Ad

كيف نتخذ قراراتنا؟

عندما نحدد هدفًا ما نريد تحقيقه، فإننا نسأل أنفسنا دائمًا، ما الذي أريده؟ قد يبدو هذا السؤال سهلًا، فمعرفة ما تريده يعني أنك تعرف كيف ستشعر بعد تحقيق ما تريد النهاية. ولذا فعندما نتعرض إلى خيارات مختلفة، فإن العملية التي غالبًا ما تتحكم في اختيار قرار ما تسمى «توقع المتعة – hedonic prediction». ويعني هذا باختصار أننا نختار الخيار الذي يتسبب في متعة أكثر أو ألم أقل. وتعتمد توقع المتعة في الغالب على ذكرياتنا عن التجارب السابقة التي مررنا بها. لذلك فنحن نفضل الخيارات التي نتذكر أنها كانت ممتعة ولا نفضل الخيارات التي نتذكر أنها كانت مؤلمة. ولكن ما مدى دقة تذكرنا لتجاربنا السابقة؟ هل تقدم أدلة جيدة لاختيار القرارات المستقبلية؟ [1]

كيف كانت عطلتك؟

عندما نسأل صديقًا عاد مؤخرًا من جزر البهاما، كيف كانت عطلتك؟ أو عندما نسأل صديقًا أنهى علاقته العاطفية كيف كنت تشعر وقتها؟ نحن نفترض أن الصديق يعرف الجواب. فنحن نفترض أن الصديق يتذكر بدقة المشاعر التي راودته وقتها لحظة بلحظة. وتسمى محاولة تذكر مدى الألم أو المتعة التي مررنا بها في تجربة معينة «التقييم بأثر رجعي –Retrospective assessments». يعتبر التقييم بأثر رجعي مقبول في التفاعل اليومي بين الناس مع نفس القدر من الثقة، كالإجابات على الأسئلة عن التأثير اللحظي. مثال على ذلك أسئلة مثل: هل تستمتع بعطلتك الآن؟ أو كيف تشعر الآن بعد أن انهيت علاقتك العاطفية؟ ولكن كما سنبين لاحقًا فهناك فعلًا اختلاف كبير بين الإجابة عن شعورك اللحظي وتذكرك لهذا الشعور بعد ذلك. [1]

لقد قام «دانييل كاينمان – Daniel Kahneman» عالم السلوك الحائز على جائزة نوبل بمحاولة للإجابة عن كل تلك الأسئلة السابقة. وقد استنتج كاينمان أننا إذا لم نتعرض لحدث استثنائي فارق (ذروة) خلال تجربة معينة، فإننا نتذكر تلك التجربة بالطريقة التي شعرنا بها عند النهاية فقط. وقد وجد كاينمان هذا الاستنتاج مثيرًا جدًا للاستغراب حتى أنه عنون أحد أوراقه البحثية لماذا قد نفضل ألم أكثر! [1]

نشر كاينمان العديد من الأوراق البحثية وقام بإجراء العديد من التجارب الموضحة للطريقة التي نتذكر بها تجاربنا. وفيما يلي نستعرض بعض التجارب التي قام بها كاينمان وزملائه وهي للعلم كثيرة جدًا ولا يتسع لها مقال واحد بالطبع.

لماذا قد نفضل ألم أكثر؟

لماذا نختار التعرض لضوضاء أكثر وألم أقوى؟

في إحدى التجارب، تم تعريض المشاركين لضوضاء مزعجة تختلف شدتها من صفر إلى عشرة، لفترات متتالية مدة كل فترة خمس دقائق. فمثلًا المشاركون المعرضون لضوضاء 4-5-7 معناها أنه تهم تعرضوا لضوضاء لخمس دقائق شدتها 4، ثم خمس دقائق أخرى لضوضاء شدتها 5، ثم خمس دقائق أخرى لضوضاء شدتها 7. ثم طُلب منهم بعد ذلك تقييم أي مجموعات من الضوضاء كانت مؤذية بالنسبة لهم بشكل أكبر.

لقد كانت المفاجأة هي أن مدة تعريض المشاركين لضوضاء لم تكن هي العامل الأساسي لتحديد إذا ما كانت التجربة مؤذية أكثر بالنسبة لهم أم لا. فمثلًا وجد المشاركون أن تجربة 2-5-8-4 كانت أقل ألما من تجربة 2-5-8. مع أن تجربة 2-5-8-4 هي نفس التجربة 2-5-8 مضافًا إليها خمس دقائق من الضوضاء بشدة أربعة. وهو ما يعني أن المشاركين لم يتذكروا الخمسة عشر دقيقة الأولى من الألم الأشد بمجرد أنهم حصلوا على خمس دقائق من ألم أقل. [2]

عملية منظار القولون بألم أقل!

في تجربة أخرى، تم الطلب من بعض المرضى من هم بحاجة لإجراء فحوصات منظار بالقولون الإبلاغ عن شعورهم لحظة بلحظة أثناء الفحص. ثم طُلب منهم بعد ذلك الإبلاغ عن سعورهما بعد انتهاء الفحص. يجد معظم الناس هذه الفحوصات مزعجة للغاية. حيث يتم إدخال أنبوب بكاميرا صغيرة في نهايته أعلى المستقيم ثم تحركيه للسماح بفحص الجهاز الهضمي. ولذا يتجنب المرضى بعد ذلك الخضوع لفحص دوري بعد ذلك، مما يعرضهم للخطر.

في هذه التجربة تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين، المجموعة الأولى من المرضى تم عمل الفحص لهم بالطريقة الاعتيادية. أما مجموعة ثانية فقد تم عمل الفحص لهم بالطريقة الاعتيادية ثم بعد انتهاء الفحص ترك الطبيب الأنبوب في مكانه لمدة قصيرة من الزمن. على الرغم من أن بقاء الانبوب في مكانه لا يزال مؤلمًا، لكنه كان أقل ألمًا من حركة الأنبوب.

لقد قامت المجموعة الثانية بالإبلاغ عن الألم اللحظي كما المجموعة الأولى تمامًا (أي أن ذروة الألم كانت واحدة تقريبًا)، ولكن إضافة ألم أقل لمدة إضافية أخرى جعل أغلب المجموعة الثانية يقيمون تجربتهم على أنها أقل ألمًا مقارنة بالمجموعة الأولى. إذن فتلك الفترة القصيرة من الألم الأقل في النهاية أدت إلى فرق كبير. فقد كانت أغلب المجموعة الثانية لا تمانع في الذهاب إلى الفحوصات الدورية بعد ذلك بعكس المجموعة الأولى. لأنهم عندما كانوا يتذكرون التجربة التي مروا بها كانوا يتذكرون أنها لم تكن مؤلمة بالكامل. [3]

تذكر أنك لا تتذكر

يعلق «باري شوارتز – Barry Schwartz» صاحب كتاب «حيرة الاختيار- The Paradox of choice » على فكرة أننا لا نستطيع تذكر تجاربنا بدقة والكيفية التي يؤثر فيها ذلك فيما بعد على اختياراتنا فيقول:

يبدو أنه لا تنبؤنا حول ما سنشعر به بعد تحقيق هدف ما ولا ذكرياتنا عما شعرنا به خلال تجربة معينة هي انعكاسات دقيقة جدًا لما كنا نشعر به بالفعل أثناء حدوث التجربة. ومع ذلك فها هي ذكريات الماضي وتوقعات المستقبل تتحكم في اختياراتنا. وفي عالم من الخيارات الكثيرة والمربكة والمتضاربة، يمكننا أن نرى أن الصعوبة في تحديد أهدافنا بدقة — وهي الخطوة الأولى في طريق اتخاذ قرار جيد – تهيئ فيما بعد لحالة من خيبة الأمل بعد اتخاذ أي قرار. [4]

ولكن ربما كل ما علينا فعله هو تذكر أننا لا نتذكر. ربما تلك العطلة التي كنا نظن أنها جيدة وبعد تكرراها شعرنا بملل كبير لم تكن جيدة بهذا القدر. بل ما حدث في نهاية ثلاثة أسابيع من العطلة هو ما جعلنا نظن أنها جيدة لا أكثر، وهو ما جعلنا نتطلع إلى تكرارها. ربما لم تكن العلاقة التي خرجنا منها جيدة أيضًا، بل ربما كانت مؤذية طوال الفترة التي استمرت بها. ولكنها بما أنها كانت أقل إيذاءً في النهاية فإننا نتذكرها بغير الطريقة التي كانت عليها بالفعل.

المصادر

[1] SAGE Journal

[2] Journal of Behavioral Decision Making

[3] Science Direct – Pain

[4] The Paradox of Choice

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


علم نفس

User Avatar

Mohamed Yasser


عدد مقالات الكاتب : 7
الملف الشخصي للكاتب :

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق