حياة

سلسلة التطور : الانتقاء الطبيعي

سلسلة التطور : الانتقاء الطبيعي – المقال الأول

ما هو الانتقاء الطبيعي ؟

“الانتقاء الطبيعي” هو مصطلح تم كتابته لأول مرة بواسطة «تشارلز داروين-Charles Darwin» منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا في كتابه المعروف «أصل الأنواع-The Origins of Species». وقد يبدو هذا المصطلح غريبًا أو معقدًا للوهلة الأولى ولكنه أبسط مما تتخيل!

يجب فقط أن تتوفر لديك ثلاثة شروط، فإن توفرت لديك هذه الشروط، يمكنك ساعتها أن تشهد على حدوث التطور بواسطة الإنتقاء الطبيعي. فببساطة، ستتطور صفة معينة عن طريق الإنتقاء الطبيعي إذا ما توفرت تلك الشروط.

التنوع

أولهم، التنوع، فإن أردنا لصفة معينة أن تتطور يجب أن تتوفر فيها صفة التنوع. بمعنى، أن توجد هذه الصفة في أفراد سلالة معينة بتنوع كبير، ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا ؟ كيف يمكن لهذه الصفة أن تكون محددة وفي نفس الوقت متنوعة بشكل كبير؟

الأمر بسيط، على سبيل المثال، طول القامة بالنسبة للبشر، فالبشر يظهرون تنوعًا كبيرًا في أطوال قامتهم. أو الاختلافات التي يمكننا رؤيتها في أجنحة الحشرات. أو أطوال رقاب الزرافات. فهي صفات محددة ومعينة في كل سلالة، ولكنها تظهر تنوعًا كبيرًا في بعض الأحيان.

الانتقاء

الشرط الثاني الذي نحتاجه هو الإنتقاء، أو الإختيار. ماذا يعني ذلك الأمر إذًا؟

لنتحدث على سبيل المثال عن صفة ” أطوال رقاب الزرافات” وإن كانت صفة لا تظهر تنوعًا كبيرًا في عصرنا هذا. إن أتينا بزرافتين، أحدهما ذكر والآخرى أنثى، وأعطيناهم كل ما يريدون لكي يعيشوا ويتكاثروا، ولنقل مثلًا أنهم أنجبوا أربعة من الأبناء.

ومن ثم تكاثرت تلك الأبناء وأنجبوا أربعًا من الزرافات الصغيرة مرة أخرى، ثم أنجبت تلك الأجيال الجديدة أربعًا من الزرافات وهكذا .. فسنجد نفسنا عاجلًا أم آجلًا ننظر لمئات ومئات من الزرافات. ولكن ببساطة لا يحدث ذلك في الطبيعة. فلا تستطيع كل الزرافات الإنجاب، يجب أن يكون هناك شكل من أشكال “الإنتقاء”.

ببساطة، لا يوجد طعام كافي في البرية لإطعام كل تلك الزرافات، الطعام المتوفر في البيئة محدود ولا بد أن تتنافس الزرافات على ذلك الطعام، لابد وأن يقع بينهم (كما صاغه داروين) “صراع على الحياة”.

الزرافات تتغذى على أوراق الشجر الموجودة على أغصان الأشجار والشجيرات. وبالتالي فمن المتوقع أن تحصل الزرافات ذات الرقاب الطويلة على غذاء أكثر من نظيراتها التي تتمتع برقاب أقصر، حيث أن الزرافات ذات الرقاب الطويلة ستستطيع الوصول لأوراق الشجر بسهولة أكبر.

وبالتالي، يمكننا استنتاج أن الزرافات ذات الرقاب الطويلة ستتمتع بفرصة أكبر في العيش والنجاة من ” الصراع على الحياة”. فسيمكنهم الوصول للغذاء بطريقة أسهل. وهذا ما نطلق عليه “الإنتقاء”.

Related Post

التوارث

آخر شرط يجب توافره لتكتمل تلك العملية هو إمكانية أن تنتقل هذه الصفة إلى الأجيال القادمة بنجاح. أي أن تورث تلك الصفة في أبناء السلالة.

في مثالنا هذا، ستتمكن الزرافة الأم ذات الرقبة الطويلة من أن تتغذى على طعام أكثر من نظيراتها ذوات الرقاب القصيرة، وستتمكن من أن تنتج حليبًا أكثر من نظيراتها وبالتالي ستتمكن من أن تلد أبناءًا أكثر من نظيراتها.

حسنًا قد يبدو ذلك كافيًا إذًا لاستمرار تلك الأجيال التي أنجبتها هذه الزرافة. ولكن ما يزال هناك شرط يجب أن يستوفى لحدوث التطور، وهو أن تنتقل صفة الرقبة الطويلة إلى الأجيال التي أنجبتها هذه الزرافة بنجاح. ويبدو ذلك ممكنًا جدًا في مثالنا هذا. ويمكننا استنتاج أن الزرافات ذات الرقاب الطويلة ستربي أجيالًا ذات رقاب طويلة كذلك، وستكون لتلك الأجيال فرصة أكبر في الحصول على الغذاء من نظيراتها ذات الرقاب القصيرة، وبالتالي سترتفع فرصها في النجاة والإستمرار في الحياة لفترة أطول.

هكذا، يحدث التطور!

مع الوقت، ستنتقل هذه الصفة وتورث إلى الأجيال القادمة، وسيوجد هناك أعداد أكبر من الزرافات ذات الرقاب الطويلة وستموت الزرافات ذات الرقاب القصيرة وتقل أعدادها شيئًا فشيئًا. ومع مرور الوقت سنلاحظ أن مستوى طول رقبة الزرافة قد ازداد، لأن أعداد الزرافات ذات الرقاب الطويلة قد ازداد كذلك. وهكذا، “تطورت” الزرافات ! بتلك الطريقة يحدث التطور البيولوجي عن طريق الإنتقاء الطبيعي. فالأمر بتلك البساطة: لا بد أن تتوفر ثلاثة شروط، إذا ما توفرت تلك الشروط، حدث التطور بواسطة الإنتقاء الطبيعي.

هل يوجد دليل علمي على هذه الظاهرة؟

ولكن يبقى السؤال، هل يوجد دليل علمي على وجود هذه الظاهرة؟ هل يمكننا رؤيتها بوضوح في البيئة المحيطة بنا ؟ أم هي مجرد تكهنات وافتراضات لما يمكن أن يكون قد حدث في الماضي ؟ في المقال التالي، سنستعرض معًا أدلة علمية وأمثلة على حدوث التطور. وستتفاجأ لمعرفة أن التطور قد يكون قريب منك جدًا. بل هو يحدث الآن داخل جسدك وربما لا تدري. ولا تحتاج لعشرات السنوات لتشهد عليه، فأحيانًا يحدث التطور في فترات قصيرة جدًا تتيح لنا جميعًا أن نشهد على حدوثه.

المصادر:
Coursera
Whyfiles

Author: Taher Ismael

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
Taher Ismael

View Comments

Share
Published by
Taher Ismael

Recent Posts

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

5 ساعات ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

3 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago

عيد العلم المصري: من “ريشة جحوتي” المقدسة إلى منارات العلم الحديث

في الحادي والعشرين من ديسمبر، لا تحتفل مصر بمجرد مناسبة عابرة، بل تستحضر روح هويتها…

أسبوعين ago