Ad

في غضون أسابيع قليلة فقط، تتحول أمعاء الأطفال حديثي الولادة من بيئة معقمة إلى نظام بيئي مزدهر يعج بالكائنات الحية الدقيقة. تعتبر عملية استعمار الأمعاء، ضرورية لتطوير نظام مناعة صحي، ويُعتقد منذ فترة طويلة أنها تتأثر بشكل أساسي بالأم. ومع ذلك، كشفت دراسة رائدة حديثة أن الآباء يلعبون أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل الكائنات الحية الدقيقة في أمعاء أطفالهم. أي أن الأباء وللمرة الأولى ينضمون إلى مصادر ميكروبيوم حديثي الولادة.

يمثل هذا البحث، بقيادة ويليم م. دي فوس من جامعة فاجينينجن وجامعة هلسنكي، وشارك في تأليفه نيكولا سيجاتا من جامعة ترينتو في إيطاليا، تقدمًا كبيرًا في فهمنا لكيفية استعمار أجسام الأطفال. من خلال تحليل عينات البراز من الأطفال حديثي الولادة وأولياء أمورهم، كشف الباحثون عن مساهمة الآباء في تشكيل ميكروبيوم أطفالهم الرضع. إذًا، كيف يؤثر الآباء والأمهات على استعمار أمعاء أطفالهم، وما هي آثار هذا البحث على صحة الرضع؟

تاريخ أبحاث الميكروبيوم

إن اكتشاف أهمية الأمهات في تشكيل الكائنات الحية الدقيقة لأطفالهن متجذر في تاريخ غني من الأبحاث. إن مفهوم الميكروبيوم أو مجتمع الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش على أجسامنا وداخلها، كان موجودًا منذ قرون. ومع ذلك، لم يبدأ العلماء في كشف أسراره وأهميته في صحة الإنسان إلا في العقود الأخيرة.

ومن رواد هذا المجال عالم الأحياء الفرنسي لويس باستور الذي اكتشف في القرن التاسع عشر أهمية الميكروبات في التخمر والأمراض. وفي وقت لاحق، في أوائل القرن العشرين، ظهرت “النظرية الجرثومية” للمرض، والتي أكدت على دور الميكروبات في التسبب في المرض. ومع ذلك، لم يبدأ العلماء في الكشف عن العلاقات المعقدة بين الميكروبات ومضيفيها إلا في التسعينيات.

مشروع الميكربيوم البشري

في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قطع الباحثون خطوات كبيرة في فهم الميكروبيوم البشري. كان مشروع الميكروبيوم البشري، الذي تم إطلاقه في عام 2008، بمثابة مبادرة تاريخية تهدف إلى تصنيف المجتمعات الميكروبية المتنوعة التي تعيش في أجسامنا. وكشف هذا المشروع أن الميكروبيوم البشري يتكون من تريليونات من الكائنات الحية الدقيقة، مع وجود أعلى تركيز له في الأمعاء.

أظهرت الأبحاث أن الكائنات الحية الدقيقة لدى الأمهات لعبت دورًا حاسمًا في استعمار أمعاء أطفالهن، والتأثير على أجهزتهم المناعية، وحتى التأثير على نمو دماغهم. أثارت هذه المعرفة موجة جديدة من الأبحاث حول ميكروبيوم الأم وتأثيره على صحة الرضع.

أصول السلالات الميكروبية عند الأطفال حديثي الولادة

إن اكتشاف أن الآباء يلعبون دورًا مهمًا في تشكيل الكائنات الحية الدقيقة لأطفالهم الرضع هو اكتشاف رائد يلقي ضوءًا جديدًا على العملية المعقدة لاستعمار الأمعاء. وكانت الأبحاث السابقة قد أكدت على أهمية الأمهات في تلقيح أطفالهن حديثي الولادة بالكائنات الحية الدقيقة، ولكن تم تجاهل دور الآباء إلى حد كبير. تكشف هذه الدراسة أن الآباء يساهمون بنسبة كبيرة في السلالات الميكروبية الموجودة لدى أطفالهم الرضع، حتى أن بعض السلالات تنشأ منهم وليس من الأم.
إحدى النتائج الأكثر إثارة للدهشة هي أن سلالات (Bifidobacterium longum)، المعروفة باستخدام السكريات قليلة التعدد في حليب الأم، قد تنشأ في الواقع من الأب. وهذا يتحدى فهمنا المسبق لمصادر السلالات الميكروبية المفيدة عند الرضع ويسلط الضوء على أهمية النظر في ميكروبيوم الأب في عملية الاستعمار.

اكتشف الباحثون أن حوالي نصف السلالات الموجودة في أجسام الأطفال الرضع يمكن إرجاعها إلى أمعاء الأم. ولكن ماذا عن النصف الآخر؟ تشير الدراسة إلى أن الأشخاص الآخرين الذين لديهم اتصال وثيق مع الرضيع، مثل الآباء ومقدمي الرعاية، قد يساهمون في السلالات المتبقية. وهذا يعني أن عملية استعمار الأمعاء لا تعتمد فقط على تأثير الأم، بل هي ظاهرة متعددة العوامل تتأثر بشبكة من العلاقات الوثيقة. يقدم التحليل الحسابي والدراسة الميتاجينومية للباحثين لعينات البراز من الأطفال حديثي الولادة وأولياء أمورهم لمحة رائعة عن الديناميكيات المعقدة لانتقال الميكروبات.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في آثاره على فهمنا للتفاعلات الاجتماعية والجسدية بين الآباء وأطفالهم حديثي الولادة. وتشير الدراسة إلى أن العلاقة بين الأب وطفله ليست عاطفية فحسب، بل هي أيضًا علاقة ميكروبيولوجية، حيث يلعب الأب دورًا حاسمًا في تشكيل الكائنات الحية الدقيقة لدى الرضيع. يمكن لهذه المعرفة أن تفيد استراتيجيات تعزيز استعمار الأمعاء الصحي عند الرضع، وخاصة أولئك الذين يولدون بعملية قيصرية، والذين قد يحتاجون إلى دعم إضافي في إنشاء ميكروبيوم متوازن.

التأثيرات بعيدة المدى لاستعمار الأمعاء على صحة الرضع

إن اكتشاف المساهمة الأبوية في استعمار أمعاء الأطفال حديثي الولادة له آثار كبيرة على صحة الرضع. يلعب الميكروبيوم دورًا حاسمًا في تشكيل جهاز المناعة، وهضم الطعام، وإنتاج الفيتامينات الأساسية. تم ربط عدم التوازن أو التغيير في الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء، والمعروف أيضًا باسم اختلال الميكروبيوم (Dysbiosis)، بأمراض مختلفة، بما في ذلك الحساسية والربو وحتى الاضطرابات العصبية.

تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية التعرض لمجموعة متنوعة من الكائنات الحية الدقيقة في الحياة المبكرة. ومن خلال فهم دور الآباء ومقدمي الرعاية الآخرين في تشكيل الكائنات الحية الدقيقة في أمعاء الرضع، يمكننا أن نقدر بشكل أفضل أهمية التفاعلات الاجتماعية الوثيقة في تعزيز التوازن الميكروبي الصحي.

مع نمو فهمنا لاستعمار الأمعاء، قد نكشف عن استراتيجيات جديدة لتعزيز التطور الميكروبي الصحي عند الرضع. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد تشجيع الاتصال الجسدي والرضاعة الطبيعية، فضلاً عن خلق فرص للتفاعل الاجتماعي بين مقدمي الرعاية والأطفال حديثي الولادة، في تعزيز توازن الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء.
لا يمكن المبالغة في تقدير التأثيرات بعيدة المدى لاستعمار الأمعاء على صحة الرضع. ومن خلال إدراك أهمية التعرض الميكروبي في الحياة المبكرة، يمكننا اتخاذ خطوات استباقية لدعم صحة ورفاهية الأجيال القادمة.

المصادر:

Study shows role of fathers in seeding the microbiota of newborns and confirms benefits of maternal fecal microbiota transplants / science daily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


طب صحة

User Avatar


عدد مقالات الكاتب : 148
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *