Ad

يصف الأطباء الموت في بعض الأفلام قائلين: «للأسف، توقفت جميع وظائفه الحيوية». فسواء كان ضمور الرئتين أو سكتة قلبية مفاجئة أو مرضًا عضالًا فتك بجسد الميت. فالعامل المشترك هو قصور أجهزة الجسم عن أداء وظيفتها. إن موت الجسد إيذانٌ للطبيب بإبلاغ أهل الميت وإشارة للعائلة بفعل ما يجب. الموت إذن هلاك جسدي يُفضي إلى عادات ومراسم معينة. ولكن ماذا يعني الموت فلسفيًا؟ هل ننعي الميت أم نزف تحرر فقيدنا من الأغلال الدنيوية؟ وهل يمكن النجاة منه؟

هل يمكن النجاة من الموت؟

لنعرف إمكانية النجاة من الموت يجب أن نفهم ماهيته، ولنطرح سؤالًا: ماذا يعني أن شخصًا ما قد مات؟ أن حياته انتهت؟  وكأننا نقول بالضبط: هل يمكن أن يكون هناك حياة عقب انتهاء الحياة؟ والإجابة قطعًا لا. وعلى نفس المنوال: هل إذا أكلت كل الطعام سيتبقى شيء؟ أو ماذا يحدث في الفيلم بعد نهايته؟ كلها أسئلة بلا إجابة فالمفترض أنه لا حياة بعد الموت.

لنفهم معنى النجاة تخيل معي أن طائرة تحطمت على الخط الفاصل بين كندا والولايات المتحدة وكان شغل المحققين الشاغل وقتها «أين سندفن الناجين؟»، نعم الناجين وليس المتوفين!

اعتاد الناس التفكير في البلد الأقرب بالضبط، ليكتشفوا حينها أن الإجابة كانت ببساطة «نحن لا ندفن الناجين». إذًا فالدفن للأموات والحياة للناجين وعليه فالنجاة عكس الموت. يصبح سؤال هل أكون ميتًا إن لم أكن من الناجين بديهيًا فالرُكاب إما ناجٍ أو ميت. لكن ماذا إذا مثلنا مراحل حياة الإنسان على النحو الآتي:

B1B2B3→…→ Bn

لترمز B  إلى الموت الجسدي. حينها تُمحى الأسئلة السابقة ويصبح السؤال: هل أظل على قيد الحياة بعد موت جسدي؟ أو هل يمكن أن أنجو أنا بعد موت الجسد؟ وهل أنا منفصل عن جسدي؟ للإجابة أو للاقتراب منها يجب أن نعرف من هو «أنت».

هل ينفصل الإنسان عن جسده عند الموت؟

إذا أردت أن تعرف مصيرك بعد الموت فلتبدأ بسؤال ميتافيزيقي: ما الذي يمثله شخص ما؟ أو ما أجزاء الإنسان؟ انقسم الفلاسفة والتفوا حول مذهبين أولهما (الثنائية Duality) وهي أن يتكون الإنسان من جسد ونفس، وثانيهما (الأحادية Monism) التي تنشق عنها (وحدة الجسد Physicalism) و(وحدة النفس Idealism). فما هي هذه المذاهب؟

الثنائية

تنص الثنائية على كون الإنسان جسدًا وشيئًا آخر لا نعرف ماهيته، على أن يكون هذا الشيء غير مادي وهو الكيان الذي يسمى العقل أو النفس. والعلاقة بين المكونين متبادلة؛ فالعقل يتحكم في الجسد، كأن تنوي الوقوف فتشرع قدماك إلى لمس الأرض. كما أن الجسد يؤثر في العقل، كأن تلدغ جسدك نحلة فتشعر بالألم الذي يعد بدوره معنويًا حسيًا. فاللدغة أصابت الجسد ولكن الألم تمثل في النفس أو العقل.

احتدم الجدل القائم بين الثنائيين والأحاديين وتسلح كل منهما بحجة ومنطق. دعونا نسمع جدالهما في حوار تخيلي بين كل من مولر (اسم ذو مقطع واحد أي يدعم وحدة الجسد) أن الجسد لا يحتاج نفسًا وأنها فرضية بلا داعٍ، بينما يرى فريدريك (اسم ذو مقطعين ويدعم الثنائيين) أن هنالك كيانًا غير مادي بجانب أجسادنا.

فريدريك: أزعم أن النفس موجودة وهي غير مادية. إذ تبقى بعد فناء الجسد وتكفل للإنسان الخلود.

مولر: أفهم وجهة نظرك، لكن إذا تكون الشخص من جسد ونفس مجتمعين كما تدعي، فإنه زوج مترابط ومستقل في ذات الوقت. فإن تفككت مكوناته بموت الجسد، تدمر الشخص لتدمر الزوج المترابط فلا يمكن لنفس كانت جزءًا من الزوج أن تقف بمفردها، وعليه لا توجد نفس.

فريدريك: فهمتني بشكل خاطئ، إذ لا تتضرر النفس بموت الجسد، من قال أنهما ملتصقان بغراء؟ العلاقة بين النفس والجسد مجرد ترابط وثيق قائم على التفاعل المتبادل وليس التصاقًا. وعليه لا يعني موت الجسد أن الشخص سيموت، فيمكن لروحه أن تتحرر ببساطة. إن فرضنا أن الجسد هو المنزل الذي نعيش فيه، فقد يعيش الشخص في منزل ويرتبط به ولكن احتراق المنزل لا يحتم موت الشخص، فقد يجد طريقه للخارج.

مولر: أنت تقول تفاعلًا متبادلًا، أليس كذلك؟ لكن إذا كانا يتصرفان بنفس الطريقة تمامًا، فلم لا نفترض أن هناك تفاعلًا موازيًا لموت الجسد، وهو موت النفس التابعة له؟ كما رمزت لعملية موت الجسد (Bodily Death) كالاتي:

B1 B2 B3→…→ Bn

نستطيع أن نفترض عملية مصاحبة وهي موت النفس (Soul Death):

S1 S2 S3→…→ Sn

فريدريك: لكن النفس كيان غير مادي، ولا يتأثر بعملية مادية كالموت على خلاف الجسد. وعليه لا يجدر بنا توقع موت النفس بتدمير الجسد.

يبدو أننا وصلنا في الحوار لنقطة جوهرية وهي وجود النفس. دعونا نستكمل الحوار بينهما لاحقًا.

كيف نثبت وجود شيء لا نراه كالنفس؟

الطريقة المعتادة هي افتراض وجود شيء لا نراه لتفسير أشياء نعلم يقينًا أنها موجودة فيما يعرف بالاستدلال على أفضل تفسير. وتصبح الفرضيات مدعومة بالملاحظات المادية التي وضعنا الفرضية لتفسيرها من الأساس [3]. فلم نصدق وجود الذرات مثلا رغم أننا لا نراها؟ ببساطة لأن النظرية الذرية (Atomic Theory) تفسر الانشطار النووي وإطلاق كمية كبيرة من الطاقة وهو أمر شهدناه جميعًا وله فيديوهات كثيرة على الانترنت. هل يوجد جراثيم؟ نعم، فهناك أمراض تتسبب بها الجراثيم ونرى أثر تلك الأمراض علينا. إذن، كي نستنتج وجود النفس، بقي لنا تحديد المشاهدة المادية التي سيكون وجود النفس مفسرًا لها.

لنعد إلى حوار فريدريك ومولر أو حوار الثنائية ووحدة الجسد.

فريدريك: تنطلق حجتي من مسلّمات ثلاث، الأولى أن لدينا إرادة حرة بصفتنا بشرًا. وثانيهما أن لا شيء خاضع للحتمية لديه إرادة حرة. وثالثهما وجوب أن تخضع جميع الأنظمة الفيزيائية البحتة للحتمية. فكل حدث في الكون خاضع لتسلسل منطقي سببي مُحدد سلفًا، ضمن سلسلة غير منقطعة من الحوادث يؤدي بعضها إلى بعض وفق قوانين محددة وثابتة. أؤمن بأنه لا يستقيم وجود الإرادة الحرة والحتمية معًا، وأن أجسادنا تحوي كيانًا غير مادي تنتج عنه إرادتنا الحرة وأفعالنا الواعية. 

مولر: وإذا ثبت الرأي القائل أن الإرادة الحرة مجرد وهم وأننا مُسيرون بالكامل، فهل ضربت حجتك في مقتل؟

فريدريك: ممم، ماذا عن خضوع كل المواد للحتمية؟ إذا ثبت ذلك وثبتت إرادة الإنسان الحرة، فلا يمكن أن يمتلك كيان مادي كالجسد وحده إرادة حرة، لأن تفاعلات المواد تتبع الحتمية. وهكذا النفس -باعتبارها كيانًا غير مادي- وهي المسبب بالتأكيد.

«لم يعد الكون حتميًا كما كان في الفيزياء الكلاسيكية».

ماكس بورن

لاحتمية المواد

مولر: إذن كل ما علي فعله هو نفي صفة الحتمية عن المواد وتوضيح أن المادة تمتلك إرادة حرة وأنها قد تتبرأ من حتميتها، أليس كذلك؟ حسنًا، أستطيع أن أجادل أن الأنظمة الفيزيائية تكون احتمالية في بعض الأحيان وهذا ما يدين به الرياضيّ والفيزيائي الألماني ماكس بورن. اتخذ بورن من ميكانيكا الكم مرجعيته فأي جسم كمي يبدو كنقطة ويتلاشى حينها أي وصف مكاني يعرّفه. وتتمتع الإلكترونات والأجسام الكمومية الأخرى بنوع من الوجود الاحتمالي. لذا يمكن للإلكترون أن يتواجد في أي مكان طالما دخل في حيز دالته الموجية.

يمكن وصف ذلك أيضًا من منظور هايزنبيرج ومبدأ عدم اليقين. فوفقًا لهذا المبدأ، كلما حددنا موقع الجسم الكمي بدقة أكبر قلت قدرتنا على تحديد سرعته على نحو دقيق، والعكس صحيح. لذا ما تقوله ميكانيكا الكم هو أن الجسيم الكمي لا يمكن أن يكون في مكان واحد فقط ولا أن يتحرك بسرعة واحدة فقط [4]. 

أرى أن الحتمية ليست فرضًا على المادة، فهناك مواد تتصرف على نحو عشوائي. وكنتيجة موازية، فالإرادة الحرة ليست حِكرًا على الكيانات غير المادية، فهناك مواد لا تخضع لقانون معين وتنتهج الاحتمالية وعليه يمكننا نسب صفة الإرادة الحرة لها. وأخيرًا أعتقد أنني أسقطت حجتك.

كما رأينا في حوار الثنائيين وممثلهم فريدريك، قامت الحجة على مسلّمات قابلة للنقد وثبت خطؤها. وحتى الآن لا مبرر للاعتقاد بأن الإنسان يتكون من جسد ونفس. وتوافقت الثنائية مع فلسفة رينيه ديكارت، الذي كان يرى أن العقل غير مادي. إذ ميّزه عن الدماغ بأنه موضع الذكاء وهو أول من صاغ مسألة العقل والجسد في صيغتها المعروفة اليوم. بينما كان إيمانويل كانط مؤمنًا بوحدة النفس. أما في نظر أرسطو، فالنفس لا تستقل عن المادة؛ وبذلك فإن النفس توجد بوجود الجسد وتفنى وتنتهي بموته وفنائه. والآن، إلى أي فئة تميل عزيزنا القارئ؟

المصادر

1-Stanford Encyclopedia of Philosophy

2-Encyclopedia.com

3-Yale University

4-Wondrium Daily

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


غير مصنف فكر فلسفة

User Avatar

عصماء عصمت

مهتمة باللغويات والعلوم الإنسانية.


عدد مقالات الكاتب : 6
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق