Ad

ما المقصود بفكرة الحتمية الكونية؟ وما هو رأي ميكانيكا الكم في الحتمية السببية؟

في عشرينيات القرن الماضي احتدم النقاش وحمي الجدال بين العالمَين أينشتاين وماكس بورن وكان صدامًا بين فلسفتين، بين مذهبين متناقضين في التصوّرات الميتافيزيقيّة لطبيعة الواقع وما يمكننا أن نتوقّعه من التصوير العلميّ لهذا.  في ديسمبر من العام 1926 كتب أينشتاين “إنّ لنظرية ميكانيكا الكمّ فوائد جمة، لكنها لا تقرِّبنا من سر الإله”. أنا على يقين تام بأن الله لا يلعب النَّرْد”. كتب أينشتاين هذا في ردِّه على خطاب من الفيزيائي الألماني ماكس بورن. كان ماكس يقول إنّ قلب نظرية ميكانيكا الكم الجديدة ينبض بالشك والعشوائية، وكأنه يعاني من اضطراب النَّظْم القلبي. فحين كانت الفيزياء قبل نظرية الكمّ قِوامها أنّا إذا أدخلنا مُدخلًا معينًا، نحصل على مخرج محدد، بَدَا قِوام ميكانيكا الكمّ أنّا إذا أدخلنا مُدخلًا معينًا نحصل على مُخرج باحتماليّة ما، وفي بعض الحالات يمكننا الحصول على مُخرج آخر. في هذا المقال سنتعرف على مفهوم الكون الحتمي وعلى رأي نظرية ميكانيكا الكم في مفهوم حتمية الكون.

ما المقصود بفكرة الحتمية الكونية؟

اعتقد العديد من جهابذة العلماء كنيوتن ولابلاس وأينشتاين بأن الكون يعمل تمامًا كالساعة، أي بقوانين محددة ودقيقة وما علينا سوى اكتشاف هذه القوانين نتمكّن من التنبؤ بالمستقبل تنبؤًا دقيقًا لا يُساوره الرّيب. يُعرف هذا المنهج بالفلسفة باسم الحتمية السببية وهي الاعتقاد بأنه يمكن استنتاج المستقبل بناءً على الحاضر وقوانين الطبيعة.

طُور المعتقد الفلسفي بالحتمية لأول مرة من قبل الفلاسفة اليونانيين ما قبل سقراط مثل هيراقليطس وليوكيبوس بين القرنين السابع والثامن قبل الميلاد. في السنوات اللاحقة، بنى أرسطو عليها، لكن الفلاسفة الرواقيين هم من قدموا أهم المساهمات وشاعوا هذه الفلسفة. تتجذر فكرة الحتمية بالتأكيد في فكرة فلسفية شائعة جدًا، الفكرة القائلة بأنه يمكن تفسير كل شيء، من حيث المبدأ، أو أن كل شيء له سبب كافٍ للوجود والوجود كما هو، وليس غير ذلك. بعبارة أخرى، تكمن جذور الحتمية فيما أسماه “ليبنيز” مبدأ العقل الكافي ولكن منذ أن بدأت صياغة النظريات الفيزيائية الدقيقة بطابع حتمي ظاهريًا، أصبحت الفكرة قابلة للفصل عن هذه الجذور. غالبًا ما يهتم فلاسفة العلم بالحتمية أو اللاحتمية في النظريات المختلفة، دون أن يبدأوا بالضرورة من وجهة نظر حول مبدأ «لايبنتز-Leibniz».

لا يتعلق مفهوم الحتمية السببية بالكون فقط بل ذهب بعض الحتميين للقول بأن سلوك البشر تحدده مورثاتهم مسبقًا من البيئة التي نشأوا فيها أو من خلال التفاعلات الكيميائية في دماغهم وبالتالي فخياراتنا وقراراتنا هي مجرد نتائج حتمية تحددها قوانين الطبيعة والتي إن استطعنا فهمها فسنكون قادرين على التنبؤ بسلوك البشر تنبؤًا حتميًا. بعبارة أخرى، أنت لا تمتلك إرادة حرة وليس لديك حرية الاختيار فيما تفعله ولكن عارض هذا الرأي الكثير من العلماء وطوّرا نظرياتهم بخصوص مفهوم الإرادة الحرة. الحقيقة ليس هذا مجرد نقاش فلسفي بل هو موضوع هام ومتعلق بالمسؤولية الأخلاقية، فهل يجب أن نعاقب المجرم إذا لم يكن الجرم الذي اقترفه نابعًا من إرادته بل نتيجة حتمية لقوانين الطبيعة-مُقدّر له ومكتوب بواسطة قوانين الطبيعة-؟

الحتمية وعلم الفيزياء الكلاسيكية

حتى نهاية القرن التاسع عشر، كان علم الفيزياء يسير بشكل عام على نهج وفلسفة العالم “إسحاق نيوتن”. فقد كانت آلية عمل قوانين الفيزياء مفهومة جيداً، ولا شيء فيها يدعو إلى القلق. فالسببية والحتمية منسوجتان في صُلب قوانين الطبيعة. وكل ما نحتاجه لمعرفة حالة الكون المستقبلية هو معرفة شروطه الحالية فقط. بمعنى آخر، بات الكون أشبه بآلة عملاقة تعمل بدقة الساعة، لا يصيبها الخلل ولا الملل منذ أن أُطلقت للعمل. فإذا ما علمنا عن موضع وسرعة كوكب أو نجم ما أو حتى ذرة شاردة في الكون في لحظة معيَّنة، يمكننا تحديد كل حركات هذا النجم أو تلك الذرة في المستقبل تحديدًا دقيقًا، شرط أن نأخذ في الحسبان جميع التأثيرات الخارجية. وبهذه الطريقة نستطيع، من حيث المبدأ، عبر استخدام قوانين الفيزياء أن نحدِّد حالة كل ما في الكون، من أكبر مجراته إلى أصغر ذراته. عندها فقط ستكون صورة الكون المستقبلية ماثلة أمام أعيننا، تماماً كالماضي.

ما الذي قصده أينشتاين في قوله ” إنّ الله لا يلعب بالنرد مع الكون”؟

ما الذي قصده أينشتاين بالضبط عندما قال هذا؟ لفهم طبيعة اعتراض أينشتاين، من المهم تقدير الدور الذي تلعبه الحتمية في الفيزياء الكلاسيكية. وفقًا لمعادلات الفيزياء الكلاسيكية -من حيث المبدأ-يمكن حساب جميع الأحداث المستقبلية والتنبؤ بها بدقة تامة.

إذا كان من الممكن معرفة الموقع الدقيق وسرعة كل ذرة وكل جسيم آخر في الكون، وإذا كان بإمكان المرء اختراع جهاز حاسوب ذي قدرات هائلة للغاية، فيمكن عندئذٍ استخدام معادلات الفيزياء الكلاسيكية لحساب كل شيء يمكن أن يحدث على الإطلاق في المستقبل. سيكون من الممكن أيضًا تشغيل هذه المعادلات للخلف لمعرفة كل ما حدث في الماضي. في الواقع، وفقًا للفيزياء الكلاسيكية، يمكن تحديد المستقبل يتحدد بدقة من قبل الحاضر. يشبه الكون ساعة كبيرة ومعقدة، تتحرك للأمام بطريقة معقدة، ولكن يمكن التنبؤ بها تمامًا. أيّد أينشتاين هذه الرؤية للكون؛ وفقًا للفيزياء الكلاسيكية، لا دور للصدفة أو الاحتمال وهذا يعني أن إله الفيزياء الكلاسيكية لا يلعب النرد. ولكن مع تقديم تفسير بورن لميكانيكا الكم صورة مختلفة، لم يعد الكون قابلاً للتنبؤ به كما كان في الفيزياء الكلاسيكية.

تفسير ماكس بورن لميكانيكا الكم

وفقًا لبورن وطريقته في التفكير حول ميكانيكا الكم، فإن الإلكترون (أو أي جسم كمي آخر) يمتد عبر حجم الفضاء الذي تغطيه الدالة الموجية. عندما نقيس موقع الإلكترون، فإنه دائمًا ما يشبه النقطة دون أي مدى مكاني. ومع ذلك وقبل أن يُقاس، يكون الإلكترون في نفس الوقت في جميع المواقع التي تغطيها دالة الموجة الخاصة به، أي أنه فعال في العديد من الأماكن وكلها في نفس الوقت. بهذا المعنى، تتمتع الإلكترونات والأجسام الكمومية الأخرى بنوع من الوجود الاحتمالي، حيث توجد في جميع الأماكن الممكنة وتقوم بكل الأشياء الممكنة في جميع الأوقات الممكنة.

يمكن وصف ذلك أيضًا من منظور مبدأ اللايقين لهايزنبرج. وفقًا لهذا المبدأ، كلما تم تحديد موقع الكائن الكمي بدقة أكبر، كلما قلت قدرتنا على تحديد سرعته بشكلٍ دقيق، والعكس صحيح. لذا، ما تقوله ميكانيكا الكم هو أن الجسيم الكمي لا يمكن أن يكون في مكان واحد فقط ويتحرك بسرعة واحدة فقط.

تخيل إلكترون يُوصف من خلال دالة موجية تبلغ ذروتها بشكل حاد في مكانين، والتي سنسميها الموقعين “أ” و “ب “. الآن، دعنا نفترض أن شكل الدالة الموجية يغطي المواقع “أ” و”ب” بالتساوي وبنفس المدى. في هذه الحالة، إذا تم أُجريت تجربة لقياس موقع الإلكترون، فستكون هناك فرصة بنسبة 50٪ للعثور عليه في الموقع “أ” وفرصة بنسبة 50٪ العثور عليه في الموقع “ب”.

قد يبدو هذا المثال مطابقًا لرمي قطعة نقود معدنية والذي يقدم نتيجتين متساويتين في الاحتمال -50% للشعار 50% للكتابة-. ومع ذلك، قد تفشل مثل هذه المقارنة في أن تأخذ في الاعتبار شيئًا مهمًا حول الدور الذي يلعبه الاحتمال في ميكانيكا الكم.

ما المقصود بفكرة الحتمية الكونية؟ وما هو رأي ميكانيكا الكم في الحتمية السببية؟

عند رمي قطعة معدنية فإن احتمالية ظهور الشعار أو الكتابة هي بالتساوي 50% لكل منهما (حقوق الصورة: W. Scott McGill/Shutterstock)

عندما ترُمى عملة معدنية وتُغّطى، فمن الممكن تشبيهها بالإلكترون المذكور أعلاه. يمكن أن يكون الوجه الذي ظهر شعارًا أو كتابةً. الاختلاف الجوهري هو أنه في الوقت الحالي يتم تغطية العملة المعدنية، وقد حدث النتيجة بالفعل إما للشعار أو الكتابة ونحن لا نعرف ذلك حتى الآن. في حين أن الإلكترون في التجربة المذكورة أعلاه موجود في نفس الوقت في كلا الموقعين “أ” و “ب “.

توضح هذه التجربة أنه حتى لو كنا نعرف كل شيء عن الإلكترون، حتى لو عرفنا الشكل الدقيق لدالة الإلكترون الموجية، فلا يزال هناك احتمال بنسبة 50٪ أن يتم العثور عليه في الموقع “أ”، وفرصة بنسبة 50٪ أن يكون يمكن العثور عليها في الموقع “ب”. لذا، فإن الكون لا يتصرف بشكل حتمي  بل يحمل في ثناياه على الدوام جزءًا من العشوائية وهذا ما تم تأكيده في مؤتمر «سولفاي-Solvay» عام 1927 بحضور كوكبة من علماء الفيزياء آنذاك.

ما المقصود بفكرة الحتمية الكونية؟ وما هو رأي ميكانيكا الكم في الحتمية السببية؟

صورة جماعية لكوكبة من علماء الفيزياء في مؤتمر سولفاي

المصادر

thegreatcoursesdaily
Stanford University
aeon
simplypsychology

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تقنية فضاء فيزياء هندسة

User Avatar

Qaher Naji

درست تخصص هندسة كهربائية والكترونية، حاصل على درجة الماجستير في قسم التحكم الآلي، مهتم بالتكنولوجيا والهندسة.


عدد مقالات الكاتب : 46
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق