فلسفة

بين الفلسفة والتفكير النقدي، تعريف التفكير الفلسفي، وكيف نصل إلى المعرفة؟

تهتم الفلسفة بالاستقصاء والبحث العقلاني بهدف المعرفة، فاهتم الفلاسفة ودارسوها منذ فترة طويلة بفهم ماهية المعرفة.بمجرد أن تكون لدينا فكرة واضحة عن ماهية المعرفة، أي تعريف التفكير الفلسفي، وكيف نصل إلى المعرفة؟ حينها سنتمكن من طرح السؤال التالي والذي تسعى البشرية إليه بشغف كبير وهو ما إذا كانت قادرة على الوصول لليقين المعرفي، أي معرفة شيء ما على وجه اليقين والتأكد من أن صحته غير قابلة للشك. ولكن لماذا نشك أصلا؟

يلعب الشك دورًا مهمًا في جعلنا صانعي معرفة دقيقين، لكنه لا يمكّننا أبدًا من الوصول إلى اليقين المعرفي، كما يمكن للشك أن يذهب بنا أبعد مما نتخيل، بداية من الشك في إدراكنا ووعينا، وحتى الشك في العالم وفي وجودنا. الشك بحر عميق بلا أرض نحاول الخروج منه منذ الأزل بعد أن أدركنا أن الكثير مما اعتقدناه معرفة لم يكن كذلك!

تعريف التفكير الفلسفي، وكيف نصل إلى المعرفة؟

تخيل الحوار التالي بين شخصين أ و ب، يبدأ شخص أ الحوار قائلا: “هل تعرف أن السمك الذي تأكله الآن يمكنه الطيران؟”

ب: “لا أظن ذلك. أنت على خطأ”

أ: “بل أنا على صواب”

ب: “ولكن كيف تعرف أنك على صواب؟”

أ: “لأنني أؤمن بأن هذا السمك يطير!”

ب: “ولماذا تؤمن بأن هذا السمك يطير؟”

أ: “لأنني أؤمن بهذا!”

ب: “ولماذا تعتقد بأن إيمانك سيقنعني؟”

أ: “لأنني على صواب!”

ب: “وكيف تعرف بأنك على صواب؟”

أ: “لأنني أعرف أنني على صواب!”

كما يبدو من هذه المناقشة، فما يؤمن به (أ) لا يستوجب من (ب) أن يؤمن به أيضًا، فكيف يمكننا إصلاح تلك المناقشة؟

أ: “هل تعرف أن السمك الذي تأكله الآن يمكنه الطيران؟”

ب: “لا أظن ذلك. أنت على خطأ”

Related Post

أ: “بل أنا على صواب”

ب: “ولكن كيف تعرف أنك على صواب؟”

أ: “لأنني أمتلك الحُجة”

ب: “وما هي حُجتك؟”

أ: “لأن زعانف تلك السمكة أطول وأخف من بقية الأسماك وتتصل بعضلات أقوى، ولهذه السمكة أيضًا ذيل يضرب الماء بقوة، فتنطلق فوق سطح الماء بسرعة عالية تمكنها من الطيران لأمتار قليلة فوق سطح الماء!”

ب: “تبدو حجتك مقنعة قليلًا!”

قيمة الحُجة في الفلسفة

تحترم الفلسفة الحُجة وتعتبرها ركيزة أساسية من ركائز التفكير المنطقي والعقلاني، فهي كما رأينا قد أصلحت الحوار السابق بسهولة بغض النظر عن مدى صحة الحُجة، لكنها لا بد أن تتواجد في النقاش كي يصل إلى نتيجة بشكل ما. فالحُجة تخاطب العقل بالأسباب، والحجة المقنعة هي الحجة المنطقية. فهي ليست دعوة للشفقة والتعاطف، أو تهديدًا بالقوة، لكنها دعوة للمنطق. يقدر الفلاسفة الحجة لأنها تعني أن طرحك يمكن تفسيره وفهمه وقبوله من الآخرين. لهذا السبب فشل أ في البداية في إقناع ب، لأن حجته افتقرت للسبب. يحتاج أ إلى المزيد من الجهد لإقناع ب بإعتقاده، وعندما حصل ب على أسباب منطقية، بدا أنه أكثر قابلية للقبول باعتقاد أ.

وجود السبب لا يعني صحة الحُجة، ولا يعني قبول الاعتقاد من عدمه، لكنه يعني أن الحُجة أصبحت قابلة للنقاش بالأساس، أي يمكن معرفة صحتها أو خطئها وأن فرص صاحب الحُجة أ على اقناع ب قد زادت بشكل ملحوظ.

يقول رود جيرل: “إن المعرفة موضوعية جدًا، أما الإيمان فهو شخصي جدًا، المعرفة هي شيء يمكن إثبات خطئه، فإذا أخبرك شخص بمعرفته لشيء ما، يمكنك إثبات عدم معرفته به إذا أمكنك إثبات خطئه”

المحاججة

تُستخدم المُحاججة طوال الوقت بين الفلاسفة، مما جعل دراستها ركن رئيسي في المنهج الفلسفي، كما يجب معرفة وتمييز مجموعة من الكلمات عند استخدام المنهج الفلسفي، مثل “الاعتقاد” و”المعرفة” و”التفكير”. لكن لماذا يجب أن نميز تلك الكلمات تحديدًا؟ إليك مثلا بالتفكير، هل أنت تفكر الآن؟ ما دمت تقرأ هذا المقال فيبدو أنك تفكر بالفعل. لكن هل تمارس الفلسفة بمجرد قراءتك لهذا المقال؟ بالتأكيد لا! فهناك نوع محدد من التفكير يُدعى “التفكير الفلسفي”!

تعريف التفكير الفلسفي

التفكير الفلسفي ليس أمر صعب فحسب، وليست الصعوبة هي المميزة في التفكير الفلسفي عمومًا، فعلى سبيل المثال يصعب على أغلبنا ضرب رقمين كل منهما مكون من عددين سريعًا في رأسه، وبالرغم من صعوبة هذا الضرب فهو ليس تفكيرًا فلسفيًا.

ما دام الأمر غير مرتبط بالصعوبة، فبم هو مرتبط؟

يمكننا ربط التفكير الفسلفي بأنه التفكير في التفكير، فنحن نتواصل مع الآخرين لشرح أفكارنا فنحلل أفكارهم عبر حديثهم أو قراءة ما يكتبون. لا يقتصر الأمر على التفكير في التفكير ذاته، ولكن يمتد أيضًا لتقييم عملية التفكير. نحاول تطوير مجموعة من الاختبارات للتأكد من صحة عملية التفكير بأقصى قدر ممكن. والمحاججة هي أحد أعمدة تقييم عملية التفكير.

يقول ستيفين هيثيرينجتون: “ليس كافيًا أن تمتلك مجرد آراءًا، الآراء لا تعني شيء، حتى وإن أخبرت الجميع أنك تشعر بقوة بأن رأيك صحيحًا، فرغم قسوة ما سأقول، لكن رأيك لا يمكن اعتباره معرفة. لدينا نظرية فلسفية مذهلة تخبرنا لماذا لا يعتبر رأيك معرفة.”

Author: abdalla taha

أحب القراءة ومتابعة العلوم.

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
abdalla taha

أحب القراءة ومتابعة العلوم.

View Comments

Share
Published by
abdalla taha

Recent Posts

قراءة علمية في ألغاز الاختفاء الغامض: لماذا تختفي ألمع العقول في المختبرات الحيوية الأمريكية؟

هل أصبحت أبحاث "الأجسام الطائرة" والذكاء غير البشري لعنة على أصحابها؟ لطالما كان العلماء هم…

ساعة واحدة ago

زلزال في محراب البيولوجيا التطورية.. كيف كشف باحثون خدعة إحصائية تعيد النظر في قواعد “التطور الجنيني”

تصحيح مسار التاريخ البيولوجي.. كيف كشف "الخلل الرياضي" أسرار نمو الكائنات؟ منذ أن وضع داروين…

يومين ago

بكتيريا “الزومبي” واختراق حدود المستحيل: هل نجح العلماء في فك شفرة إعادة إحياء الحياة اصطناعياً؟

تراتيل الحياة من بين ركام العدم في غمرة السعي البشري الحثيث لفك طلاسم الوجود، تطل…

4 أيام ago

“مصريبيثيكس موغراينسيس”: ثورة علمية مصرية تعيد رسم شجرة عائلة القردة العليا وتكشف أسرار الماضي السحيق

حينما تستنطق رمال مصر صمت التاريخ في قلب الصحراء الغربية المصرية، حيث تلتقي زرقة السماء…

6 أيام ago

نهاية “الخلود” الجيني: دراسة يابانية تفك شفرة الانهيار البيولوجي وتكشف الحدود الحتمية لاستنساخ الثدييات

منذ تلك اللحظة التاريخية في عام 1996، حين أعلن العالم "إيان ويلموت" عن ولادة النعجة…

7 أيام ago

لمحة عن الحضارة الصينية القديمة

تُعد الحضارة الصينية من أقدم وأغنى الحضارات في تاريخ البشرية، اذ تمتد جذورها إلى آلاف…

أسبوع واحد ago