Ad

هل تساءلت يوماً لماذا تتوقف أصابعك عن التمرير السريع على شاشة هاتفك بمجرد رؤية خبر عن كارثة طبيعية أو جريمة مروعة؟ ولماذا نمنح اهتمامنا الكامل لخبر “انفجار” بينما نتجاهل خبراً عن “افتتاح حديقة عامة”؟ ليس الأمر مجرد فضول عابر، بل هو صراع بيولوجي قديم يدور في أعماق أدمغتنا. في عالمنا المعاصر، تحولت الأخبار المخيفة إلى “فخ” بيولوجي يقع فيه العقل البشري يومياً.

وينجذب الدماغ البشري للأخبار المخيفة بدافع غريزة البقاء، حيث تعاملت عقول أسلافنا مع الخطر كأولوية قصوى. في عصرنا الحالي، تنشط هذه الأخبار اللوزة الدماغية وتفرز هرمونات التوتر، مما يدفعنا للبحث عن مزيد من المعلومات لاستعادة “وهم السيطرة”. ومع ذلك، فإن الاستهلاك المفرط يؤدي إلى زيادة القلق بدلاً من تبديده.

هذا التقرير يستعرض الأسباب العلمية والنفسية الكامنة وراء هذا الانجذاب، وكيف تحولت “غريزة البقاء” من درع يحمينا إلى عبء يرهق صحتنا النفسية.

جذور المشكلة

يشير المعالج النفسي “ألكسندر فيودوروفيتش” إلى أن الانجذاب للأخبار السلبية ليس دليلاً على وجود خلل أخلاقي أو انحطاط في التفكير، بل هو نتاج تطور بشري امتد لآلاف السنين.

آلية البقاء القديمة

في العصور الغابرة، كان على الإنسان أن يكون شديد الحذر من الأخطار (مثل الحيوانات المفترسة أو الأعداء). الدماغ الذي كان يركز على “الغصن الذي يتحرك في الشجيرة” (خطر محتمل) كان هو الدماغ الذي ينجو، بينما الدماغ الذي يركز على “جمال الزهور” قد يتعرض للافتراس.

هذا ما يسميه العلماء “التحيز السلبي، وهو ميل الدماغ لإعطاء وزن أكبر للمعلومات السلبية مقارنة بالإيجابية.

دور اللوزة الدماغية

عند رؤية خبر مخيف، تُفعل اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي جزء صغير في الدماغ يشبه اللوزة ومسؤول عن معالجة المشاعر، وخاصة الخوف. ترسل اللوزة إشارة فورية: خطر! انتبه فوراً!”.

الأخبار السارة: لا تتطلب رد فعل فوري، لذا يمررها الدماغ كمعلومة ثانوية.

الأخبار المخيفة: تطلق استجابة “الكر أو الفر، مما يجعلنا نحدق في الشاشة رغماً عنا.

سيكولوجية البحث عن الأمان: لماذا نقرأ التفاصيل المرعبة؟

عندما نسمع عن انفجار في مدينة مجاورة أو جريمة في شارع قريب، يهتز شعورنا الفطري بالأمان. هنا يبدأ الدماغ بمهمة “جمع المعلومات المكثفة” كنوع من استعادة السيطرة.

وهم السيطرة

يظن الدماغ أنه من خلال معرفة “كيف حدث ذلك؟ ومن المسؤول؟” سيتمكن من حمايتنا إذا تكرر الحدث. القارئ يعتقد لا شعورياً أن المعرفة هي الدرع الذي سيمنع وقوع الكارثة له. لكن المفارقة تكمن في أن كثرة الأخبار لا تزيد الشعور بالأمان، بل تزيد من “القلق الوجودي وتجعل العالم يبدو مكاناً أكثر خطورة مما هو عليه في الواقع.

تأثير “التمرير الكارثي” في العصر الرقمي

في العصر الحديث، أصبحنا محاطين بالأخبار على مدار الساعة. هذا أدى إلى ظهور مصطلح “التمرير الكارثي، وهو الاستمرار في قراءة الأخبار السيئة على وسائل التواصل الاجتماعي رغم أنها تسبب الضيق.

التحفيز المستمر: الخوارزميات تدرك أن الأخبار السلبية تجذب انتباهنا لفترة أطول، لذا تضخ المزيد منها، مما يبقي الدماغ في حالة تأهب قصوى دائم.

الإرهاق العاطفي: استهلاك هذه الأخبار بكثرة يؤدي إلى “تآكل التعاطف” أو الشعور بالعجز التام.

كيف يؤثر الخوف على أجسادنا؟

عندما يركز الدماغ على الأخبار المخيفة، فإنه لا يتوقف عند التفكير فقط، بل يرسل إشارات للجسم لإفراز هرمونات التوتر مثل:

الكورتيزول (Cortisol): المعروف بهرمون التوتر، وزيادته المزمنة تضعف المناعة.

الأدرينالين (Adrenaline): الذي يرفع ضربات القلب ويجعل الإنسان في حالة توتر عصبي.

هذا التفاعل البيولوجي هو ما يجعلنا نشعر بضيق في الصدر أو صداع بعد قراءة سلسلة من الأخبار السيئة.

طرق المواجهة: كيف تكسر حلقة الانجذاب للأخبار المخيفة؟

يرى الخبراء أن فهم “آلية القلق” هو نصف الحل. إليك خطوات عملية لضبط استجابة دماغك:

  1. تحديد وقت الأخبار: خصص 15 دقيقة فقط مرتين يومياً لمتابعة المستجدات بدلاً من التصفح العشوائي.
  2. تنويع المصادر: ابحث عن قصص النجاح والابتكارات العلمية لموازنة التحيز السلبي في دماغك.
  3. الوعي باللحظة: عندما تشعر بضيق أثناء القراءة، توقف واسأل نفسك: “هل هذه المعلومة تفيدني حالياً أم أنها تستهلك طاقتي فقط؟”.
  4. تجنب الأخبار قبل النوم: الدماغ يحتاج إلى الهدوء لمعالجة معلومات اليوم؛ فالأخبار المخيفة ليلاً تسبب الأرق والكوابيس.

نحو استهلاك رقمي واعي

إن دماغنا “المبرمج” على الخوف يحتاج اليوم إلى “إعادة ضبط” واعية. الحماية الحقيقية لا تأتي من الانغماس في تفاصيل كل كارثة حول العالم، بل في القدرة على فصل أنفسنا عن تيار الأخبار السلبية المتدفق. كن حارساً لبوابة عقلك، ولا تسمح لغريزة البقاء القديمة أن تحرمك من عيش حياتك المعاصرة بطمأنينة. الوعي هو السلاح الأول لمواجهة فخ “الجاذبية القاتلة” للأخبار المخيفة.

طارق قابيل
Author: طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير...

اضغط هنا لتقييم التقرير
[Average: 5]

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم اجتماع أكاديمية البحث العلمي حياة طب صحة أحياء تطور بيئة فلسفة علم علم نفس

User Avatar

د. طارق قابيل

يمثل الدكتور طارق قابيل نموذجًا بارزًا للعالم المصري الملتزم بتطوير العلوم. فمن خلال مسيرته الحافلة بالإنجازات، استطاع أن يساهم بشكل كبير في مجال الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في تطوير هذا المجال، وحقق إنجازات بارزة على الصعيدين المحلي والدولي. حصل الدكتور قابيل على درجة الدكتوراه في الهندسة الوراثية من جامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة كليمسون الأمريكية، حيث أجرى أبحاثًا رائدة في زراعة الأنسجة النباتية. عمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون وشارك في العديد من المشاريع البحثية الوطنية والدولية. يشغل الدكتور قابيل حاليًا منصب مقرر لجنة الآداب والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية بمكتب التقييم الفني لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر، وأمين مجلس الثقافة والمعرفة بالأكاديمية الباحث الرئيسي لخريطة طريق التواصل العلمي، حيث يساهم في صياغة السياسات العلمية وتوجيه البحث العلمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات العلمية، مما يؤكد مكانته البارزة في المجتمع العلمي المصري والعربي. للدكتور طارق قابيل أكثر من 1000 مقال في تبسيط العلوم في أهم المجلات والجرائد العربية، ويعتبر رائدًا من رواد الثقافة العلمية في مصر، وتجسد إنجازات الدكتور قابيل التزامه العميق بتطوير العلوم ورفع مستوى البحث العلمي في مصر والعالم العربي. وبفضل جهوده المتواصلة، أصبح الدكتور طارق قابيل رمزًا للباحث المصري المبدع، الذي يسعى دائمًا إلى تطوير علمه وخدمة مجتمعه. وقد ترك بصمة واضحة في مجال العلوم الأساسية، وفتح آفاقًا جديدة للباحثين الشبان.


عدد مقالات الكاتب : 163
الملف الشخصي للكاتب :

التالي

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *