى ما هو أبعد من نطاق أبحاث الفصام أيضًا. حيث يمكنه تسليط الضوء على أسباب التدهور المعرفي في اضطرابات النمو العصبي الأخرى، مثل التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. ومن خلال كشف التفاعل المعقد بين علم الوراثة والبيئة والنمو العصبي، يستطيع العلماء إنشاء خارطة طريق لمنع وعلاج مجموعة من الإعاقات الإدراكية.

والأهم من ذلك، أن هذا الإنجاز يوفر الأمل لملايين الأشخاص الذين يعانون من مرض انفصام الشخصية في جميع أنحاء العالم، وكذلك أسرهم ومقدمي الرعاية لهم. ويذكرنا أنه حتى في مواجهة الاضطرابات المعقدة والمدمرة، هناك دائمًا مجال للاكتشاف والابتكار والتقدم. كباحثين وأطباء ومناصرين، يجب علينا أن نغتنم هذه الفرصة لتحويل فهمنا لمرض انفصام الشخصية وخلق مستقبل أكثر إشراقا لجميع المتضررين منه.

المصادر

The genetics of cognition in schizophrenia | genomic psychiatry

Genetic studies reveal new insights into cognitive impairment in schizophrenia | eurekalert

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
أخبار علمية

Share
Published by
أخبار علمية

Recent Posts

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

5 ساعات ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

15 ساعة ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

4 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago