عمارة

الإدراك البيئي: كيف ندرك بيئاتنا؟

هذه المقالة هي الجزء 8 من 9 في سلسلة مقدمة في علم النفس البيئي

بالنسبة لعلم النفس البيئي وللدراسات العمرانية إجمالًا، هناك فرق بين “الموضوع – object”، و”البيئة – environment”. فبينما يحتاج الموضوع ذاتًا لتتعامل معه، تحتاج البيئة مساهمين «participant» ليتفاعلوا معها؛ إذ أن البيئة تحيط بالفرد ويعتبر جزءًا منها، ويتفاعل معها ويدركها باستعمال الحواس المختلفة (الحركة والشعور والشم وغيرها)، وربما يساهم فيها بتغييرها. ودائمًا ما يتضمن الإدراك البيئي هذا نوعًا من الأفعال، والتي تتضمن بدورها معانٍ ورموزًا معينة.

القدرة التصويرية للمدينة

تحدثنا في مقالٍ سابق عن كيفن لينش وعن كتابه «صورة المدينة»، والذي عرّف صوريّة المدينة أو قدرة الأفراد على تصوير وتخيل واستذكار المدينة بناءً على صفات المدينة العمرانية مثل الطرق والمراكز والحواف والعلامات والأحياء. وعرّف هذا المفهوم بـ«صوريّة المدينة – city imageability»، أو القدرة الصورية للمدينة. وصف لينش عملية الإدراك البيئي التي ترتكز على هذه العناصر العمرانية بـ«التخطيط الإدراكي – cognitive mapping»، وهو العملية العقلية والإدراكية التي يفهم بها البشر بيئاتهم ويتفاعلون بها من خلالها.

حاول لينش أيضًا قياس مستوى السهولة التي يمكن للسكان أن يقيّموا بها بيئةً ما ويستوعبوها داخل نمط أو نسقٍ معين، واطلق على هذا القياس اسم “وضوح المدينة”، أي القدرة على تكوين صورة ذهنية عن المدينة واستيعابها بشكلٍ منطقي ومتناغم. أي ان المدينة التي تحتوي على عناصر عمرانية محددة وواضحة تكون أسهل للتذكر والحركة.

ولكن على عكس ما قد يوحي به هذا من أن المدن المخططة (مثل المدن الحديثة نسبيًا كنيويورك أو الرياض) أسهل في الحركة خلالها، إلا أن جين جيكوبز أظهرت أن الوحدة البصرية الشديدة بين أجزاء المدينة تؤدي للتشويش، أي ان المدينة تحتاج قدرًا من العفوية والتنوع (العملي والبصري) ليتمكن السكان من ادراكها؛ وتتطلب أجزاءً متباينة تعمل فيما بينها، لا إلى أحياء متفرقة ومنفردة بذاتها [1]. ومن هنا نفهم احد أوجه القصور التخطيط الحضري للمدن وتقسيمها إلى أحياء مخصصة (للصناعة أو للسكن أو لغيرها)، أو حتى محاولة تصميم كل المناطق والبيوت والمباني لتبدو بنفس الشكل (بعض من أصدقائي الذين أقاموا في سنغافورة وصفوها بأنها شديدة التنظيم لدرجة الملل).

الصوريّة الاجتماعية

يمكن للأماكن المميزة أيضًا أن تحفز لدى السكان صورًا اجتماعية، أي معانٍ اجتماعية مشتركة بين مستعملي مكانٍ معين. فمثلًا يمكن لميدانٍ أو ساحةٍ ما أن ترتبط في ذهن سكان الحي بأنها مكانٌ للتجمع وللممارسة الأنشطة الجماعية، أو يمكن أن يرتبط شارعٌ ما بنوعٍ معين من السلوكيات أو الأنشطة أو الأحداث. في العادة، تكون الأماكن ذات القدرة التصويرية أيضًا ذات قدرة اجتماعية أيضًا.

تكشف الخرائط الذهنية للمدن وقدراتها التصويرية والاجتماعية عن جانبٍ مهم من دراسات المدن، وهي الفروق الطبقية بين السكان. فالكثير من المدن على سبيل المثال تعتمد بشكلٍ رئيسي على السيارات للتنقل، مما لا يتيح للطبقات الأفقر الانتقال خلال المدينة ومعاينتها، ويظلون مكدسين داخل مناطق سكنهم والتي قد تعاني من فقرٍ في المرافق العامة. والنتيجة هي أن معاينة بعض السكان للمدينة وتجربتهم للسكن فيها قد تكون شديدة الفقر مقارنة بآخرين من الطبقات الأعلى، الأمر الذي قد يفقدهم الشعور بالانتماء أو الاهتمام بالمدينة وبالحيز الذي يحتلونه فيها.

ومن الجوانب المهمة والتي بدأ الاهتمام بها عالميًا أيضًا هي الفوارق العمرية بين السكان. فالكثير من المدن ومشاريع التخطيط العمراني تكون مبنية بالأساس على استعمال السيارات على سبيل المثال وباهتمامٍ هامشي بالمشاة -إن وجد-. في المقابل فإن بعض المعماريين والمخططين بدؤوا بلفت الانتباه لحق الأطفال واليافعين في الاستمتاع بالمدينة بشكلٍ آمن وسلس، وبدأت الدراسات الحضرية باستكشاف كيف يمكن تخطيط المدن لتكون صديقة للأطفال[2].

Related Post
اعتبرت برازيليا مدينة نموذجية للتخطيط العمراني عديم الحياة، لدرجة أن مصطلح “متلازمة برازيليا – Brasilia Syndrome” صار كناية عن المدن ذات التخطيط والنسب غير المناسبة للبشر

الحواس البشرية وإدراكنا لما حولنا (الإدراك البيئي)

كما سبق لنا القول في الفقرة السابقة، فإن العديد من مشاريع التخطيط العمراني اليوم تعتمد بشكلٍ أساسي على السيارات وعلى المساحات الكبيرة والمسافات الشاسعة. العديد من المدن حول العالم اليوم تتمركز حول التنقل بالسيارات، مثل الكثير من المدن الأمريكية ومدن الخليج العربي على سبيل المثال.

يتعرض هذا النمط من التخطيط والتصميم للكثير من النقد، ومن جوانب هذا النقد المتعلقة بهذا المقال هي علاقة المدينة والعمران بالحواس البشرية وتناسبها معها. وربما يكون المعماري الدنماركي «يان غيل» أبرز من كتبوا عن هذه العلاقة في كتابه «مدن من اجل الناس». بنية البشر البدنية تسمح لهم بالرؤية ضمن نطاق وزاوية محددين، وسرعتهم في السير أيضًا تفرض عليهم رتمًا معينًا من الرؤية والانتباه على سبيل المثال. ولذلك فإن المشاة نادرًا ما ينتبهون لما يدور في الأدوار العلوية من البنايات -ما لم يرفعوا رؤوسهم، وهي عملية “مرهقة” ما لم يكن هناك داعٍ لها-. المشاة أيضًا يحتاجون مسافات قصيرة نسبيًا للمشي والتنقل في المدن، ووجود الطرق السريعة الواسعة أو ممرات المشاة التي تحتوي سلالم للصعود والهبوط يعد عائقًا في طريقهم. سرعة البشر في السير وبنية أجسامهم هي ما تجعلهم يشعرون بالضجر إذا ساروا بجانب جدارٍ فارغ؛ في حين أن وجود نوافذ ومعارض على مسافات متقاربة تشعر المشاة بالتنوع البصري وتلفت نظرهم، ما يشعرهم بالمتعة البصرية (ناهيك عن تحفيز الأنشطة كالبيع والشراء).

تعتمد النظريات الصديقة للمشاة على المساحات الصغيرة والمسافات القصيرة في تخطيط المدن، فالمدن المعتمدة على الطرق السريعة والسيارات تعتمد أيضًا على سرعة السيارات، ما لا يتيح للركاب معاينة المدينة والتفاعل معها كما يتاح للمشاة. من الجدير بالذكر أن المدن التقليدية (أي المدن ما قبل الصناعية وما قبل الحداثة) كانت تطبق هذه الأنساق بالفطرة، إذ كانت تبنى بمسافات متقاربة وبنسبٍ معتدلة تناسب حواس البشر.

الإدراك البيئي وعلم الأعصاب

ذكرنا عرضًا في مقدمة هذه السلسلة عن وجود ما يسمى بـ”علم الأعصاب المعماري”، وهو استعمال تقنيات ومناهج بحث خاصة بعلوم الأعصاب لدراسة تفاعل البشر مع المدن والعمران وإدراكهم لبيئاتهم. يبحث هذا المجال الآثار العقلية والذهنية للبيئة والعمران على العقل والسلوك البشريين، كما يدرس الكيفية التي يدرك بها البشر بحواسّهم البيئة من حولهم، في محاولة لتصميم بيئات أكثر ملائمة للحياة والسلوك البشريين. وجدير بالذكر أن العديد من نظريات هذا المجال لها أسس تطورية.

يميل الناس للنظر إلى المناطق ذات العوامل المثيرة. لم ينظر أحد تقريبًا إلى الجدار الفارغ في هذا المثال.

فعلى سبيل المثال، درس بعض الباحثين الكيفية التي ينظر بها الناس إلى واجهات المباني عن طريق دراسة حركة بؤبؤ العين، واكتشفوا أن الواجهات المثيرة والتي تحتوي على نوافذ وعلامات (وليست مجرد جدران صمّاء) تجذب نظر الناس عكس الجدران الصماء التي يتجاهلها الناس وكأنها لم تكن. يجدر هنا ذكر أن هذه من الافتراضات التي ذكرناها للتو للمعماري «يان غيل» حول السير في المدن: أي أن السير بجانب واجهات تجارية مفتوحة ومثيرة للاهتمام لا يشعر المرء بالملل. فكّر في هذا حين تتمشى لمكان جديد وحاول أن تلاحظ إن كنت تشعر بالملل أثناء المشي فيه أم لا وهل ينطبق هذا المثال عليه.

المصادر:
1: The Death and Life of Great American Cities
2: Cities Alive: Designing for urban childhoods
3: Environmental Psychology: Environmental Cognition

Author: زياد حسنين

كاتب ومعماري، مهتم بالدين والفكر والتاريخ وأشياء كثيرة أخرى.

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 0]
زياد حسنين

كاتب ومعماري، مهتم بالدين والفكر والتاريخ وأشياء كثيرة أخرى.

Share
Published by
زياد حسنين

Recent Posts

من دهاليز الجيزة إلى أعماق الفضاء.. ظواهر 2025 التي عجز العلم عن تفسيرها

أسرار عام 2025 "عام الغموض": هل اقترب البشر من فك شفرة الكون؟ لطالما اعتبر الإنسان…

3 ساعات ago

حلم “إديسون” يتحقق في 2026: ثورة نانوية في عالم البطاريات بقيادة العالم المصري “ماهر القاضي”

في لحظة فارقة من تاريخ العلم، ومع إسدال الستار على عام 2025، تصدّر مشهد الابتكار…

13 ساعة ago

البحث العلمي كقاطرة للجمهورية الجديدة: حصاد منظومة البحث العلمي والابتكار في مصر لعام 2025

مع نهاية عام 2025، يبرز البحث العلمي في مصر كأحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية…

4 أيام ago

وداعًا لأسطورة “الحواس الخمس”: أجسادنا “مفاعلات حسية” تعمل فيها عشرات الحواس الخفية بتناغم مذهل

تخيل أنك تستيقظ في غرفتك المظلمة تماماً. دون أن تفتح عينيك، ودون أن تلمس الجدران،…

6 أيام ago

حصاد العقول والعدسات: “نيتشر” تكشف عن الشخصيات والصور التي صاغت وجه العلم في 2025

من أعماق المحيط إلى حدود الكون: هؤلاء هم أبطال العلم لعام 2025 لم يكن عام…

أسبوع واحد ago

على خطى الاستدامة.. “علوم القاهرة” ترسم خارطة الطريق نحو “الحرم الجامعي الأخضر” وتفك شفرة “البصمة الكربونية”

في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق، لم يعد دور المؤسسات الأكاديمية…

أسبوع واحد ago