Ad

وفّر علينا ديمتري مندليف وجدوله الدوري أطنانًا من الجهد والعناء. وسهّل علينا الحياة، وساعد في تقدم الكيمياء -وغيرها من المجالات الأخرى- بشكل غير مسبوق. هذا النَظم الكيميائي الذي يعود لعالمٍ لم ينصفه التاريخ بالشكل الكافي، حان الوقت لمحاولة إنصافه.

ضيفنا اليوم في سلسلة العلماء الذين لا نعرف كيف لم يحصلوا على جائزة نوبل هو ديمتري مندليف. الكيميائي والمعلم الروسي الذي اكتَشف نظامًا للعناصر الكيميائية، وصنفها بطريقة تسهِّل علينا دراستها ومعرفة خصائصها، والذي لم يَنل جائزة نوبل رغم جهده العظيم.

حياته المبكرة

ديمتري مندليف

في الثامن من فبراير من عام 1834، وفي بلدة توبولسك الواقعة بمقاطعة سيبيريا في روسيا، شهد العالم مولد ديمتري إيفانوفيتش ميندليف. امتازت عائلته بالعزوة والعدد الكبير، ويعتقَد أنه امتلك 16 أخاً وأختاً. والده، والذي كان معلمًا بسان بطرسبرج، أصيبَ بالعمى بعد ولادة ابنه الأخير. ما اضطر الأم إلى التكفل بمصاريف الأسرة. ولم يكن ذلك مستعصيًا عليها؛ فالأم ماريا كورنيليفا كانت مديرة لأحد مصانع الزجاج، وكان دخلها كبيرًا.

وفي عام 1847 مات الأب. وبعدها بعام واحد فقط، احترق مصنع الزجاج، مما اضطر العائلة إلى الانتقال للعاصمة سان بطرسبرج. كان الأب أثناء حياته قد تخرج في المعهد التربوي بالعاصمة، وكان متفوقًا وذي سمعة طيبة، ولهذا عمل كمدرس هناك. وبعد وفاته، استطاع ديمتري مندليف أن يلتحق بنفس المعهد الذي درس فيه أبوه؛ لأن مدير المعهد كان يعرفه. وبالمناسبة، كان ديمتري يبلغ من العمر وقتها 16 عامًا.

على مشارف العشرين، نشر مندليف ورقته العلمية الأولى، وكان عادًة ما يعمل على سريره. وعلى الرغم من أنه كان صعب المراس، ومعلميه وزملاءه يشهدون بذلك، إلا أنه استطاع أن يتخرج متفوقًا على الجميع. وحصل على المركز الأول متفوقًا على أقرانه.

أصبح مندليف معلمًا في سنه ال21 في عام 1855، ولكنه لم ير أن التدريس كاف لإشباع رغباته العلمية وطموحه العالي, فأراد صاحبنا أن يحصل على درجة الماجستير في الكيمياء، وهذا ما أعاده مسرعًا إلى العاصمة ليدرس الماجستير هناك. ومن جامعة سان بطرسبرج، حصل ديمتري مندليف على درجة الماجستير في الكيمياء عام 1856. [1]

شغفٌ منقطع النظير بعلم الكيمياء

أصبح مندليف معلمًا وأكاديمياً حاصلاً على درجة الماجستير في الكيمياء. وجمع بين السلك التعليمي والأكاديمي في الوقت ذاته حتى فاز بمنحة إلى غرب أوروبا ليستكمل دراساته وأبحاثه في مجال الكيمياء.

قضى مندليف جلَّ عامي 1859 و1860 في مدينة هايدلبرغ بألمانيا. وهناك عمل مع روبرت بنزن Robert Bunsen في جامعة هايدلبرغ. وقتها، اكتشف بنزن بمساعدة زميله جوستاف كيرتشوف عنصر السيزيم باستخدام تقنية منظار الطيف أو الـ Spectroscopy. وتلك هي التقنية التي جمعت ميندليف ببنزن.

وفي عام 1860، حضر ميندليف مؤتمرًا سيغير نظرته تمامًا ويشكل فارقًا في حياته. كان هذا المؤتمر هو المؤتمر الدولي الأول من نوعه للكيمياء، وأقيم في مدينة كارلسروه الألمانية. وكان الهدف من المؤتمر هو تعميم الكيمياء وتوحيدها Standardize على مستوى العالم أجمع. وقتها سمع مندليف عن نص قانون أفوجادرو، وازداد شغفه وحبه للكيمياء.

عاد ديمتري مندليف إلى سان بطرسبرج وإلى التدريس مرة أخرى في عام 1861. وكان شغفه بالكيمياء واضحًا. وتأثر مندليف بتقدم الألمان في مجال الكيمياء وخاف أن يسبقوا دولته روسيا، فرأى ضرورة تأليف كتابٍ شامل عن الكيمياء باللغة الروسية. وصدق أو لا تصدق؛ في 61 يوماً فقط، استطاع العالم الشغوف ذو الـ 27 عامًا أن ينجز كتاب “الكيمياء العضوية” في 500 صفحة!

فاز الكتاب بجائزة دوميدوف Domidov Prize، وارتبط اسم مندليف ارتباطًا وثيقًا بالكيمياء في روسيا. لكن لم يكتف مندليف بهذا الحد، وإنما ألّف كتابًا ثانيًا تحت اسم مبادئ الكيمياء أو The Principles of Chemistry في عام 1869. وكان يبلغ حينها من العمر 35 سنة فقط! واشتهر الكتاب في روسيا، بل وفي العالم أجمع، وترجِم إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. [2]

الجدول الدوري للعالم ديميتري مندليف

في عام 1869، شرع مندليف بكتابة الجزء الثاني من كتاب “مبادئ الكيمياء”. ووقتها، كتب أسماء وخصائص 65 عنصرًا كيميائيًا على بطاقات شبيهة ببطاقات اللعب. ولعل أهم الخصائص التي كتبها كان الوزن الذري للعناصر، والذي رأى مندليف أنه كان مهمًا للغاية لمعرفة العلاقة بين العناصر الكيميائية المختلفة. وظل مندليف يقلِّب البطاقات يمينًا ويسارًا علّه يصل إلى اكتشاف ما، ولكنه سرعان ما غلبه النوم. [3]

وعلى غرار اكتشافات عظيمة لم تكن لتخرج للنور لولا العقل اللاواعي، توصل عقل مندليف اللاواعي للنمط الصحيح الذي يجب أن يرتب البطاقات وفقًا له لكي يصل إلى العلاقة بينها.

“في الحلم، رأيت جدولًا ترتَّب فيه العناصر بالنمط المناسب. وعندما استيقظت، دوّنت ما رأيته في الحلم على ورقة”.

ديميتري مندليف

لم يحتج مندليف سوى لأسبوعين فقط لكي ينشر العلاقة بين الخصائص والأوزان الذرية للعناصر الكيميائية. ووقتها، ظهر ما سيغير علم الكيمياء إلى الأبد، ظهر الجدول الدوري للعناصر الكيميائية.

ديمتري مندليف لم يفز بجائزة نوبل، ولكنه فاز بأكثر من ذلك بكثير

بسبب اكتشافه للجدول الدوري، تم ترشيح ديمتري مندليف إلى جائزة نوبل في الكيمياء في عام 1905 و1906. لكن لسوء الحظ ولاعتقاد لجنة التحكيم بأن اكتشافه للجدول الدوري كان شيئًا من الماضي، ذهبت الجائزة إلى مكتشف عنصر الفلور، ألا وهو هنري مواسون. وبالمناسبة، توقع الجدول الدوري مكان عنصر الفلور به بدقة شديدة. [3]

وبعد ترشحه لمرتين آخرهما في 1906، مات مندليف في العام اللاحق، ومات معه حلم فوز الجدول الدوري بجائزة نوبل. ومع هذا، فاز الجدول بشرف أكبر وأصبح موجودًا على أغلفة ملايين الكتب حول العالم. وأصبح ذكر الجدول الدوري وذكر مكتشفه ديمتري مندليف مخلدًا حتى يومنا هذا.

جدول مندليف الدوري وعناصره بالأخضر الصافي

المصادر:

  1. Biography
  2. Famous Scientists
  3. National Geographic

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


كيمياء

User Avatar

Ahmed Safwat Salah Al-Din

طالب كيمياء، محب للعلوم والبحث العلمي، وكذلك الفن بأشكاله٠


عدد مقالات الكاتب : 30
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : Chaimaebellahsaouia
تدقيق علمي : abdalla taha

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق