Ad

تعمل قنابل الاندماج النووي أو ما اصطلح عليه بالقنبلة الهيدروجينية بشكل مختلف عن القنابل الذرية. وتفوق قوتها آلاف المرات القنبلة الذرية بفضل الطاقة الذي يحررها الوقود النووي أثناء عملية الاندماج النووي. ورغم أن هذا النوع من القنابل لم يستخدم في أي حرب حقيقية، إلا أن الاختبارات التي تم إجراؤها في عدة مواقع من العالم تبين هول الخسائر التي قد يسببها انفجار قنبلة اندماجية. فكيف تعمل قنبلة الاندماج النووي؟ وما هي ظاهرة الاندماج النووي التي تقوم عليها القنبلة الاندماجية؟ وما هي الآثار التي تخلفها هذه القنابل؟

الاندماج النووي

في ظاهرة الاندماج النووي، تندمج نواتان خفيفتان لتشكلا معًا نواة واحدة أثقل. ولحصول هذه الظاهرة، يجب أن تتغلب قوى التجاذب النووية على التنافر الذي يحدث بين شحن النواتين. ويتم تحقيق هذا الشرط إما برفع كثافة الوقود النووي -حيث يؤدي الضغط الهائل إلى تجاوز عتبة التنافر- أو من خلال رفع درجة الحرارة إلى ما يقارب مئة مليون درجة مئوية (حوالي سبعة أضعاف درجة حرارة مركز الشمس). وكلما كبُر حجم النواة، زادت معه الطاقة اللازمة لإحداث الاندماج النووي. لهذا، تعتبر نواة الهيدروجين الأنسب لهذا الغرض (باعتبارها أخف ذرة في الطبيعة)[1].

ويتوفر الهيدروجين على ثلاثة نظائر طبيعية. أولها، الهيدروجين العادي (1H) الذي يتكون من بروتون واحد، وتشكل نسبته %99.985 من الهيدروجين الموجود في الطبيعة. وثانيهما، الديوتيريوم (ويرمز له ب D أو 2H) الذي يتشكل من بروتون ونيوترون. ويشكل ما نسبته %0.015 من الهيدروجين الطبيعي. وأخيرًا، التريتيوم (ويرمز له ب T أو 3H). ويتكون من بروتون ونيوترونين، ولا يتواجد في الطبيعة إلا بمقدار ضئيل لا يذكر. وتقوم قنبلة الاندماج النووي بشكل أساسي على اندماج الديوتيريوم 2H والتريتيوم 3H، حيث يندمجان فيُشكلان نواة الهليوم 4He مع تحرير نيوترون وطاقة تقدر ب 17.588 MeV (الشكل 1) [2].

الشكل 1: الاندماج النووي لنظيري الهيدروجين الديوتيريوم 2H والتريتيوم 3H

الاندماج النووي للديوتيريوم

 يمثل اندماج نواتين من الديوتيريوم D مثالا آخر للاندماج النووي الذي يستخدم في الأسلحة النووية، حيث ينتهي التفاعل بإنتاج نواة الهيليوم ونيوترون مع انبعاث MeV3.268 من الطاقة (الشكل 2) [3].

الشكل 2: الاندماج النووي لنواتين من الديوتيريوم D

استخدام الليثيوم كوقود نووي

يمكن أيضًا أن نستخدم الليثيوم (6Li) في الاندماج النووي. حيث تنشطر نواة الليثيوم بعد امتصاص نيوترون إلى نواتي الهليوم (4He) والتريتيوم (3H). فيدخل هذا الأخير في تفاعل كالذي في الشكل 1 من أجل تحرير طاقة الانفجار (الشكل 3). ويتم استعمال الليثيوم كوقود نووي بدل التريتيوم لأن هذا الأخير عنصر مشع غير مستقر يتحلل إلى الهيليوم (3He) بعمر نصف (المدة الزمنية اللازمة لتحلل نصف الكمية) يقدر بـ12 سنة. وبالتالي، فإن استعمال التريتيوم بشكل مباشر يتطلب إعادة تعبئته كل مدة معينة لتعويض الكمية المتحللة [3].

الشكل 3: استخدام الليثيوم من أجل إنتاج الاندماج النووي

تصميمات قنابل الاندماج النووي

تعتبر تصميمات قنابل الاندماج النووي من الأسرار العسكرية للدول النووية. وما يتوافر لدينا من معلومات لا يتعلق إلا بأولى القنابل التي صُنّعت في القرن الماضي، كالقنبلة المعَزَّزة التي تعتمد بشكل جزئي على الاندماج النووي وقنبلة المرحلتين.

القنبلة المعززة

يُستخدم الاندماج النووي في «القنبلة المعَزَّزة-boosted weapon» من أجل تعزيز كفاءة القنبلة التي تعتمد أساسًا على طاقة الانشطار النووي. إذ يساهم الاندماج النووي لكمية صغيرة من (بضعة غرامات) الديوتيريوم D والتريتيوم T في خلق المزيد من الانشطارات النووية قبل أن تدمر القنبلة ذاتها. ويحدث ذلك عندما يمتص الوقود الانشطاري النيوترونات المنبعثة من اندماج D و Tفينشطر محَرِّرًا معه طاقة الانفجار [3].

قنبلة المرحلتين

تعتمد «قنبلة المرحلتين-two stage bomb» أو ما يعرف بـ «تصميم تيلر-أولام-Teller-Ulam design» بشكل أساسي على طاقة الاندماج النووي.  وكما هو بيِّن من الاسم، فإن هذه القنبلة تنفجر على مرحلتين. في المرحلة الأولى -التي تدعى الانفجار الأولي- تنفجر قنبلة انشطارية من نوع الانضغاط الداخلي (الجزء الدائري من الشكل 4) لتُؤمِّن الضغط اللازم لتوليد الاندماج النووي. بعدها، يَظَّل الوقود النووي الاندماجي -المعبأ في أسطوانة أسفل القنبلة الانشطارية- ينضغط إلى مركز الأسطوانة ضاغطًا معه أنبوبًا من المادة الانشطارية الذي يخترق أسطوانة الوقود النووي الاندماجي من مركزها. ويتجلى دور الأنبوب في كونه الفتيل الذي يشعل الانفجار الاندماجي. ذاك أن انضغاط الأنبوب يُوصل المادة الانشطارية داخله إلى الكتلة الحرجة، التي يمكن معها بدء الانفجار الانشطاري بعد امتصاص أحد النيوترونات، فينفجر الأنبوب مولدًا معه الحرارة اللازمة لبدء الانفجار الاندماجي. وهذا ما يعرف بالانفجار الثانوي [3].

الشكل 4: مراحل انفجار قنبلة المرحلتين

ويعتبر التحدي الأكبر في هذا التصميم هو الوصول إلى الانفجار الاندماجي قبل أن يدمر الانفجار الأولي القنبلة. مع العلم أن هذا الانفجار الأولي قادر على تدمير مدينة بأكملها. ويكمن سر نجاح هذا التصميم في كون معظم الطاقة المحررة من الانفجار الأولي عبارة عن أشعة إكس التي تسمح بنقل الطاقة إلى المادة الاندماجية قبل أن ينفجر السلاح كله مدمرا نفسه [3].

آثار قنابل الاندماج النووي

تتغير شدة الآثار التي تخلفها قنابل الاندماج النووي حسب قوة الانفجار. ويتم تحديد هذه القوة بحساب عدد الأطنان اللازمة لخلق نفس الانفجار باستعمال «ثلاثي نيتروتولوين-(Trinitrotoluene (TNT» (متفجرات تي إن تي التقليدية). وقد تصل قوة انفجار قنابل الاندماج النووي إلى عشرات ملايين الأطنان [1].

الكرة النارية النووية

لا تقتصر آثار قنابل الاندماج النووي على قوة الانفجار وحدها، بل إن أغلب الأضرار تنتج عن نواتج الانفجار. وأولها، كرة نارية قد يصل قطرها إلى أكثر من 1000 متر. تتشكل من كمية هائلة من أشعة إكس التي تقوم بتسخين الهواء إلى عشرات الملايين من الدرجات المئوية (درجة حرارة الشمس). وفي هذه الظروف فإن ذرات وجزيئات المادة تتحلل [4].

موجة الهواء المضغوط

وتتسبب الكرية النارية في تشكيل موجة من الهواء المضغوط الذي ينتشر بسرعة تفوق سرعة الصوت وذلك بدفع الهواء بعيدا عن مركز الانفجار. يسبب الضغط الهائل سحق كل  شيء بالقرب من مركز الانفجار بما في ذلك أجسام البشر التي تموت بشكل فوري عند التعرض لهذا الضغط. بالنسبة للمناطق الأبعد، حيث ينخفض الضغط نسبيًا، فإن الضغط قد يتسبب في تمزيق الرئتين أو على أقل تقدير في تمزيق طبلة الأذن. بالإضافة إلى هذا، تصاحب موجة الضغط هذه رياح عاتية قادرة على اقتلاع مباني على بعد عدة أميال من أساساتها. وفي حال بقي شيء من البنيان، فإن ما يسمى بتأثير الفراغ كفيل بتدميره. ذاك أن الأماكن التي تجتاحها موجة الضغط تفقد الكثير من الهواء، وبالتالي ينخفض الضغط في محيط البنايات هناك، فتنفجر هذه الأخيرة بسبب فرق الضغط بين الداخل والخارج [4].

الإشعاعات الحرارية

وأخيرًا وليس آخرًا، يأتي دور الإشعاعات الحرارية التي تكون على شكل ضوء أو حرارة، والتي تصل درجة حرارتها إلى 6000 درجة مئوية. وتتسبب هذه الإشعاعات في إحراق أي شيء قابل للاحتراق داخل مدى انتشارها من خشب أو ملابس أو حتى جلد الإنسان. مما يؤدي إلى انتشار موجة من الحرائق يصل مداها إلى بضعة كيلومترات. وقد يؤدي الوميض الضوئي لهذه الإشعاعات الذي قد يدوم 30 دقيقة ويتخطى 10 أميال إلى الإصابة الدائمة بالعمى. وبسبب قدرة هذه الإشعاعات على الانعكاس في الهواء، فإن أثرها لا ينحصر فقط على من ينظر مباشرة إلى الانفجار بل إلى أي شخص في دائرة الانفجار [4].

المصادر

[1] Nuclear energy: An introduction to the concepts, systems, and applications of nuclear processes

[2] Nuclear Weapons, Risk and Hope -Handout#2

[3] Introduction to Nuclear Weapon Physics and Design 

[4] Basic Nuclear Physics and Weapons Effects 

سعدنا بزيارتك، جميع مقالات الموقع هي ملك موقع الأكاديمية بوست ولا يحق لأي شخص أو جهة استخدامها دون الإشارة إليها كمصدر. تعمل إدارة الموقع على إدارة عملية كتابة المحتوى العلمي دون تدخل مباشر في أسلوب الكاتب، مما يحمل الكاتب المسؤولية عن مدى دقة وسلامة ما يكتب.


تقنية فيزياء

User Avatar

مريم بلحساوية


عدد مقالات الكاتب : 17
الملف الشخصي للكاتب :

شارك في الإعداد :
تدقيق لغوي : صفاء بلحساوية

مقالات مقترحة

التعليقات :

اترك تعليق