Ad

منذ اكتشاف الطاقة الهائلة التي تنتج عن الانشطار النووي، تسابقت القوى العضمى في تطوير مختلف أنواع المفاعلات لاستخلاص هذه الطاقة. وتعددت المفاعلات حسب الغرض من الاستخدام وحسب إمكانات الدول، فنجد مفاعلات تستعمل اليورانيوم الطبيعي في الدول الغنية به، بينما تنحو الدول التي تفتقر إليه إلى عملية التخصيب. ويمكن تصنيف المفاعلات حسب مكوناتها ومبدإ عملها. فعلى أي أساس تُصنّف المفاعلات النووية؟ وما هي أنواع كل صنف؟

تصنيفات المفاعلات النووية

 تنقسم المفاعلات إلى عدة أنواع رغم أن مبدأ العمل يبقى نفسه، ويتحدد نوع المفاعل حسب طاقة النيوترونات داخله و حسب نوع مكوناته (المثبط والمبرد والوقود النووي)، بالإضافة إلى طريقة تركيبته.

طاقة النيوترونات

يمكن تصنيف المفاعلات النووية إلى صنفين حسب طاقة النيوترونات المستعملة في إنتاج التفاعلات النووية. ف «المفاعلات السريعة-Fast Reactors»، تستخدم نيوترونات عالية السرعة (0.1MeV< E< 1MeV) من أجل تحفيز عملية الانشطار داخل المفاعل. بينما تحتاج « المفاعلات الحرارية-Thermal Reactors» نيوترونات حرارية (طاقتها أقل من 0.1eV) لإتمام التفاعل. لهذا، نجد أن المفاعلات السريعة لا تحتاج مثبطا لإبطاء النيوترونات عكس المفاعلات الحرارية. وتُستعمل االمفاعلات الحرارية عادة في إنتاج الطاقة الكهربائية. بينما يكثر استعمال المفاعلات السريعة في إنتاج الوقود النووي [1].

المثبط

بالنسبة للمثبط، فإن الشرط الذي يقوم على قابليته لإبطاء الإلكترونات بكفاءة، يحد من المواد التي يمكن اختيارها. إذ إنها لا تتعدى ثلاث مواد: الهيدروجين والكربون والبيريليوم. ويتم استخدام الماء كمثبط باعتباره غنيا بالهيدروجين وهو الأكثر انتشارا في المفاعلات النووية. أما الكربون فيُستخدم على شكل غرافيت. وبالنسبة للبيريليوم، فإنه يكون على شكل أوكسيد البيريليوم، وقد كان شائعا في المفاعلات القديمة، لكنه تراجع بسبب سُمِّيته و تكلفته الباهضة [2].

المُبرِّد

يحدد المُبرِّد -الذي ينقل الحرارة الناتجة عن الانشطار النووي خارج قلب المفاعل- عادة نوعَ المفاعل. ويكون المُبرِّد إما سائلًا أو غازًا، وتستخدم أغلب المفاعلات الماء كمُبرِّد نظرًا لقلة كلفته، لكننا نجد أيضا الماء الثقيل وغاز ثنائي أكسيد الكربون والهليوم غيرها. وفي بعض الأحيان، يكون المبرد هو نفسه المثبط كما في الماء. لكن في حالة كان المبرد غازا، فإن كثافته لا تسمح بإبطاء الإلكترونات، لذلك نستعين في بالغرافيت كمثبط [2].

الوقود النووي

يختلف الوقود النووي في المفاعلات النووية حسب نوع النظير المستعمل وحسب درجة التخصيب التي تتراوح عادة بين 3% و 4%، ولا تتعدى العناصر الطبيعية التي يمكن استخدامها كوقود عنصري اليورانيوم والثوريوم. أما اليورانيوم، فيحتوي على نظير «انشطاري -Fissile»-أي القابل للانشطار- هو اليورانيوم-235، وآخر « خصب-fertile» –أي يمكن تحويله إلى عنصر انشطاري- هو االيورانيوم-238. ويستخدم اليورانيوم الانشطاري مباشرة كوقود نووي، بينما تمتص نواة اليورانيوم الخصب نيوترونا لتتحول إلى البلوتونيوم-239 الانشطاري. بالنسبة للثوريوم، فإنه يعتبر أيضا وقودًا خصبًا، لذلك يتم تحويله لليورانيوم-233 الانشطاري [2].

تركيبة المفاعل

يمكن تصنيف المفاعلات حسب تركيبتها إذا كانت متجانسة أو غير متجانسة. ونقصد بهذا، ما إذا كان الوقود النووي والمبرد  يمتزجان معا ليشكلا خليطا متجانسًا، أم أن الوقود منفصل عن المبرد في وحدة خاصة به. وأغلب المفاعلات اليوم هي من النوع غير المتجانس، وذلك ضمانا لعدم تسرب الوقود النووي خارج قلب المفاعل. لكننا نجد أيضا المفاعلات المتجانسة كمفاعلات الملح المصهور على سبيل المثال، وهذا النوع من المفاعلات لا يستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية [1][2].

أنواع المفاعلات النووية

يمكن أن نقسم المفاعلات حسب أي من التصنيفات التي ذكرناها في الفقرة السابقة. وقد درج أهل الاختصاص على تصنيفها حسب نوع المبرد. فنجد: المفاعلات المبرَّدة بالغاز، وتلك المبرَّدة بالماء الثقيل، والمفاعلات المبرَّدة بالماء العادي، والمفاعلات المبرَّدة بالغرافيت، وأخيرًا المفاعلات السريعة.

المفاعلات المبرَّدة بالغاز

 يمثل صنف المفاعلات المبردة بالغاز أقدم جيل من المفاعلات، ويستخدم هذا النوع الغرافيت كمثبط وأحد الغازات كمبرد. ونجد في هذا الصنف ثلاثة أنواع: « المفاعل ماجنوس-MagnoxReactors» ونسخته المطورة «ا المفاعل المتقدم المبرد بالغاز-Advanced Gas-Cooled Reactor»، وأخيرا « المفاعل المرتفع الحرارة المبرد بالغاز – High Temperature Gas cooled Reactor».

المفاعل ماجنوس

يعتبر المفاعل ماجنوس من أقدم تصميمات المفاعلات. وقد بُنيَت أول منشأة نووية في العالم بهذا التصميم سنة 1956 في بريطانيا، وبلغت قدرتها 60MWe. وترجع تسمية المفاعل إلى سبيكة المغنيسيوم التي تغلف وقوده النووي. يتشكل هذا الأخير من اليورنيوم الطبيعي غير المخصب ويحيط به الغرافيت كمثبط. ويتم تبريد المفاعل بغاز ثنائي أكسيد الكربون (CO2)، حيث يقوم الغاز الساخن القادم من قلب المفاعل بتحويل الماء إلى بخار في محول حراري، ليحرك البخار عنفة (طوربين) لتوليد الكهرباء [1].

المفاعل المتقدم المبرد بالغاز

تم تطوير المفاعل المتقدم المبرد بالغاز كجيل محَسَّن من مفاعل ماجنوكس وذلك بهدف رفع مردودية المفاعل. فتم استبدال الوقود بثنائي أكسيد اليورانيوم المخصب (من 2.5% إلى 3.5%) الذي غُلِّف بالفولاذ المقاوم للصدإ بدل سبيكة المغنيسيوم. مما أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة في قلب المفاعل إلى درجات قد تصل إلى 650°C، وبالتالي إلى زيادة الطاقة الحرارية المستخرجة من المفاعل. بالإضافة إلى هذا، فقد وُضِعت أداة جديدة للتحكم في سير الانشطار إلى جانب أعمدة التحكم، حيث أصبح من الممكن إلقاء مادة النيتروجين في المبرد من أجل إيقاف المفاعل [3][4].  

المفاعل المرتفع الحرارة المبرد بالغاز

يعتبر المفاعل المرتفع الحرارة المبرد بالغاز النسخة الأحدث من المفاعلات المبردة بالغاز. ويتميز بفاعليته التي تفوق بقية مفاعلات هذا الصنف، خصوصًا مع استبدال المثبط بغاز الهليوم الأكثر كفاءة. ويستعمل المفاعل الثوريوم واليورانيوم المخصب بالكامل كوقود نووي، حيث تم حشو كرات من الغرانيت (المثبط) بحبيبات صغيرة تحتوي الثوريوم-232 (الذي يستخدم كمنتج للوقود الانشطاري) واليورانيوم-235 [1].

مفاعلات الماء الخفيف

تمثِّل «مفاعلات الماء الخفيف-Light Water Reactor» الصنف الأكثر انتشارًا في العالم. ويشمل نوعين من المفاعلات: «مفاعلات الماء المضغوط-Pressurized Water Reactor» و«مفاعلات الماء المغلي-Boiling Water Reactor». ويستعمل كلا المفاعلان اليورانيوم المخصب (بنسبة 3.2%) كوقود نووي والماء العادي  (H2O) كمبرد ومثبط [3].

الشكل 1: مفاعل الماء المضغوط

ويختلف المفاعلان في طريقة استعمال الماء للتبريد. إذ يخضع الماء في مفاعلات الماء المضغوط  لضغط عال حتى يحافظ على حالته السائلة في ظل درجات الحرارة العالية في قلب المفاعل، ويحمل هذه الحرارة إلى مولد للبخار منفصل عنه. وهكذا، فإن القناة التي يسري فيها المبرد الرئيسي (الذي يمر بقلب المفاعل) منفصلة تمامًا عن قناة مولد البخار –والتي يتحول فيها الماء إلى بخار من أجل تحريك العنفة (انظر الشكل 1). بينما نجد أن مفاعلات الماء المغلي، لا تحتوي إلا على قناة واحدة، حيث يتحول الماء نفسه الذي يدخل قلب المفاعل إلى بخار لتحريك العنفة (انظر الشكل 2) [2].

الشكل 2: مفاعل الماء المغلي

يمكن أيضا أن نضيف إلى هذا التصنيف مفاعلات RBMK  بما أنها تُبرّد بالماء المغلي، لكنها عادة تُكوِّن صنفًا لوحدها. وقد طور الاتحاد السوفييتي هذا النوع من المفاعلات من أجل تصنيع البلوتونيوم لأغراض عسكرية قبل أن يتم تعديله لإنتاج الكهرباء. ويتكون قلب المفاعل من كتلة من الغرافيت المثبط تتخلله قضبان الوقود النووي، والتي تتكون بدورها من ثنائي أكسيد اليورانيوم المخصب. وقد تسبب هذا النوع من المفاعلات في حادثة تشيرنوبل الشهيرة  [4].

مفاعلات الماء الثقيل

تشبه مفاعلات الماء الثقيل -أو CANDU كما يطلق عليها أحيانًا- مفاعلات الماء المضغوط في طريقة العمل. وقد تم تطويرها من أجل تجنب تخصيب اليورانيوم، حيث تستعمل اليورانيوم الطبيعي كوقود. ولتعويض نسبة اليورانيوم المخصب، تستعمل هذه المفاعلات الماء الثقيل (D2O) ذي الكفاءة العالية في إبطاء النيوترونات، وبالتالي زيادة نسبة الانشطار في الوقود. أما من حيث التصميم، فإن أعمدة الوقود النووي تجمع على شكل أفقي داخل ما يسمى ب كالاندريا calandria على عكس الأعمدة العمودية في باقي المفاعلات. ويسمح هذا التصميم بإعادة شحن المفاعل بالوقود النووي دون حاجة لإزالة الأعمدة من قلب المفاعل (انظر الشكل 3)[4].

الشكل 3: مفاعل الماء الثقيل، ويمثل (1) الوقود النووي االمحاطة بالماء الثقيل (9) والمتضمن في الكالاندريا (2)، أما (3) فهي أعمدة التحكم، و يمكن تموين المفاعل أوتوماتيكيا بفضل (8). بالنسبة لبقية المفاعل فإنه يشبه مفاعل الماء المضغوط

المفاعلات السريعة

لا تزال المفاعلات السريعة في طور التخطيط والتطوير، ذاك أن كل مفاعلات هذا النوع واجهت مشاكل أثناء تشغيلها. ويُعد إنتاج الوقود النووي الهدف الرئيس لهذه المفاعلات. وقد تم الأخذ بعين الاعتبار أن تكون كمية المادة الانشطارية المنتجة أكبر من تلك المستهلكة. لهذا، فإن الوقود النووي سيكون غنيا بالبلوتونيوم الانشطاري الذي يحيط به اليورانيوم الخصب، حيث سيسهم البلوتونيوم في خلق نيوترونات يمتصها اليورانيوم الخصب ليتحول إلى البلوتونيوم بدوره. وبما أن هذه المفاعلات لا تملك مثبطا، فإن أفضل مبرد لها هو سائل الصوديوم نظرا لأنه موصل حراري ممتازقادر على منع ارتفاع درجة حرارة قلب المفاعل. ولأن الصديوم يصير مشعا عند تعرضه للنيوترونات، وجب التأكد من أنه لن يتسرب خارج المفاعل. لذلك فإن نظام التبريد فيه يتكون من دورتين منفصلتين كما في مفاعلات الماء المضغوط [1], [3], [4].

في النهاية، كانت هذه أهم أنواع المفاعلات المنتشرة في العالم. ورغم أننا تناولنا مكوناتها وطرق عملها، فلا يزال الجانب الفيزيائي يحتاج إلى مزيد من الشرح. لذلك، سنخصص المقالات القادمة لفيزياء المفاعلات النووية. 

المصادر

[1]  £An Introduction to the Concepts, Systems, and Applications of Nuclear Processes

[2] Nuclear Energy: Principles, Practices, and Prospects

[3] Nuclear Reactor Types

[4] Physique des Réacteurs Nucléaires

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


فيزياء

User Avatar

مريم بلحساوية


عدد مقالات الكاتب : 17
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق